عندما بدأت موجات الهجرة العراقية إلى فنلندا بالتزايد خلالتسعينيات القرن الماضي، برزت الحاجة إلى إنشاء فضاء يجمعأبناء الجالية، ويحفظ صلتهم بوطنهم وثقافتهم، ويساعدهم علىالاندماج الإيجابي في المجتمع الفنلندي. ومن هذه الحاجة وُلدالبيت العراقي في فنلندا، الذي اتخذ من مدينة توركو مقرًا له،ليصبح، على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، واحدًا من أبرزالمؤسسات الثقافية والاجتماعية العراقية في البلاد.
ويستعيد الأستاذ صادق لازم الحسيني، رئيس البيت العراقي،بدايات التأسيس، فيقول في حديثه لصفحة (جاليات):
ويضيف أن البيت العراقي اعتمد، منذ انطلاقته، العمل التطوعيوالديمقراطي أساسًا لنشاطه، وفتح أبوابه أمام جميع أبناءالجالية دون تمييز، فيما كان طموح مؤسسيه يتجاوز إقامةنشاطات موسمية، إلى تأسيس بيت حقيقي للجالية يحافظ علىالهوية العراقية، ويصون التراث الوطني، ويقيم جسور التعاون معالمؤسسات الثقافية والاجتماعية الفنلندية.
أهداف تتجاوز النشاط الثقافي
تكشف وثائق البيت العراقي أن أهدافه لم تقتصر على تنظيمالفعاليات الثقافية، بل شملت رؤية أوسع لخدمة الجالية العراقية،وفي مقدمتها المحافظة على الهوية الوطنية والثقافية، وتعريفالأجيال الجديدة بتاريخ العراق وتراثه، وتنظيم الأنشطة الثقافيةوالفنية والاجتماعية.
كما يسعى البيت إلى دعم المهاجرين الجدد ومساعدتهم علىالاندماج في المجتمع الفنلندي، وتشجيع الحوار والتسامح بينمختلف مكونات المجتمع العراقي، وتعزيز العلاقات الثقافية بينالعراق وفنلندا، إلى جانب دعم الأطفال والشباب والنساء،والتعاون مع المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني فيفنلندا.
حضور ثقافي واجتماعي
على امتداد مسيرته، نظم البيت العراقي فعاليات تركت أثرًا طيبًافي حياة الجالية العراقية، وأسهمت في التعريف بالثقافة العراقيةلدى المجتمع الفنلندي. وشملت الأنشطة الاحتفال بالمناسباتالوطنية، وتنظيم المهرجانات الثقافية والفنية، والندوات الفكريةوالأدبية، والأنشطة للأطفال والعائلات، فضلًا عن المشاركة فيالمهرجانات متعددة الثقافات بمدينة توركو، والتعاون مع الجمعياتالفنلندية والعربية.
ويقول الأستاذ صادق لازم الحسيني إن هذه الأنشطة أسهمتفي تقديم صورة إيجابية عن الجالية العراقية، وأبرزت مساهمتهافي الحياة العامة، كما فتحت نافذة أمام المجتمع الفنلندي للتعرفعلى الحضارة العراقية بما تحمله من تنوع وثراء إنساني وثقافي.
تحديات الحاضر
ورغم هذا التاريخ الطويل، لم يكن البيت العراقي بمنأى عنالتحديات التي تواجه مؤسسات الجاليات في أوروبا. ويشيرالأستاذ الحسيني إلى عوامل عدة، منها محدودية التمويل،والاعتماد على العمل التطوعي، وتقدم عدد من الناشطين فيالسن وتراجع قدرتهم على مواصلة النشاط، فضلًا عن ظهور جيلجديد تختلف اهتماماته ووسائل تواصله وأولوياته.
وقد انعكست هذه العوامل على حجم النشاط، الذي أصبحمرتبطًا في كثير من الأحيان بالمناسبات والاحتفالات الموسمية،بعد أن كان أكثر انتظامًا وتنوعًا. ويرى الحسيني أن هذهالتحديات تواجه معظم مؤسسات الجاليات العراقية والعربية فيالمهجر، الأمر الذي يستدعي البحث عن صيغ جديدة للعملالثقافي والاجتماعي تستجيب لتحولات العصر واهتماماتالشباب.
بين الواقع والطموح
ويضيف أن الحفاظ على رسالة البيت العراقي لا يعني الاكتفاءبصيانة الماضي، بل يتطلب تجديد أدوات العمل، وإشراك الشبابفي صنع القرار، وتمكينهم من قيادة المبادرات الثقافيةوالاجتماعية، حتى يبقى البيت مؤسسة حية ومتجددة، قادرة علىمواكبة التحولات التي تشهدها الجالية العراقية في فنلندا.
سؤال المستقبل
وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود على تأسيسه، يطرح واقع البيتالعراقي في فنلندا سؤالًا يتجاوز حدوده ليشمل مؤسساتالجاليات العراقية في المهجر:
كيف يمكن لهذه المؤسسات الحفاظ على رسالتها التاريخية،وتجديد أدواتها، واستقطاب الأجيال الجديدة بما يعزز ارتباطهابالهوية العراقية ويضمن استمرار دورها في خدمة الجالية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بقدرة مؤسسات الجاليات علىالتجدد، واستقطاب الشباب، وتطوير برامجها بما يواكبالتحولات، لتظل حاضنة للهوية العراقية، ومنارة للعمل الثقافيوالاجتماعي، وجسرًا للتواصل مع المجتمعات التي يعيش فيهاالعراقيون.

