Homeمقالاتمن يملك شروط الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية؟ : منى سالم الجبوري

من يملك شروط الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية؟ : منى سالم الجبوري

لم يعد السؤال المتعلق بمستقبل إيران محصورا في إمكانيةاستمرار النظام القائم أو حجم الأزمات التي تعصف به، بل باتيتمحور بصورة متزايدة حول طبيعة القوة القادرة على قيادةمرحلة ما بعد هذا النظام. فالتجارب التاريخية تثبت أن سقوط أينظام استبدادي لا يعني بالضرورة قيام نظام ديمقراطي، ما لميوجد بديل يمتلك الرؤية والتنظيم والقدرة على إدارة مرحلةالانتقال.

وفي الحالة الإيرانية، حيث يواجه نظام ولاية الفقيه أزمات متراكمة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبرز السؤال الأساسي: هل يكفي الغضب الشعبي وحده لإحداث التغيير؟ أم أن التحول الديمقراطي يحتاج الى قوة منظمة تمتلك مقومات المواجهة والبناء في آن واحد؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى طبيعة النظام نفسه. فهذا النظام لم يستند خلال أكثر من أربعة عقود إلى التأييد الشعبي، بل إلى شبكة واسعة من المؤسسات القمعية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الذي تحول إلى الذراع الأساسية لحماية السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن أي مشروع تغيير حقيقي يواجه تحديا جوهريا يتمثل في القدرة على كسرمنظومة القمع هذه، وليس الاكتفاء برفع الشعارات أو انتظارانهيار داخلي تلقائي.

ومن هنا تبرز أهمية معيار أساسي لأي بديل سياسي: امتلاك الإرادة والقدرة على مواجهة أدوات النظام القمعية، والاستعداد لتحمل كلفة هذه المواجهة. فالتغيير في الأنظمة المغلقة لا يتحقق فقط عبر المواقف السياسية، وإنما يحتاج إلى قوة قادرة على الصمود أمام أجهزة أمنية تمتلك خبرة طويلة في القمع والسيطرة.

لكن القدرة على المواجهة وحدها لا تكفي. فالبديل الديمقراطي الحقيقي يجب أن يكون متجذرا في المجتمع الإيراني، ومستنداإلى قواه الداخلية، بعيدا عن أي ارتهان خارجي. فالتجاربالسياسية تؤكد أن استقلال القرار الوطني يشكل شرطا أساسيالبناء نظام يحظى بثقة المواطنين. وكل مشروع لا يستمد قوته منالداخل يبقى عرضة للتشكيك وفقدان الشرعية.

أما العامل الثالث فيتعلق بالبنية التنظيمية. فالثورات والانتفاضات الشعبية، رغم أهميتها، تحتاج إلى إطار منظم قادر على تحويل طاقة الاحتجاج إلى مشروع سياسي واضح. إن غياب التنظيم قد يؤدي إلى إجهاض التحولات أو فتح الطريق أمام قوى أخرى لإعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.

وفي هذا السياق، تطرح منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ووحدات المقاومة التابعة لها نفسها باعتبارها القوة التي تتوفر فيها هذه المقومات الثلاثة: التنظيم، والانتشار داخل المجتمع، والاستعداد لمواجهة أجهزة النظام. وترى أنصارها أن وحدات المقاومة تمكنت خلال السنوات الماضية، رغم الاعتقالات والإجراءات الأمنية المشددة، من الحفاظ على نشاطها وتوسيع حضورها في مختلف المدن الإيرانية، وأنها تمثل حلقة الوصل بين الاحتجاجات الشعبية والمشروع السياسي المنظم.

ويشير أنصار هذا الطرح إلى أن النظام الإيراني نفسه بات يتعامل مع المقاومة المنظمة باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه بقاءه، خصوصا عندما تتقاطع الاحتجاجات الاجتماعيةوالسياسية مع وجود قوة منظمة قادرة على الاستمرار والعملالميداني.

غير أن جوهر القضية يتجاوز اسم أي جهة سياسية بعينها، ليطرح مبدأ أوسع: إن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى بديل يمتلك القدرة على ملء الفراغ السياسي، ويحظى بالقدرة على حماية مؤسسات الدولة، وضمان الحريات، ومنع عودة الاستبداد تحت أي مسمى.

فالمشكلة الإيرانية لا تكمن فقط في وجود نظام غير ديمقراطي، بل في ضرورة وجود مشروع بديل قادر على بناء دولة تقوم على إرادة الشعب والقانون. ومن هنا فإن المعركة الأساسية ليست مجرد إسقاط سلطة قائمة، وإنما ضمان أن يكون ما بعدها مختلفاجذريا؛ انتقالا من حكم يقوم على القمع والأيديولوجيا إلى نظاميقوم على المواطنة والحقوق والحريات.

وفي النهاية، فإن مستقبل إيران سيحدده التفاعل بين ثلاثة عوامل مترابطة: عمق السخط الشعبي، قدرة القوى المنظمة على تحويل هذا السخط إلى تغيير سياسي، ووجود رؤية واضحة لشكل الدولة الديمقراطية المقبلة. فالتاريخ لا يمنح الفرص لمن يسقطون الأنظمة فقط، بل لمن يمتلكون القدرة على بناء البديل.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular