Homeمقالاتلو امتلك ترامب تنينًا : يوسف أبو الفوز

لو امتلك ترامب تنينًا : يوسف أبو الفوز

* * الرسم الكاريكاتيري هدية من الصديق الكاتب حمزة حوني طراد.

دعونا أولًا نتعرف إلى قارة اسمها “ويستروس“. لا يمكن العثورعليها في خرائط غوغل، ومن المستحيل أن تكون لها رحلة على أيشركة طيران. فهي قارة خيالية ابتكرها الكاتب الأمريكي جورجمارتن، وجعلها مسرحًا لأحداث المسلسل التلفزيوني الشهير (صراع العروش)، ثم عاد في مسلسل (بيت التنانين) إلىتاريخها السابق بزمن طويل. في هذه الأعمال الخيالية تتقاسمالممالك السبع السلطة، وتتآمر العائلات الحاكمة على الاستيلاءعلى العرش الحديدي، وتُحسم الخلافات أحيانًا بالسيوف،وأحيانًا بالمؤامرات والاغتيال، لكنها تُحسم دائمًا… بنيران التنانين.

في “ويستروس“، لا يُقاس نفوذ الملك بعدد الوزراء، ولا بعددالمقاعد في البرلمان، ولا بنسبة التأييد في استطلاعات الرأي. المقياس أبسط بكثير: كم تنينًا لديك؟ إذا كنت تملك ثلاثة تنانين،فأنت قوة إقليمية. أما إذا كنت تملك تنينًا واحدًا فقط، فعليك أنتتحدث بلطف مع من يملك أربعة، لأنه هو من سيكتب التاريخ.

وأنت تتابع حلقات المسلسل، تواسي نفسك بأن كل ما يحدث علىالشاشة مجرد خيال. فالعالم الحقيقي، في زمننا الحاضر، لمتعد النار تحكم سياسته. نحن نعيش في عصر القانون الدولي،ميثاق الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، المحاكم الدولية، والبياناتالتي تبدأ بعبارة: (يعرب المجتمع الدولي عن قلقه البالغ…). ثم… تغيّر القناة في التلفزيون، وتتابع نشرة الأخبار العالمية، فتبدأتشك أن “ويستروس” لم تكن خيالًا إلى هذا الحد، وأن جورجمارتن لم يكن يكتب الخيال، بل كان يبدّل أسماء الشخصياتفقط.

هكذا قفز أمامي سؤال منعني من النوم: ماذا سيحدث لو كانلدى الرئيس دونالد ترامب تنين حقيقي؟

لا أعرف لماذا تذكرت، وأنا أتابعمسلسل (بيت التنانين)، جارنا فيحيّنا القديم بمدينة السماوة، الذي كان يقسم في كل مرة أنه لو امتلكبندقية رشاشة (لرتّب الدنيا كلهافي ساعة واحدة). لم يملك منالسلاح غير لسانه، لكنه يتصرفوكأن العالم ينتظر أوامره.

في “ويستروس“، القارة الخيالية، تبدو الأمور أكثر صراحة مماهي عندنا. هناك لا يكذب أحد على أحد. من يملك التنين يملكالسلطة، ومن يملك سلطة أكبر يملك تنينًا أكبر. لا شعارات عنالسلام، ولا مؤتمرات عن الأمن الدولي، ولا بيانات تبدأ بعبارة: (حرصًا على الاستقرار…)، فالنار تتكلم نيابة عن الجميع.

أعجبتني صراحة “ويستروس“. الوحش هناك لا يرتدي ربطةعنق، ولا يتحدث عن الديمقراطية وهو يحرق مدينة. وبدا لي أنسؤالي عن ترامب والتنين مضحك، بل ربما مضحك جدًا، فالرجلالبرتقالي، مثل أي زعيم لدولة عظمى، لا يحتاج إلى تنين كييشعر أن العالم أصغر من طموحه. لديه ما هو أكثر تطورًا منالتنانين: أساطيل، صواريخ، أسواق مالية، عقوبات اقتصادية،وآلة إعلام تستطيع أن تجعل الضحية متهمًا، والمتهم منقذًا. فماذاسيضيف إليه تنين؟ الأمر الوحيد أنه ربما سيستغني عن الطائرةالرئاسية. هذا كل شيء. أما الباقي، فموجود أصلًا. ومع ذلك، لوظهر ترامب على ظهر تنين، فسيجتمع مجلس الأمن، كالعادة، لاليسأل: هل سيحرق تنين ترامب طهران أو هافانا؟ بل ليسأل: هلحصل التنين على موافقة مسبقة قبل حرقها؟ وهل هو سلاحهجومي أم وسيلة ردع؟ وسينقسم الخبراء إلى فرق. فريق يرى أنالمشكلة في التنين، وآخر يرى أن المشكلة في طريقة فهمنا للتنين،وثالث يطالب بالاستماع إلى وجهة نظر التنين قبل إصدارالأحكام. أما شركات السلاح، فلن تنزعج كثيرًا. فالرأسمالية لاتخاف من الوحوش، بل تبحث دائمًا عن طريقة لبيعها بالتقسيطوالفوائد. في بلادنا، إذا احترق بيت، يهرع الجيران حاملين دلاء الماء. أما في عالم السوق، فيهرع المستثمرون حاملين دفاترالشيكات. ولن نستغرب إعلان أحد المستثمرين عن شركة رائدةمتخصصة في تأمين التنانين، وأخرى لإنتاج أغذية عضوية لها،وثالثة لتطوير تطبيق يحدد أقرب ملجأ عند سماع صوت الزئير.فحتى الكارثة، إذا مرت من بوابة أسواق الرأسمالية، تتحول إلىفرصة استثمار. وهنا علينا أن نفهم أن جورج مارتن لم يكن يكتبلنا عن التنانين، بل كان يكتب عن الإنسان عندما يقتنع أن القوةتعفيه من الأخلاق، وتمنحه حقًّا إضافيًّا في موت الآخرين.

هذه هي الحكاية كلها.

التنين ليس الحيوان الذي ينفث النار. التنين هو الغرور الذييتسلل إلى صاحب القوة، فيقنعه بأن الخرائط وُجدت ليعيدرسمها، وأن الشعوب مجرد أرقام، وأن الحروب بند في الموازنة،وأن الضحايا هامش صغير أسفل الصفحة. أتذكر جارنا فيالسماوة، الذي رحل قبل سنوات طويلة، ولم يحصل على الرشاشالذي حلم به. أحيانًا أفكر أن العالم كان محظوظًا لأنه بقي فقيرًا،لكن حظه العاثر أن كثيرين ممن امتلكوا الرشاشات، ثمالصواريخ، ثم حاملات الطائرات، ما زالوا يعتقدون أنهم قادرونعلى (ترتيب الدنيا) ... في ساعة واحدة. ربما كانت “ويستروس“أكثر رحمة منا. هناك كان الناس يعرفون من هو التنين أما نحنفما زلنا نصفق له وهو يرتدي ربطة عنق. وهكذا يتراجع السؤال: ماذا لو كان ترامب يملك تنينًا؟ أما السؤال الذي يقلقني أكثر: كمتنينًا يحكم العالم اليوم، لكنه لا يجرؤ على الاعتراف بأنه تنين؟

 

*** الشكر الوافر للصديق الكاتب حمزة حوني طراد ـ أبو فرح ـ الذيفاجأني هذا الصباح بهذا الرسم الكاريكاتيري الظريف المرفق، بعداطّلاعه على المقال.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular