تُغيّر واشنطن أدواتها مع إيران للمرة الرابعة في أقل من عقد. جولة إسرائيلية منفردة، ثم مشتركة مع أمريكا، ثم أمريكية بمفردها، والآن حصار مالي يتجاوز طهران إلى كل من يتعامل معها. أعلن وزير الخزانة الأمريكي عن إجراءات وصفها بغير المسبوقة، ودعا حلفاء واشنطن وسائر العالم إلى قطع التعامل مع النظام الإيراني، بينما تحدّث الرئيس الأمريكي عن “حرب اقتصادية” ستكون الأكبر في التاريخ.
لكنّ السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس ما إذا كان هذا الحصار سيُضعف طهران، فذلك شبه محسوم. السؤال هو: هل تريد واشنطن إسقاط النظام، أم تريده حيّاً، لكن مُنهَكاً إلى الحد الذي يجعله يوقّع على ما كان سيرفضه في وضع طبيعي؟
هدف تراجع دون أن يُعلَن
حين بدأت المواجهة العسكرية في فبراير الماضي، لم يخفِ الرئيس الأمريكي أن الهدف يتجاوز البرنامج النووي. خاطب الإيرانيين مباشرة: “عندما ننتهي، تولّوا زمام الأمور… حان الوقت لتتحكموا بمصيركم”. كانت تلك لغة تغيير نظام، لا لغة اتفاق نووي.بحلول يوليو، انقلبت اللهجة كلياً: “لا نسعى لإسقاط النظام في إيران”، قالها الرئيس نفسه، واختصر الخيار أمام طهران بجملة واحدة: إما الاتفاق أو إكمال المهمة. ونائبه حصر لاحقاً أهداف الإدارة في اثنين لا أكثر: استقرار إمدادات الطاقة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. أما تغيير النظام ووقف النفوذ الإقليمي وتفكيك شبكة الوكلاء، فذابت من الخطاب دون وداع رسمي.
هذا ليس تراجعاً عن الضغط، بل تبديل لأداته. أبلغ مسؤولو البيت الأبيض حلفاءهم، بحسب مصادر مطّلعة، أن الاستراتيجية تحوّلت من “مهاجمة إيران بأسرع وقت ممكن” إلى “خنقها تدريجياً” – قناعة بأن الضغط الاقتصادي المستمر سيفعل ما تعثّرت الضربات عن فعله بلا كلفة عسكرية إضافية.
لماذا يُفضَّل الخصم الضعيف على الخصم الساقط
نظام منهار في بلد بحجم إيران وتعقيدها لا يعني فراغاً بسيطاً يُملأ، بل احتمال فوضى إقليمية لا تُحسب عواقبها، ولا رغبة أمريكية حقيقية في تحمّل تبعات إدارتها. العراق وليبيا كافيان كتذكير بأن سقوط النظام ليس نهاية القصة بل بداية فصل أكثر تعقيداً. أما نظام ضعيف، مُثقَل، محدود الخيارات، فهو شريك تفاوضي أسهل انصياعاً وأقل كلفة على من يريد انتزاع تنازلات لا فرض وصاية.
يكشف مسار المفاوضات هذا المنطق بوضوح: بعد أسابيع من الحديث عن اتفاق وشيك، طلب الرئيس من مبعوثيه وقف المحادثات فجأة، في خطوة قرأها كثيرون كمحاولة لانتزاع المزيد عبر تصعيد الضغط بدل الجلوس إلى الطاولة. ورد رئيس البرلمان الإيراني – وهو أحد كبار المفاوضين – متهماً واشنطن بمحاولة انتزاع تنازلات “لم تكن يوماً جزءاً من التفاهم المشترك”، وهو اعتراف ضمني من الجانب الإيراني بأن الحصار الجديد ورقة تفاوض، لا مقدمة إسقاط.
ولا يمكن فصل هذا الخيار عن استحقاق الكونغرس في نوفمبر. تدخل الإدارة انتخابات التجديد النصفي في وضع هش، ومناخ عام يميل لغير صالحها، بينما يحمل رئيسها إرثاً انتخابياً بُني أصلاً على معاداة التدخلات العسكرية الخارجية. الحصار المالي يمنحها ما تحتاجه: صورة الحسم أمام قاعدتها، دون كلفة حرب برية جديدة قد تُقوّض ما تبقّى من رصيدها الشعبي.
طهران تدخل هذه الجولة منهكة أصلاً
الأخطر أن هذا الحصار لا يصطدم باقتصاد متماسك، بل بدولة خدماتها الأساسية متصدّعة قبل أن تُفرض عليها عقوبة واحدة جديدة. منذ ديسمبر الماضي، شهدت إيران أوسع موجة احتجاج منذ ثورة 1979، امتدت إلى أكثر من مئة مدينة، وواجهتها السلطات بقمع دموي. لكن نسخة هذا الصيف مختلفة في جوهرها: لم تعد احتجاجات سياسية بالمعنى المألوف، بل تحركات معيشية يقودها موظفو الصحة والمتقاعدون والعمال، على خلفية عجز كهرباء يبلغ عشرين إلى ثلاثين ألف ميغاواط في ذروة الاستهلاك، وانقطاعات مياه تهبط ببعض المناطق إلى ساعتين إمداد يومياً فقط.
هذه الأزمة أقدم من التصعيد الحالي، وتعكس عقوداً من سوء إدارة الموارد لا نتيجة عقوبات بعينها. لكن أي تشديد جديد للعزلة المالية سيضرب أضعف حلقة فيها بالضبط: القدرة على تمويل قطع الغيار والتقنيات اللازمة لتشغيل الشبكات. والمطالب المعيشية، على خلاف المطالب السياسية، لا تحتمل التسويف الأيديولوجي – لا يمكن مطالبة مواطن بلا ماء بالصبر من أجل “المقاومة”، وهذا ما يفسر انضمام قواعد اجتماعية لم تكن يوماً في صف المعارضة إلى الشارع.
حدود الرهان على الشرق
يعوّل بعضهم على الصين وروسيا كمتنفّس اقتصادي لطهران، لكن الأرقام تُقيّد هذا الرهان أكثر مما تدعمه. تجارة الصين مع إيران، رغم كونها الشريك الأول لطهران، لا تتجاوز 32 مليار دولار في اتجاهيها، مقابل قرابة 659 مليار دولار حجم تجارة السلع والخدمات بين بكين وواشنطن – أي عشرين ضعفاً تقريباً. هذا يجعل إيران، من منظور بكين، أصلاً استراتيجياً رخيصاً يُدار بحذر، لا التزاماً تُخاطر من أجله بعلاقتها الأكبر.
أما موسكو، فمنشغلة بمسار تفاوضي مباشر ومستمر مع واشنطن حول أوكرانيا، امتد من قمة ألاسكا إلى لقاءات وزارية حديثة في مانيلا. ستحرص روسيا على قدر من علاقتها بطهران كورقة ضغط، لكنها لن تُخاطر بمسار قد يُثبّت مكاسبها الميدانية ويُخفّف عزلتها الأوسع، من أجل شراكة تجارية محدودة الحجم مع إيران. الرهان الشرقي، إذن، يُطيل أمد الأزمة، لكنه لا يُبطلها.
خلاصة:
كل المعطيات تشير إلى أن واشنطن، في هذه المرحلة، لا تريد نظاماً ساقطاً في طهران بقدر ما تريده منهكاً، منقاداً، بلا أوراق مقاومة حقيقية. الصمود الأمني للنظام، بفعل طبيعته العقائدية وأدواته القمعية، قد يبقيه في السلطة حتى وهو عاجز عن تأمين الماء والكهرباء لمواطنيه – وهذا بالضبط ما يمنح واشنطن هامش المناورة الذي تريده: خصم حيّ بما يكفي ليوقّع، وضعيف بما يكفي ليقبل شروطاً لم يكن ليقبلها قبل عام.
يبقى هذا قراءة احتمالية، لا يقيناً. فالسياسة الأمريكية أثبتت في هذه المواجهة نفسها قابليتها للتقلب بين التصعيد والتهدئة بحسب اللحظة، وإيران نفسها تحتمل مساراً غير خطي قد تفرضه أزمة خلافة مفاجئة في قمة السلطة، أو انشقاق داخل الحرس الثوري ذاته. لكن ما هو مؤكد اليوم أن الظرف الراهن – ضغط أمريكي غير مسبوق، وهشاشة إيرانية داخلية متراكمة، وخيارات خارجية محدودة لطهران – يمنح واشنطن نافذة نادرة لن تتكرر بالضرورة في ظرف آخر.


