Homeمقالاتحين تصبح القيادة النسائية ثقافة تنظيمية : منى سالم الجبوري

حين تصبح القيادة النسائية ثقافة تنظيمية : منى سالم الجبوري

ليست كل الأحداث السياسية تقاس بحجم العناوين التي تصنعهالحظة وقوعها. بعضها يستحق أن يقرأ من زاوية أعمق: ماذا يقولالحدث عن بنية التنظيم الذي أنتجه، وعن قدرته على الاستمراروتجديد قيادته؟

انتخاب مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، في الذكرى الثانية والستين لتأسيس المنظمة، يمكن أن يقرأ من هذه الزاوية تحديداً. فالمسألة لا تتعلق فقط بوصول امرأةجديدة إلى رأس المنظمة، وإنما باستمرار ظاهرة أصبحت جزءامن بنيتها القيادية، بعد أن تولت زهراء مريخي هذا الموقع فيالسنوات السابقة، وقبلها نساء أخريات مواقع متقدمة في هرمالقيادة.

وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف: القيادة النسائية تصبح ذات دلالة أكبر عندما تتحول من استثناء إلى مسار متواصل.

ففي السادس من سبتمبر، لم تأت ميمنت إلى موقعها نتيجة قرارفردي معلن من خارج التنظيم، وإنما عبر عملية انتخاب متعددةالمراحل، شارك فيها أعضاء المنظمة الموجودون في سبع دول. وفيالجولة الأولى حصلت على 56 بالمائة من الأصوات، ثم اكتملتعملية الانتخاب في الجولات اللاحقة، قبل أن تختار بدريبورطباخ ونرجس عضدانلو نائبتين أوليين لها.

قد يختلف المرء سياسيا مع منظمة مجاهدي خلق، وقد يثير تجربةالمنظمة كثيرا من النقاش والجدل، لكن ذلك لا يلغي ضرورةالتوقف عند هذه الظاهرة التنظيمية: كيف استطاعت منظمةسياسية، طوال عقود، أن تجعل المرأة حاضرة في مستوياتهاالقيادية العليا بصورة متكررة؟

فالقضية هنا ليست صورة امرأة ترفع في واجهة المشهد، وإنمامنظومة من الكوادر النسائية التي تتقدم من موقع إلى آخر،وتنتقل المسؤولية بينها بصورة متعاقبة. وهذا ما يجعل انتخابميمنت مختلفا عن مجرد حدث بروتوكولي مرتبط بذكرى تأسيسالمنظمة.

الأكثر دلالة أن الأمينة العامة السابقة لم تختف من المشهد بعدانتهاء مهمتها، بل انتقلت إلى رئاسة المجلس المركزي. أي أنتغيير الموقع لم يعن بالضرورة مغادرة دائرة القيادة، وإنما إعادةتوزيع المسؤوليات. وهذه النقطة تكشف، بصرف النظر عن الموقفالسياسي من المنظمة، عن محاولة بناء قيادة لا تتوقف علىشخص واحد.

أما مهناز ميمنت نفسها، فإن انتقالها إلى قمة المسؤولية لم يأتمن فراغ. فقد كانت عضوة في الهيئة التنفيذية منذ عام 1989،وفي مجلس القيادة منذ عام 1993، ثم في المجلس المركزي منذعام 2014، وشغلت موقع الرديفة للأمينة العامة منذ عام 2021. أي أن وصولها يمثل، وفق السيرة التي نشرتها المنظمة، نهايةمسار طويل من التدرج التنظيمي وليس قفزة مفاجئة إلى القيادة.

وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم في الذكرى الثانية والستين لتأسيس مجاهدي خلق: الاستمرارية لا تقاس فقط ببقاء التنظيم،وإنما بقدرته على إنتاج قيادات جديدة من داخله.

وفي الحالة الإيرانية تحديدا، حيث يتصدر سؤال البديلالسياسي مستقبل البلاد، تصبح مسألة إعداد القيادات وتداولالمسؤوليات أكثر أهمية من مجرد الاحتفال بذكرى التأسيس.

لذلك قد يكون انتخاب مهناز ميمنت أهم من كونه خبرا عن امرأةأصبحت أمينة عامة. إنه اختبار لما إذا كان التنظيم قادرا علىتحويل التجربة المتراكمة إلى أجيال جديدة من القيادة، وعلى جعلالمرأة جزءا أصيلا من هذه العملية.

وبذلك يصبح السؤال مختلفا: ليس لماذا وصلت امرأة إلى القيادة؟بل كيف أصبح وصول المرأة إلى القيادة أمرا قابلا للتكرار؟

وهذا هو الجانب الذي يجعل انتخاب ميمنت جديرا بالقراءة خارجحدود شخصها: باعتباره مؤشرا على ثقافة تنظيمية تقول إنالقيادة لا تورث، ولا ترتبط بجنس محدد، وإنما تبنى عبر التدرج،وتحمل المسؤولية، ثم الانتقال من موقع إلى آخر.

وفي السياسة، ربما تكون القدرة على إنتاج القيادة وتجديدها واحدة من أصعب علامات البقاء.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular