Homeمقالاتإيران بين الاستبداد والحرب: لماذا يبقى التغيير من الداخل هو الحل؟ :...

إيران بين الاستبداد والحرب: لماذا يبقى التغيير من الداخل هو الحل؟ : منى سالم الجبوري

في ظل تصاعد الأزمات التي تحاصر إيران، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان النظام القائم يواجه أزمة، بل إلى أي مدى يمكنه الاستمرار في إدارة هذه الأزمة بالوسائل ذاتها التي اعتمدها طوال العقود الماضية. فالإعدامات، والاعتقالات، والقمع، وتكميم الأفواه، لم تعد قادرة على إخماد الغضب الشعبي، فيما أدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة إلى توسيع الهوة بين المجتمع والسلطة.

لقد تحولت الإعدامات في إيران إلى واحدة من أبرز أدوات إخضاع المجتمع وإرهابه. ومنذ مجزرة عام 1988 وحتى اليوم، ظل القمع جزءا أساسيا من آليات بقاء النظام، فيما تعرضالمشاركون في الانتفاضات والاحتجاجات المتعاقبة للاعتقالوالتعذيب والأحكام القاسية. لكن المفارقة التي باتت أكثر وضوحاهي أن تصاعد القمع لم يؤد إلى إنهاء الاحتجاج، بل ساهم فيتعميق مشاعر الرفض وتحويلها إلى مطلب أكثر وضوحا: التغييرالجذري.

ولم يعد هذا الغضب مرتبطا بفئة اجتماعية أو منطقة محددة، إذتغذيه أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة، من التضخم والبطالةوالفقر إلى الفساد المستشري وتراجع القدرة الشرائية. ومع كلموجة احتجاج جديدة، تتأكد حقيقة أن المشكلة لم تعد في سياسةحكومية محددة يمكن إصلاحها، وإنما في طبيعة النظامالسياسي نفسه.

وفي المقابل، أثبتت السنوات الماضية محدودية الرهان على المفاوضات وسياسة المساومة في تغيير سلوك النظام. فالمفاوضات، مهما طال أمدها، لا تستطيع أن تعالج جذور أزمة تقوم على الاستبداد وغياب الحريات وانتهاك حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، فإن اللجوء إلى الحرب الخارجية لا يقدم حلا حقيقياللأزمة الإيرانية، بل قد يؤدي إلى مزيد من المعاناة ويفتح البابأمام تداعيات خطيرة على الشعب والمنطقة بأسرها.

من هنا تبرز فكرة الحل الثالث، باعتبارها خيارا يتجاوزالاسترضاء والحرب معا: أن يكون التغيير من داخل إيران،وبواسطة الشعب الإيراني وقواه المنظمة، بحيث لا تفرض طبيعةالنظام المقبل من الخارج، ولا تُترك البلاد رهينة لاستمرار السلطةالقائمة.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تربط التغيير السياسي بمشروع واضح لمستقبل البلاد، لا بمجرد إسقاط نظام واستبداله بآخر. فالمطلوب هو إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على انتخابات حرة ونزيهة، والتعددية السياسية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين النساء والرجال، وضمان حقوق القوميات والأقليات الدينية، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام حقوق الإنسان.

كما أن مستقبل إيران لا ينفصل عن مستقبل المنطقة. فإيران الديمقراطية المنشودة يفترض أن تكون دولة غير نووية، تقوم علاقاتها الخارجية على التعايش السلمي واحترام سيادة الدول، بدلا من التدخل في شؤون الجيران وتصدير الأزمات والتوتراتإلى محيطها.

إن جوهر القضية اليوم هو أن الشعب الإيراني لا يحتاج إلى وصاية خارجية كي يقرر مستقبله، كما أنه لا يحتاج إلى حرب تدمر بلاده كي يتخلص من الاستبداد. ما يحتاجه هو الاعترافبحقه في المقاومة والتغيير، ودعم تطلعه إلى نظام ديمقراطي يتيحله أن يختار حكومته ومستقبل بلاده بإرادته الحرة.

وبذلك، فإن الطريق الأكثر واقعية للخروج من المأزق الإيراني لا يمر عبر إطالة عمر نظام أثبت عجزه عن الإصلاح، ولا عبر إشعال حرب جديدة، وإنما عبر تمكين الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من إنجاز التغيير الذي ظل مطلبا متصاعدا في الشارع. فحينيصبح التغيير إرادة شعبية منظمة، يمكن لإيران أن تنتقل من دولةتصدر الأزمات إلى دولة تسهم في استقرار المنطقة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular