ليس من قبيل المصادفة أن تتسارع وتيرة الإعدامات في إيران كلما دخل النظام مرحلة أكثر تعقيدا من أزماته الداخلية. فالتجارب المتراكمة منذ قيام الجمهورية الإسلامية تكشف أنالسلطة تلجأ إلى التشدد الأمني كلما تراجعت قدرتها على احتواءالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق،فإن المشهد الحالي لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف حجمالقلق الذي يسيطر على دوائر صنع القرار فيه.
فالإعدامات لم تعد مجرد أحكام تصدرها المحاكم، وإنما تحولت إلى رسالة سياسية تستهدف المجتمع بأسره، هدفها ترسيخ الخوف ومنع أي بيئة قد تسمح بعودة الاحتجاجات. غير أن هذه الرسالة تبدو أقل تأثيرا مما كانت عليه في السابق، لأن الإيرانيينباتوا ينظرون إلى التصعيد الأمني بوصفه دليلا على عجز السلطةعن تقديم حلول حقيقية للأزمات المتفاقمة، وفي مقدمتها الانهيارالاقتصادي، واتساع رقعة الفقر، وتصاعد العزلة الدولية.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن تترافق موجة الإعدامات مع تصاعدالانتقادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية، التي ما فتئتتحذر من تراجع ضمانات المحاكمة العادلة، ومن توظيف القضاءفي تصفية الخصومات السياسية. كما أن الضغوط التي تتحدثعنها تقارير حقوقية بحق عائلات الضحايا والمعتقلين تعكس إدراكالنظام أن المعركة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضا معركة علىالذاكرة والرأي العام، إذ يخشى أن تتحول أسماء الضحايا إلىرموز وطنية يصعب محوها.
وفي المقابل، لا يزال المجتمع الدولي يبعث برسائل متناقضة. فمن جهة، تتكرر بيانات الإدانة بشأن أوضاع حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، تستمر الأولوية الممنوحة للملفات السياسية والأمنية، الأمر الذي يفسره كثيرون داخل إيران بأنه غياب لإرادة دولية حقيقية لوقف الانتهاكات. وقد أتاح هذا الواقع للنظام هامشالمواصلة سياساته، وإن كان ذلك لم ينجح في استعادة الثقة أوتخفيف حدة الاحتقان الداخلي.
وفي خضم هذه التطورات، تؤكد منظمة مجاهدي خلق، أن تصاعد الإعدامات يعكس خوف النظام من تنامي المقاومة المنظمة، لا سيما مع استمرار نشاط وحدات المقاومة داخل البلاد. وترى أن استمرار هذه الأنشطة، رغم القبضة الأمنية، يدل على أن أدوات الردع التقليدية فقدت كثيرا من فعاليتها، وأن الصراع انتقل منمواجهة احتجاجات متفرقة إلى مواجهة أزمة سياسية واجتماعيةأعمق يصعب احتواؤها بالقوة وحدها.
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأنظمة الواثقة من شرعيتها لا تجعل المشانق عنوانا لمرحلتها، ولا تحول القضاء إلى وسيلة لإدارةالصراع مع المجتمع. أما حين يصبح الخوف هو الركيزة الأساسيةللحكم، فإن ذلك يكشف أن السلطة دخلت مرحلة الدفاع عن بقائهاأكثر من انشغالها بإدارة الدولة. ومن هنا، فإن الإعدامات، مهمااشتدت، قد تمنح النظام وقتا إضافيا، لكنها لن توفر له مخرجا منأزمة تتجاوز بعدها الأمني إلى أزمة شرعية وثقة ومستقبل، وهيأزمة يرى كثير من المراقبين أنها مرشحة لمزيد من التفاقم كلمااستمر الاعتماد على القوة بديلا عن المعالجة السياسية.

