Homeمقالاتالومضة عند يحيى السماوي: سهيل الزهاوي

الومضة عند يحيى السماوي: سهيل الزهاوي

مقاربةبنيوية–سيميائية–نفسية–سياسية

يُعدّ يحيى السماوي من أبرز شعراء الومضة في الشعر العربيالمعاصر، إذ استطاع أن يمنح هذا الشكل الشعري الموجز كثافةتعبيرية تجمع بين الاقتصاد اللغوي والثراء الدلالي. فلا تقومومضاته على الاختزال الشكلي وحده، بل على بناء صورة شعريةمتماسكة تنفتح، عبر أقل عدد ممكن من الكلمات، على آفاق واسعةمن التأويل.

وتجسد هذه الومضة نموذجًا دالًا على هذا الأسلوب، إذ تتآزر فيهاالصورة والإيحاء والرمز ضمن بنية لغوية محكمة، بما يجعلها قابلةللقراءة من زوايا نقدية متعددة. وانطلاقًا من ذلك، تتناول هذهالدراسة النص من خلال أربع مقاربات متكاملة: البنيوية، والسيميائية، والنفسية، والسياسية، للكشف عن آليات بناء الدلالة، وتفاعل الصورة الشعرية مع أبعادها الوجدانية والرمزية.

نص الومضة

حين قبَّلتُ عينيكِ
جاءتني الفراشاتُ تستجدي مني
بقايا الكحلِ العالقِ بشفتيَّ.

تقوم قصيدة الومضة على مبدأ الاقتصاد اللغوي والتكثيف الدلالي، بحيث يغدو كل لفظ فيها حاملًا لوظائف بنائية ورمزية متعددة. ولاتنبع شعريتها من كثرة الصور أو امتداد السرد، بل من قدرتها علىشحن أقل عدد ممكن من الكلمات بطاقة إيحائية كثيفة، تفتح النصعلى آفاق واسعة من التأويل. ومن ثم، فإن القيمة الجمالية للومضةلا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على اختزال التجربة الشعرية فيبنية لغوية موجزة ومتماسكة.

وتندرج ومضة يحيى السماوي ضمن هذا الأفق الجمالي؛ فهي، على امتداد ثلاثة أسطر فقط، تبني عالمًا شعريًا متكاملًا تتنامى فيهالدلالة عبر تتابع عضوي يبدأ بالفعل الحميم: «حين قبّلتُ عينيكِ»، ثم ينفتح على حضور الفراشات بوصفها عنصرًا مفاجئًا فيالمشهد، ليستقر عند صورة «بقايا الكحل العالق بشفتيّ» التيتشكل محور الحركة الدلالية في النص. ولا يقتصر هذا البناء علىتشكيل صورة غزلية، بل يؤسس شبكة من العلاقات الداخلية التيتتفاعل فيها الصورة والإيحاء والرمز، فتغدو الومضة نصًا مفتوحًاعلى مستويات متعددة من القراءة. ومن هنا، تتيح مقاربة النص منمنظور بنيوي وسيميائي ونفسي وسياسي الكشف عن آليات بناءدلالاته، وكيفية انتقالها من التجربة الفردية إلى أفق إنساني ورمزيأكثر اتساعًا.

أولًا: القراءة البنيوية

تنهض هذه الومضة على بنية مكثّفة ومحكمة، تتشكّل من ثلاثوحدات متتابعة تتنامى في حركة داخلية متصاعدة. تبدأ بفعلتأسيسي هو: «حين قبّلتُ عينيكِ»، وهو فعل يفتتح المشهد ويؤسسمركز التجربة الشعرية، ثم تنتقل البنية إلى حدث مفاجئ يتمثلفي: «جاءتني الفراشات»، فيتحول المشهد من فضاء العلاقةالثنائية بين العاشق والمعشوقة إلى فضاء أرحب تشارك فيهالطبيعة بوصفها عنصرًا فاعلًا في إنتاج الدلالة. وتبلغ الحركةذروتها في الفعل: «تستجدي مني بقايا الكحل العالق بشفتيّ»، حيث يتحول مركز الاهتمام من الفعل ذاته إلى أثره، ومن لحظةاللقاء إلى ما خلّفته من بقايا مادية ورمزية.

وتقوم هذه البنية على شبكة من العلاقات الداخلية التي تربط بينالذات والعالم، وبين الفعل وأثره، وبين الحضور والغياب. فالقبلة لاتنتهي عند حدود الفعل الحسي، بل تُبقي أثر الكحل عالقًابالشفتين، وهذا الأثر يصبح محور الحركة الشعرية ومحفزها؛ إذتستدعيه الفراشات بوصفه بقايا للجمال الذي تتوق إلى امتلاكه. وبهذا تتنامى البنية من الداخل عبر تتابع عضوي بين صورها، بحيث تفضي كل وحدة إلى الأخرى من غير انقطاع، مع احتفاظالنص بعنصر الإدهاش الذي يمنح الومضة كثافتها الجماليةوطاقتها الإيحائية.

ثانيًا: القراءة السيميائية

يشتغل النص على منظومة من العلامات المتداخلة التي تتجاوزمدلولها المباشر. فالعين ليست عضوًا بصريًا فحسب، بل تمثل مركزالرؤية والهوية والحميمية. أما القبلة فهي علامة اتصال واتحاد، وليست مجرد فعل غزلي. في حين تكتسب الفراشات قيمة رمزيةمركبة، إذ تحيل في الثقافة الإنسانية إلى الجمال والرقة والحريةوالتحول، لكنها هنا تتحول إلى كائن يطلب ويستجدي، فتغدوعلامة على افتقاد الجمال والسعي إلى استعادته.

أما الكحل فيمثل أكثر العلامات كثافة؛ فهو رمز للجمال الأنثوي، لكنه في الوقت نفسه أثر مادي بقي عالقًا بالشفتين، أي أنه يتحولإلى علامة على بقاء الذاكرة واستمرار أثر اللقاء. وهكذا ينتقلالنظام السيميائي في النص من العين إلى القبلة، ومن القبلة إلىالكحل، ومن الكحل إلى الفراشات، لتتشكل سلسلة من العلاماتالتي يتوالد بعضها من بعض، وتفتح النص على مستويات تأويليةمتعددة.

ثالثًا: القراءة النفسية

تكشف هذه الومضة عن حالة وجدانية تتسم بالامتلاء العاطفيوالانخطاف الجمالي، حيث تتجلى الذات الشاعرة في لحظة اندماجكامل مع موضوع الحب، فتتحول التجربة الحسية إلى حالة نفسيةتتجاوز حدود الواقع المباشر. ولا يقتصر فعل القبلة على التعبير عنالقرب العاطفي، بل يغدو لحظة تبلغ فيها الذات ذروة التماهي معالآخر، بما يجعل أثر اللقاء ممتدًا إلى ما بعد انقضاء الفعل نفسه.

ومن هذا المنظور، لا يُقرأ الكحل العالق بالشفتين بوصفه أثرًا ماديًافحسب، بل بوصفه تجسيدًا نفسيًا لذاكرة اللقاء ورغبة الذات فيالاحتفاظ بها. فالأثر هنا يمثل محاولة لا واعية لمقاومة زوال اللحظةالجميلة، وتحويلها إلى حضور دائم يستمر في الوجدان رغمانقضاء زمنها.

أما الفراشات، فيمكن النظر إليها بوصفها إسقاطًا شعوريًا يعكسحالة الذات الداخلية؛ فهي لا تؤدي وظيفة زخرفية داخل المشهد، بلتجسد توق النفس إلى الجمال ورغبتها في صون أثره من الاندثار. ومن ثم، فإن استجداءها  لبقايا الكحل لا يعبر عن حاجة خارجية، بقدر ما يكشف عن حاجة الذات نفسها إلى تثبيت تلك اللحظةوالانتصار على الزمن الذي يهددها بالغياب.

وبذلك، تتحول الومضة إلى مشهد نفسي تتداخل فيه الرغبةوالذاكرة والانفعال، حيث لا تنفصل الصورة الشعرية عن الحالةالوجدانية التي أنتجتها، بل تصبح امتدادًا لها. ومن خلال هذاالتفاعل بين العاطفة والخيال، ينجح يحيى السماوي في تحويلتجربة حب فردية إلى تجربة إنسانية أوسع، يتقاطع فيها الحنين معالخوف من الفقد، والامتلاء العاطفي مع الرغبة الدائمة في الاحتفاظبأثر الجمال.

رابعًا: القراءة السياسية والاجتماعية

إذا بدت هذه الومضة، في مستواها الظاهر، نصًا غزليًا يحتفيبلحظة حميمية بين العاشق والمعشوقة، فإنها تنفتح، في ضوءالمشروع الشعري ليحيى السماوي، على أفق دلالي أوسع يتجاوزحدود التجربة العاطفية المباشرة. فمن السمات البارزة في شعرهتداخل الغزل مع الوطن، والعشق مع المنفى، والجمال مع أسئلةالهوية والحرية، حتى تغدو الحبيبة، في كثير من نصوصه، معادلًارمزيًا للأرض والوطن، وتتحول مفردات الجسد إلى لغة شعريةتستبطن الذاكرة والانتماء والحنين.

ويستند هذا التأويل إلى النسق الجمالي الذي يميز تجربةالسماوي، حيث تتجاوز الصورة الغزلية وظيفتها التعبيريةالمباشرة لتغدو حاملةً لدلالات وطنية ووجودية متداخلة. ومن ثم، فإنقراءة هذه الومضة في أفقها السياسي والوطني لا تمثل خروجًا عنمعناها الظاهر، وإنما تكشف أحد مستوياتها التأويلية الممكنة فيضوء عالم الشاعر الشعري.

وانطلاقًا من هذا المنظور، يمكن أن تُقرأ العينان بوصفهما مجازًاللوطن بما يختزنه من دفء وطمأنينة وذاكرة، فيما تغدو القبلة فعلًارمزيًا لاستعادة الانتماء وتجديد الصلة بالأرض. أما الفراشات، فلاتبدو مجرد عنصر جمالي في المشهد، بل يمكن أن تُقرأ بوصفهاصورة للإنسان الذي يواصل البحث عن الجمال والأمل في عالميرزح تحت وطأة القهر والاغتراب، أو رمزًا لجماعة تتشبث ببقاياالهوية في مواجهة التلاشي والاقتلاع.

وفي هذا السياق، يكتسب الكحل العالق بالشفتين دلالة تتجاوز أثراللقاء العاطفي، ليغدو علامة على بقاء الهوية واستمرار الذاكرة؛ فهو أثر لا تستطيع المنافي محوه، ولا تنجح المحن في محوه منالوجدان. ومن هنا، لا يعود الجمال عنصرًا زخرفيًا داخل النص، بليتحول إلى قيمة مقاومة، وتغدو الحميمية فعلًا من أفعال التشبثبالحياة والإنسان، بينما يصبح الاحتفاظ بالأثر تعبيرًا عن الإصرارعلى صون الهوية ومقاومة النسيان، بما يجعل الومضة، علىقصرها، تحمل رؤية تتجاوز الخاص إلى الجمعي، والعاطفي إلىالوطني، واللحظة الفردية إلى أفق إنساني أكثر اتساعًا.

الخاتمة

تكشف هذه الومضة عن خصوصية تجربة يحيى السماوي فيتوظيف قصيدة الومضة بوصفها فضاءً شعريًا مكثفًا تتكامل فيهالبنية اللغوية مع الرمز والإيحاء، لتنتج نصًا غنيًا بالدلالات علىالرغم من قصره. وقد أظهرت المقاربات البنيوية والسيميائيةوالنفسية والسياسية أن الومضة لا تكتفي بتصوير لحظة غزلية، بلتنفتح على آفاق أوسع تتداخل فيها العاطفة مع أسئلة الوطنوالمنفى والهوية والحرية. ومن ثم، تغدو قصيدة الومضة عندالسماوي نموذجًا شعريًا قادرًا على اختزال التجربة الإنسانية فيبنية موجزة، مع الحفاظ على ثرائها التأويلي وعمقها الجمالي.

 

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular