في خضم التوتر المتصاعد بين ” إسرائيل وإيران ” وما يحيط به من صراع استخباراتي وسياسي مفتوح ، ظهرت معلومات أمريكية مؤخرا تتحدث عن اتصالات ” سرية ” جرت بين عناصر مرتبطة بالموساد وشخصيات من المعارضة الإيرانية ، باستخدام هويات وصفات أمريكية كغطاء لتلك اللقاءات
الا أن لهذه المعلومات أهمية كبرى ليس فقط بسبب طبيعة الأطراف التي تتحدث عنها ، وإنما بسبب الهوية التي يُقال إنها استخدمت في تلك الاتصالات ، فأن تعمل أجهزة استخباراتية خلف واجهة دولة أخرى يختلف جذريا عن مجرد ممارسة نشاط سري ، لأن الهوية هنا لا تصبح وسيلة للتخفي وإنما تتحول إلى رسالة سياسية وأمنية تترتب عليها تبعات تتجاوز العملية ذاتها ، حيث تأتي هذه المعلومات اليوم في بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها المواجهة المباشرة مع العمليات السرية وتتشابك فيها أجهزة الاستخبارات مع جماعات المعارضة والقوى المحلية وشبكات النفوذ ، كما تأتي في ظل تحالف وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ، لكنه تحالف لا يعني بالضرورة تطابق الحسابات أو الأدوات أو القرارات في كل ملف
ومن هنا فإن أهمية هذه المعلومات لا تكمن فقط في سؤال : ماذا فعل الموساد؟ بل في سؤال أكثر عمقا من ذلك ، في : ماذا يحدث عندما يستخدم حليف صورة حليفه الآخر في معركة لا يريد بالضرورة أن يتحمل نتائجها ؟ ، لذلك فأن أخطر ما في مثل هذه العمليات ليس نجاحها ” الاستخباراتي ” وإنما أن يترتب عليها سوء فهم استراتيجي ، في : أن تتلقى إيران رسالة باعتبارها أمريكية بينما هي في الأصل إسرائيلية ، أو أن يتصرف طرف محلي باعتقاد أنه يتعامل مع جهة أمريكية بينما هو في الواقع يتعامل مع جهة أخرى لها غاياتها المختلفة ، أو أن تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى تفسير فعل لم يصدر عنها لكنها أصبحت بسبب القناع جزءا من تبعاته ، وهنا تبدأ القصة الحقيقية في كل تلك التحركات المدارة من خلف الستار
ففي عالم السياسة ثمة جبهات لا ترسم على الخرائط ، ورصاصات قد تكون كلمة ، أو لقاء في غرفة معتمة ، أو اسما مستعارا يحمله رجل لا يريد لأحد أن يعرف من أرسله ، وهنا في هذه المنطقة تحديدا الواقعة بين الحقيقة ونصف الحقيقة تعيش ” الاستخبارات ” ، فالمسألة ليست أن الموساد يلتقي بالمعارضة الإيرانية ، فهذا جزء من صراع استخباراتي طويل ، لكن المسألة أن اللقاءات بحسب المعلومات الأمريكية جرت خلف أقنعة أمريكية ، وحين تتبدل الأسماء والصفات لا يعود السؤال : من يتجسس على من؟ بل : من يتحدث باسم واشنطن؟ ومن يملك حق استخدام صورتها في حرب الظلال؟ ، فالهوية في عالم الاستخبارات ليست بطاقة تعريف وإنما ” سلاح ” وحين تستخدم هوية دولة لتغطية نشاط لم تعلن مسؤوليتها عنه فإن الأمر لا يتعلق فقط بعملية سرية بل بإمكانية صناعة أزمة سياسية كاملة ، لأن الخصم قد يقرأ الرسالة باعتبارها أمريكية ، والحليف قد يظن أنها أمريكية ، وحتى الوكيل الموجود على الأرض قد يتحرك بناء على اعتقاد أن اليد التي تصافحه هي يد واشنطن ، بينما تبدأ الخطورة الكبرى من هنا
فالولايات المتحدة وإسرائيل ” حليفان ” لكن الحلفاء لا يتطابقون دائما في حساباتهم ، فقد يتفقان على الخصم ويختلفان على الطريقة ، وقد يلتقيان في الغاية ويتباعدان في التوقيت ، وقد يرى أحدهما أن خطوة ما ضرورة أمنية بينما يراها الآخر عبئا سياسيا يمكن أن ينفجر في وجهه ، وحين تتحول هذه الاختلافات إلى تحركات مضادة في الخفاء ، فإن المنطقة تصبح أشبه ” برقعة شطرنج ” تتحرك فوقها قطع كثيرة لكن بعضها لا يعرف حتى لمن تعود اليد التي تحركه ، ليظهر من هنا الخطر الأكبر في ذلك ، وهو .. الوكيل ، فالوكيل في السياسة ليس دائما دمية ، حيث قد يبدأ أداة ثم يصبح صاحب مصلحة ثم يتحول إلى لاعب ، وقد تستخدمه دولة للضغط على خصم فيجد هو في الصراع فرصة لتحقيق أجندته الخاصة ، ومع تعدد الوكلاء تتداخل الأهداف حتى يصبح من الصعب تحديد أين تنتهي إرادة الدولة وأين تبدأ إرادة من يعمل باسمها ، وهذا ما يجعل أي تحرك مضاد بين واشنطن وتل أبيب أكثر خطورة من مجرد خلاف استخباراتي ، فحين تتعدد القنوات السرية تصبح الرسائل قابلة للتحريف ، وحين تتعدد الأذرع تصبح المسؤولية قابلة للضياع ، وحين تتعدد الجهات التي تتحدث باسم الحليف يجد العالم نفسه أمام أزمة لا يعرف من صنعها ، لكنه يعرف فقط من سيدفع ثمنها
ان إيران في هذه المعادلة ليست مجرد ساحة للمواجهة بل عقدة تتقاطع عندها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي ، وكل اتصال بالمعارضة وكل اختراق أمني وكل رسالة سرية ، يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لتغيير ميزان القوى داخل الدولة أو الضغط عليها من الخارج ، لكن المشكلة أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل كثيرا من الألعاب التي لا يعرف أحد قواعدها ، فالحلفاء قد يختلفون في الغرف المغلقة ، والوكلاء قد يوسعون هامش حركتهم على الأرض ، والخصوم قد يردون على ما يعتقدون أنه قرار أمريكي أو إسرائيلي ، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير
ليتحول بذلك قرار صغير في غرفة استخباراتية إلى أزمة بين عواصم ، ثم إلى مواجهة بين وكلاء ، ثم إلى اضطراب في أسواق الطاقة والممرات البحرية ، وربما إلى أزمة دولية لا يستطيع أحد إطفاءها بسهولة ، لتدفع الشعوب بذلك ثمن تحركات نفوذ سياسية وحروب دولية لا قرار لها بها سوى أن تكون هي الضحية فيها ، فإن أخطر ما في حروب الظلال أنها لا تقتل الحقيقة بمعناها الحرفي بل تقتل ايظا القدرة على معرفة صاحب القرار ، وعندما يصبح القناع أمريكيا ، واليد إسرائيلية ، والوسيط محليا ، والرد إيرانيا ، فإن السؤال الذي يبقى معلقا فوق المشهد ليس : من انتصر ؟ بل : من كان يقود اللعبة أصلا؟ ، فالعالم لا يخشى فقط أن تقع الحرب وإنما يخشى حربا لا يعرف أطرافها الحقيقيين ، ولا يعرف أي رسالة كانت مقصودة ، أو أي رسالة خرجت عن السيطرة
ولعل هذا هو الوجه الأكثر ظلمة في صراعات الشرق الأوسط الحديثة ، وهي : أن الدول لا تتحرك وحدها ، والحلفاء لا يعملون دائما بالطريقة نفسها ، والوكلاء لا يبقون أوفياء بالضرورة لمن أطلقهم إلى الميدان ، وفي اللحظة التي تتصارع فيها الأقنعة بين الحلفاء قبل الخصوم يصبح الشرق الأوسط كله رهينة لسوء الفهم ، ففي الحروب التقليدية يعرف الناس من يطلق النار ، أما في حروب الظلال فإن أخطر ما في الرصاصة أنها تحمل هوية شخص آخر ، لان حينها لا تعود الخريطة مقسمة بين أصدقاء وأعداء بل بين من يعرف الحقيقة ومن يملك جزءا منها ، ومن يُطلب منه أن يحارب من أجل حقيقة لم يرها أصلا ، لتبدأ المأساة السياسية الكبرى من ذلك .. حين يصبح الحليف قناعا ، والوكيل لاعبا ، والحقيقة نفسها سلاحا .


