يصل الملف الكردي في تركيا اليوم إلى لحظة فارقة، ليست الأولى في تاريخه الطويل، لكنها الأكثر جدّية منذ عقود. فبعد أن أعلن حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه في مايو 2025، وبعد أن قدّم التحالف الحاكم في الخامس من أغسطس 2026 مشروع «قانون التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» إلى البرلمان بتوقيع 360 نائباً، لم يعد السؤال: هل ستُطوى صفحة أربعة عقود من الاقتتال؟ بل صار: هل تُطوى هذه الصفحة بعقلٍ يعالج الجذر، أم بيدٍ تكتفي بتضميد السطح؟ والفارق بين الإجابتين هو الفارق بين سلمٍ يدوم وهدنةٍ تنكسر عند أول منعطف إقليمي.
المعضلة ليست وليدة اللحظة. فمنذ إعلان الجمهورية عام 1923، اختارت أنقرة نموذج الدولة الأحادية الهوية بدل الشراكة التي أُشير إليها في خطابات المرحلة التأسيسية، فتحوّل مطلب ثقافي مشروع؛ اللغة، الإدارة المحلية، الاعتراف بالخصوصية؛ إلى معضلة أمنية امتدت عقوداً، وأفرزت عام 1978 تنظيماً مسلحاً وجد في الإقصاء حاضنة، وفي غياب الأفق السياسي مبرراً لاستمراره. وهذا لا يُعفي أياً من الطرفين من مسؤوليته: الدولة حين أوصدت القنوات السياسية، والتنظيم حين اختار مساراً كلّف البلاد أرواحاً تتجاوز الأربعين ألفاً، وكلفة اقتصادية قدّرتها دراسات متعددة بما بين 300 و450 مليار دولار على مدى العقود الأربعة الماضية، وهو رقم يوازي أضعاف الموازنة السنوية للدفاع التركي مجتمعة.
وما يستحق التوقف عنده تحليلياً هو أن كثيراً من الأسئلة التي تُطرح حول هذا الملف؛ هل حمل الكرد السلاح عبثاً، هل التنظيم إرهابي أم حركة تحرر، هل يمثّل الشعب الكردي أم لا؛ تفترض إجابة حاسمة بينما الواقع أشد تركيباً. فالتصنيف الدولي لأي حركة مسلحة كـ«إرهابية» معيار قانوني يقوم على طبيعة الفعل، لا على عدالة القضية، وتطبيقه على حزب استهدف مدنيين له سند لا ينبغي التهوين منه، تماماً كما لا يجوز التغاضي عن أن توقيت هذا التصنيف ونطاقه يتأثران أحياناً بحسابات المصالح، كما بدا جلياً في تفاوت التعامل الغربي مع امتدادات الحركة في سوريا والعراق. أما مسألة التمثيل، فالمؤشر الأدق ليس الشعارات بل صناديق الاقتراع: القوة الانتخابية الواسعة التي يحظى بها الحزب السياسي الكردي الرئيس في المحافظات الجنوبية الشرقية على الدوام تؤكد حضوراً كردياً سياسياً راسخاً، من دون أن تعني بالضرورة تفويضاً حصرياً لحزب العمال الكردستاني تحديداً كممثل وحيد.
والأهم من ذلك أن هذه المسألة ليست تركية الحدود وحدها. فالكرد، الذين تتراوح تقديرات عددهم الإجمالي بين 30 و40 مليون نسمة، يتوزعون على أربع دول: تركيا، حيث يشكلون نحو خُمس السكان أي ما يقارب 15 إلى 18 مليون نسمة؛ والعراق، حيث يديرون إقليماً فيدرالياً معترفاً به دستورياً منذ 2005؛ وسوريا، حيث تدير القوى الكردية شمال شرق البلاد منذ أكثر من عقد؛ وإيران، حيث لا تزال الحركات الكردية المسلحة نشطة على الحدود الشمالية الغربية. وهذا التوزّع يجعل أي تسوية تركية، ناجحة كانت أم فاشلة، قابلة للانتقال بتأثيراتها إلى الساحات الثلاث الأخرى: فنجاح دمج المقاتلين وتفكيك التنظيم في تركيا سيُضعف حاضنته في جبال قنديل شمال العراق، بينما تجميد التسوية في منتصف الطريق سيُبقي الساحتين السورية والعراقية رهينتي توترات دورية، ويمنح قوى إقليمية ودولية إضافية أوراق ضغط توظفها كل بحسب مصلحتها في هذا الملف المتعدد الأطراف.
هنا تحديداً تكمن نقطة الخروج من المعضلة، إذ ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة معيار المصلحة العامة لا معيار الشعارات، عبر ثلاثة مسارات متزامنة لا تراتبية بينها:
المسار الأول: فصل الاستحقاق الأمني عن الاستحقاق السياسي زمنياً لا جوهراً. تسليم السلاح ودمج المقاتلين خطوة تقنية لا تُغني عن استحقاق سياسي مواز يشمل اعترافاً دستورياً باللغة الكردية في التعليم والإعلام المحلي، وتوسيعاً فعلياً لصلاحيات الإدارة المحلية في المحافظات الجنوبية الشرقية على غرار نماذج اللامركزية الإدارية المعمول بها في دول أوروبية متعددة القوميات، دون مساس بوحدة الدولة التي تبقى خطاً أحمر مشروعاً لأنقرة كما هي لأي دولة قومية. والقانون المطروح حالياً، بحسب نصّه المعلن، يتفادى هذا الاستحقاق ويقتصر على الشق الأمني، وهذا موطن الخلل الأكبر فيه.
المسار الثاني: معالجة ملف القيادات التاريخية، وفي مقدّمتها أوجلان، بوصفه اختباراً رمزياً لجدّية المسار لا تفصيلاً هامشياً. لا توجد تسوية ناجحة لصراع مماثل، من جنوب أفريقيا إلى إيرلندا الشمالية إلى كولومبيا، تمّت من دون معالجة رمزية لملف القيادة التاريخية للحركة المسلحة، سواء عبر عدالة انتقالية محدودة أو تحسين واضح لشروط الاحتجاز يواكبه انخراط سياسي مباشر ومُعلن.
المسار الثالث: تفعيل تنسيق إقليمي فعلي بين أنقرة وبغداد ودمشق وطهران، لا لتوحيد المواقف بل لمنع تحوّل الملف الكردي إلى أداة استقواء متبادل بين هذه العواصم، وهو ما يخدم استقرار الجميع اقتصادياً بقدر ما يخدم تركيا تحديداً في مسار انفتاحها الاقتصادي وسعيها لتحسين موقعها في محيطها الإقليمي والدولي.
في نهاية المطاف، ليست المسألة الكردية معضلة أمنية يحلّها نزع السلاح وحده، ولا قضية عاطفية تُختزل في سرديات الظلم التاريخي المتبادل. إنها استحقاق سياسي يُقاس بمعيار واحد: هل يخرج من هذه المرحلة نظام يتّسع للتعدد داخل وحدة الدولة، أم يخرج منها احتواء مؤقت ينتظر شرارته المقبلة؟ والتجربة التركية، إن أُديرت بحكمة، قادرة أن تكون نموذجاً يُحتذى في المنطقة، لا محطة أخرى في سجل التسويات المؤجلة.


