أن تحققنا من نفوذ القطب الواحد وإمكانات التوازن الدولي وراجعنا مشهد النظام الدولي خلال العقود الماضية نجد تحولات عميقة انعكست بصورة مباشرة على منطقة الشرق الأوسط التي كانت وما تزال إحدى أكثر مناطق العالم تأثراً بالتنافس بين القوى الكبرى وبين مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة والمؤشرات المتزايدة على تشكل نظام دولي أكثر تعددية تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل المنطقة ومدى قدرة توازن القوى على الحد من الصراعات المزمنة وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للدول والشعوب.
إذا عدنا إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي يساعدنا ذلك في فهم الكثير من التحولات الراهنة فقد اتسمت تلك المرحلة بالانتشار الواسع للأفكار اليسارية والماركسية ولا سيما في العراق وأسهمت في إثراء الحياة الفكرية والسياسية من خلال طرح رؤى تتعلق بالعدالة الاجتماعية وبناء الدولة والحقوق المدنية ورغم ما واجهته تلك التجربة من إخفاقات وتناقضات فإنها شكلت آنذاك أحد أبرز التيارات الفكرية والسياسية في المنطقة.
مع زيادة التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة حولت منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة رئيسية للصراع الدولي وفي إطار سياسات الاحتواء وموازنة النفوذ دعمت القوى الغربية في مراحل مختلفة قوى سياسية قومية ودينية متعددة بهدف الحد من انتشار الفكر اليساري وتقليص النفوذ السوفيتي الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي والفكري في عدد من دول المنطقة.
أن الكثير من الأحداث التاريخية تشير إلى هذا المسار ومن بينها احتضان بعض العواصم الأوروبية لشخصيات وحركات إسلامية والدور الذي سبق قيام الثورة الإيرانية عام 1979 إضافة إلى الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة للمجاهدين الأفغان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفيتي وقد ترتبت على تلك السياسات آثار بعيدة المدى إذ أسهمت البيئة التي نشأت آنذاك في بروز تنظيمات متطرفة مثل القاعدة ثم داعش وما رافق ذلك من تداعيات أمنية وسياسية وإنسانية امتدت آثارها إلى الشرق الأوسط والعالم.
التدخل الخارجي منذ ذلك الحين لم يعد يقتصر على التأثير في موازين القوى بل أصبح جزءاً من عملية إعادة تشكيل الأنظمة السياسية والتحالفات الإقليمية بما ينسجم مع المصالح الاستراتيجية للقوى الدولية ويرى العديد من الباحثين أن جانباً مهماً من الأزمات التي تعيشها المنطقة يرتبط بتداخل العوامل الداخلية مع التنافس الدولي الأمر الذي جعل الاستقرار في كثير من الأحيان رهينة للتوازنات الخارجية أكثر من كونه نتاجاً لإرادة وطنية مستقلة.
التدخل الخارجي منذ ذلك الحين لم يعد يقتصر على التأثير في موازين القوى بل أصبح جزءاً من عملية إعادة تشكيل الأنظمة السياسية والتحالفات الإقليمية بما ينسجم مع المصالح الاستراتيجية للقوى الدولية ويرى العديد من الباحثين أن جانباً مهماً من الأزمات التي تعيشها المنطقة يرتبط بتداخل العوامل الداخلية مع التنافس الدولي الأمر الذي جعل الاستقرار في كثير من الأحيان رهينة للتوازنات الخارجية أكثر من كونه نتاجاً لإرادة وطنية مستقلة.
بدأت ملامح التحول تظهر بشكل تدربجي في السنوات الأخيرة في بنية النظام الدولي مع تنامي أدوار قوى كبرى مثل روسيا والصين إلى جانب بروز قوى اقتصادية وسياسية مؤثرة كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا بما يعكس اتجاهاً نحو نظام أكثر تعددية، ولا يعني ذلك أن هذه القوى تقدم نموذجاً مثالياً أو تخلو من التحديات إلا أن وجود أكثر من مركز للتأثير الدولي قد يحد من هيمنة طرف واحد ويوفر للدول مساحة أوسع للمناورة وحماية مصالحها الوطنية.
يمكن فهم الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل من جهة وبين ايران وأمريكا من جهة اخرى في هذا السياق باعتباره جزءاً من تنافس إقليمي ودولي أوسع يتجاوز أبعاده الثنائية فكل من الطرفين يوظف هذا الصراع ضمن حساباته الاستراتيجية وتحالفاته الإقليمية والدولية بينما تتحمل شعوب المنطقة في كثير من الأحيان الكلفة الأكبر المتمثلة في استمرار النزاعات المسلحة والاستقطابات السياسية وتباطؤ التنمية.
العراق يبرز بوصفه إحدى أكثر الدول تأثراً بهذه المعادلات فموقعه الجغرافي وثقله السياسي وتنوعه المجتمعي جعله على مدى عقود ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية وقد أسهم هذا الواقع في تعميق الانقسامات السياسية والأيديولوجية وأضعف قدرة الدولة على ترسيخ مؤسساتها وتحقيق التنمية المستدامة.
إن أي توازن حقيقي في موازين القوى داخل الشرق الأوسط لا يمثل مجرد تحول في العلاقات الدولية بل يشكل فرصة استراتيجية لاستقرار العراق فكلما تراجعت حدة التنافس الإقليمي وانخفض مستوى التدخلات الخارجية ازدادت قدرة الدولة العراقية على معالجة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية بعيداً عن تأثيرات الاستقطاب الخارجي كما يتيح ذلك توجيه الموارد الوطنية نحو إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتنشيط الاقتصاد وتعزيز الأمن وسيادة القانون.
إن استقرار العراق لا يخدم العراقيين وحدهم بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الشرق الأوسط بأسره فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وثقله الحضاري والاقتصادي قادر على أن يكون جسراً للتعاون الإقليمي بدلاً من أن يبقى ساحة لتصفية الصراعات ومن ثم فإن تحقيق توازن إقليمي مستدام من شأنه أن يخفف من الاحتدام السياسي والأيديولوجي ويهيئ بيئة أكثر أمناً وازدهاراً ليس للعراق فحسب وإنما للمنطقة بأكملها
أن الدعوة إلى نظام دولي أكثر توازناً لا تعني الانحياز إلى أي محور دولي بل تنطلق من مبدأ احترام سيادة الدول ورفض احتكار القرار الدولي وتعزيز العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ فالتوازن بين القوى الكبرى رغم ما قد يصاحبه من تنافس يظل أكثر قدرة على الحد من الهيمنة المنفردة ويمنح الدول المتوسطة والصغيرة فرصاً أكبر للحفاظ على استقلال قرارها الوطني.
يبقى مستقبل الشرق الأوسط مرهوناً بقدرة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التوازن والتعاون فكلما اقترب النظام الإقليمي والدولي من تحقيق توازن مسؤول في مراكز القوة ازدادت فرص بناء شرق أوسط أكثر استقراراً وعراق أكثر أمناً ووحدة وازدهاراً يقوم على دولة المؤسسات وسيادة القانون ويؤدي دوراً فاعلاً في تحقيق الأمن والتنمية الإقليمية.

