Homeمقالاتالفاسد في العراق... لا يدخل السجن، بل يدخل "تسوية"! : د.ضياء واجد...

الفاسد في العراق… لا يدخل السجن، بل يدخل “تسوية”! : د.ضياء واجد المهندس

 

في الدول التي تحترم القانون، يكون السجن هو النهاية الطبيعية لمن يختلس المال العام. أما في العراق، فقد أصبح السؤال مختلفًا: كم سرقت؟ وهل تستطيع إعادة جزء من الأموال؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد تتحول الجريمة من قضية فساد إلى “ملف قابل للتسوية”.
التصريحات الأخيرة بشأن شمول بعض جرائم الفساد بقانون العفو، إذا أُعيدت الأموال المختلسة، تثير نقاشًا واسعًا حول فلسفة العقاب وحماية المال العام. فحتى لو كان ذلك يستند إلى تفسير قانوني أو نص تشريعي، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي رد المال لإلغاء المسؤولية عن الجريمة؟
إن الفساد ليس مجرد أموال خرجت من خزينة الدولة ثم عادت إليها. فالضرر الحقيقي يقع في السنوات التي حُرم فيها المواطن من مستشفى ومدرسة وطريق وفرصة عمل بسبب اختلاس تلك الأموال. إعادة المال لا تعيد الطفل الذي مات لعدم توفر الدواء، ولا تعوض الشباب الذين هاجروا بسبب البطالة، ولا تمحو آثار المشاريع الوهمية.
الأخطر من ذلك هو الرسالة التي قد تصل إلى الفاسدين: اسرق أولًا، وإن كُشفت لاحقًا فأعد جزءًا مما أخذت، وربما تتجنب العقوبة. وهذه الرسالة، إن فُهمت بهذا الشكل، قد تُضعف الردع وتُشجع على تكرار الفساد بدل الحد منه.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن مكافحة الفساد لا تنجح بالعفو وحده، بل بمنظومة متكاملة تقوم على:
محاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
استرداد الأموال المنهوبة.
فرض عقوبات رادعة تمنع تكرار الجريمة.
منع المدانين من تولي أي منصب عام مستقبلًا.
تعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة.
إن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد، مثل سنغافورة وعدد من الدول الإسكندنافية، لم تبنِ نجاحها على التسويات، بل على يقين راسخ بأن المال العام خط أحمر، وأن المنصب ليس حصانة، وأن العقوبة لا تُلغى بمجرد إعادة الأموال.
العراق اليوم بحاجة إلى ترسيخ مبدأ بسيط وواضح: استرداد الأموال حق للدولة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن المساءلة الجنائية إذا ثبتت الجريمة بحكم قضائي. فالمحاسبة تحقق العدالة، بينما استرداد الأموال يعالج جانبًا من الضرر المالي فقط.
إن معركة العراق ضد الفساد لن تُحسم بالشعارات، بل ببناء ثقة المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن من يعتدي على المال العام يواجه العدالة وفق أحكام القضاء والقوانين النافذة، دون امتيازات أو استثناءات غير مبررة.
فالدولة التي لا يُحاسَب فيها الفاسد، قد تسترد بعض أموالها، لكنها تخاطر بخسارة ثقة مواطنيها، وهذه خسارة يصعب تعويضها.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular