Homeمقالاتحين لا تكفي الحكمة وحدها : علو خلف شرف

حين لا تكفي الحكمة وحدها : علو خلف شرف

في بلداننا الشرقية الساحرة، وعلى أرض الرافدين والشام ووادي النيل، عاش أجدادنا آلاف السنين وهم يبنون ولا يهدمون. شيدوا المدن والقصور والأسوار والمعابد، وحفروا القنوات، وابتكروا الزراعة، وصنعوا العجلة، وكتبوا على الألواح الطينية أولى صفحات التاريخ. ومن مدارسهم خرجت علوم الفلك والرياضيات والطب والقانون والأدب، حتى أصبحت حضاراتهم منارات أضاءت الطريق للشعوب الأخرى، وسقت العالم من كأس العلم والحكمة والمعرفة.
لقد آمن أولئك الأجداد بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن العلم هو الطريق إلى الازدهار، وأن الأخلاق والعدل هما أساس استقرار المجتمع. ولهذا بقيت آثارهم شاهدة على عظمة العقل البشري وقدرته على الإبداع.
لكن التاريخ يعلمنا درسًا لا يقل أهمية عن كل تلك الإنجازات، وهو أن الحضارة لا يكفي أن تعرف كيف تبني، بل يجب أن تعرف أيضًا كيف تحمي ما تبنيه.
لقد سقطت عبر التاريخ حضارات عظيمة، ليس لأنها كانت فقيرة في العلم أو ضعيفة في الفكر، بل لأن بعضها لم يقدّر حجم الأخطار المحيطة به، أو لم يستعد لها بالقدر الكافي. فقد كانت منشغلة بالعمارة والعلوم والفلسفة، بينما كانت قوى أخرى تستعد للحرب والتوسع والسيطرة. وعندما جاءت لحظة المواجهة، وجدت تلك الحضارات نفسها أمام خصوم لا يرون في المكتبات قيمة، ولا في المعابد قداسة، ولا في العلماء ثروة يجب الحفاظ عليها.
ومن هنا كان أحد أخطر الأخطاء في التاريخ: الاعتقاد بأن جميع الناس ينظرون إلى الحضارة والقيم بالطريقة نفسها. فالإنسان المسالم غالبًا ما يفترض أن الآخرين يفضلون الحوار كما يفضله هو، وأنهم سيحترمون ما يحترمه من علم وعدل. لكن الواقع يبين أن هناك من يسعى إلى البناء، وهناك من يسعى إلى الهدم، وأن تجاهل هذا الفرق قد يقود إلى نتائج مؤلمة.
إن الحكمة لا تعني السذاجة، والسلام لا يعني الغفلة، والتسامح لا يعني إهمال أسباب الحماية. فالدولة الحكيمة هي التي تجمع بين ازدهار العلم وقوة المؤسسات، وبين تشجيع الثقافة والاستعداد للدفاع عن المجتمع وسيادة القانون عند الحاجة. فالقوة الرشيدة ليست نقيضًا للحضارة، بل قد تكون في كثير من الأحيان وسيلة لحماية الحضارة من الانهيار.
إن قراءة التاريخ بعمق تكشف أن كثيرًا من الإمبراطوريات لم تسقط بسبب ضعف علمائها، بل بسبب ضعف قدرتها على استشراف الأخطار، أو سوء تقديرها للتغيرات السياسية والعسكرية من حولها. ولذلك فإن القراءة الاستراتيجية للأحداث، وبناء مؤسسات قوية، والاستعداد للتحديات، كلها عناصر لا تقل أهمية عن بناء المدارس والمكتبات والجامعات.
إن رسالتنا اليوم ليست أن نستبدل الكتاب بالسيف، ولا أن نجعل القوة غاية في ذاتها، بل أن نفهم أن الحضارة تحتاج إلى جناحين: جناح يبني بالعلم والأخلاق، وجناح يحمي هذا البناء بالحكمة واليقظة وحسن التدبير.
فالأمم التي تريد مستقبلًا آمنًا لا تكتفي بصناعة العلماء، بل تصنع أيضًا مؤسسات قادرة على حماية العلم، ولا تكتفي بتشييد المدن، بل تبني القدرة على صونها. فالحضارة التي تعرف كيف تبدع، وتعرف في الوقت نفسه كيف تحمي إبداعها، هي الحضارة الأقدر على البقاء عبر الزمن.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular