Homeمقالاتالقضية الكردية من السلاح إلى الذوبان : د. مجيد حسو مراد

القضية الكردية من السلاح إلى الذوبان : د. مجيد حسو مراد

لم تنشأ القضية الكردية من رصاصة أُطلقت، بل من واقع سياسي وقانوني تشكّل قبل قرن كامل حين قسّمت التسويات الدولية عقب الحرب العالمية الأولى شعبًا بأكمله على أربع دول قومية حديثة التكوين، لم يجد أي منها في تعدديته الإثنية سوى تهديد لشرعيته المؤسسة على الصهر القومي الأحادي. فحين ظهر السلاح لاحقًا، سواء في شرقي کردستان (جمهورية کردستان) او جبال بارزان منذ أربعينيات القرن الماضي أم مع حزب العمال الكردستاني في الثمانينيات، لم يكن بداية القضية بل استجابة متأخرة لواقع إنكار قائم أصلًا: إنكار الاعتراف الدستوري بالهوية، وسياسات الصهر القسري، وإغلاق كل نافذة للتعبير السياسي السلمي. هذا التمييز ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو المدخل الوحيد لفهم لماذا فشلت عقود من “الحلول الأمنية” في إنهاء المسألة الكردية: لأنها عالجت العرَض دون أن تقترب من الجذر.

والمفارقة الأعمق أن الدول المركزية الأربع، حين تواجه الحركة الكردية بحقوقها المشروعة، تلجأ إلى انقلاب خطابي مُحكم يُحوّل الضحية إلى جلاد بجرة قلم واحدة. فالمطالبة بالاعتراف الثقافي واللغوي والسياسي تُوصم بـ”الانفصالية” لتُخرَج فورًا من دائرة الحقوق المشروعة إلى دائرة التهديد الوجودي للدولة، وهو تصنيف يُبرر أي إجراء قمعي بذريعة الأمن القومي. وحين يُختار العمل المسلح كوسيلة دفاع عن النفس في وجه إبادة أو تهجير قسري، كما حدث في ثورتي جنوب کردستان و اخرها في سنجار عام 2014، يُختزل الفعل بأكمله في وصف “الإرهاب” الذي يُجرّم حتى الحاضنة الشعبية والسياق التاريخي الذي أنتجه. هكذا تُدار المعركة لا على أرض الوقائع، بل على أرض التسميات، حيث يملك الأقوى وحده سلطة التصنيف.

غير أن الأخطر من هذا الانقلاب الخطابي هو ما يمكن تسميته بحلقة الإخضاع المزدوجة، وهي آلية لا تترك للحركة الكردية أي مسار مشروع دون أن تُغلقه الدولة بذريعة مضادة له تحديدًا. فحين يُختار السلاح، يُستنكَر باعتباره تجاوزًا لمنطق الدولة والقانون. وحين يُختار البديل السلمي عينه الذي تطالب به الأصوات الرسمية والدولية، أي العمل البرلماني والانتخابي، تُقابله الدولة بأدوات القمع الإداري والقضائي التي تُفرغه من أي جدوى عملية.
النموذج التركي هنا يُقدّم أوضح تجسيد لهذه المفارقة: فحزب الشعوب الديمقراطي خاض الانتخابات ودخل البرلمان بنجاح لافت منذ عام 2015، ليُقابَل هذا النجاح باعتقال قياداته، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرتاش الموقوف منذ عام 2016 رغم قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عنه، وبتطبيق نظام “القيّوم” الذي يقوم على إقالة رؤساء البلديات المنتخبين ديمقراطيًا في المناطق ذات الأغلبية الكردية واستبدالهم بمعيَّنين من وزارة الداخلية، غالبًا دون محاكمات فعلية أو أدلة تُعرض علنًا. والنتيجة المنطقية لهذه الحلقة أن كل إغلاق للمسار السلمي يُقدَّم لاحقًا كدليل على استحالة التغيير من الداخل، وهو ما يخدم في آن واحد من يريد تبرير استمرار المسار المسلح ومن يريد تبرير القمع الاستباقي لأي تعبير سياسي كردي مقبل.

والحقيقة أن هذه الحلقة لا تستهدف تصحيح وسيلة النضال الكردي بقدر ما تستهدف منع نشوء أي فاعلية سياسية كردية مستقلة أصلًا، سلميةً كانت أم مسلحة، لأن المشكلة من منظور الدولة المركزية ليست الوسيلة بل الغاية ذاتها: وجود كيان سياسي كردي له صوت وتمثيل حقيقي. ولذلك فإن أي نجاح انتخابي كردي يُقابَل عادة بتصعيد أمني أشد من فترات الهدوء التي سبقته، لأن النجاح السياسي بذاته، لا العنف، هو ما يُنظر إليه كتهديد وجودي.

وحين نقارن بين الدول الأربع، يتكشف طيف كامل من درجات الاحتواء يعكس تباين البنى السياسية أكثر مما يعكس اختلافًا في الغاية النهائية. ففي العراق، أُتيح اعتراف مؤسسي هش عبر الفدرالية بعد عام 2003، لكن هذا الاعتراف بقي منقوصًا بتعليق تنفيذ المادة الدستورية الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، والتي تتضمن مصير نحو ٥٠٪ من أراضي جنوب کردستان او ما يسمی (کردستان العراق حاليا) لأكثر من عقدين، وهي کانت من أحد الأسباب التي حوّلت سنجار تحديدًا إلى ساحة تنافس نفوذ متعدد الأطراف بعد الإبادة الأيزيدية، بما يكشف هشاشة أي حل فدرالي حين يتعلق الأمر بأقلية داخل الأقلية. وفي إيران، يغيب أي إطار تفاوضي من الأساس، إذ لا اعتراف دستوري بالهوية القومية الكردية، بل تصفية جسدية متكررة لقيادات الأحزاب الكردية الإيرانية حتى خارج الحدود، كما في اغتيال الشرفكندي في برلين عام 1992، فالقمع هناك لا يمر عبر آليات إدارية بل عبر إنكار وجود القضية أصلًا.

أما التحول الأكثر دلالة فقد جرى مؤخرًا في سوريا، حيث بدا للحظة أن مسارًا مختلفًا يتشكل. فبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وقّع أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقًا إطاريًا في مارس 2025 يعترف بالمكوّن الكردي بوصفه مجتمعًا أصيلًا في الدولة السورية له حقوقه الدستورية كاملة. غير أن المسار العملي الذي أعقب هذا الاعتراف كشف أن الاحتواء يمكن أن يتخذ صورة جديدة كليًا: فبدلًا من الفدرلة كما في العراق، جرى التوصل في يناير 2026 إلى اتفاق شامل بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالكامل ضمن الدولة، لينتهي المطاف في أغسطس من العام نفسه بإعلان مظلوم عبدي حل قسد كليًا واندماجها في مؤسسات الدولة السورية بعد أكثر من أحد عشر عامًا من وجودها ككيان مسلح مستقل. واللافت أن الاتفاق تضمن أيضًا التزام قسد بإخراج قادة وأعضاء حزب العمال الكردستاني غير السوريين من الأراضي السورية، وهو ما يعكس انصياعًا لشرط تركي واضح داخل تسوية يُفترض أنها سورية خالصة.

وهذا التحول السوري يطرح السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم على مستقبل القضية الكردية بأكملها: هل الذوبان الكامل في مؤسسات الدولة، بلا أي ضمانة بنيوية مضمونة دستوريًا كحكم ذاتي أو فدرالية حقيقية، يمثّل حلًا سياسيًا فعليًا لمطالب عقود من النضال، أم أنه إعادة إنتاج لمنطق الدولة المركزية الإخضاعي ذاته الذي أنتج القضية الكردية أصلًا، فقط بواجهة تفاوضية هادئة بدل القمع المباشر؟

فالتاريخ الكردي في الدول الأربع يُعلّم درسًا واحدًا متكررًا: أن نزع السلاح، أو حتى الدمج المؤسسي الكامل، لا يُنهي القضية إن لم يصاحبه اعتراف فعلي غير قابل للنقض بالحقوق الأصلية في التمثيل والمشاركة والهوية. وإلى أن يتحقق هذا الشرط، ستبقى حلقة الإخضاع المزدوجة قائمة، جاهزة لإعادة إنتاج نفسها في كل مرة يُختبر فيها مسار جديد، سلميًا كان أم مسلحًا، ذوبانًا في الدولة أم مطالبة بالاستقلال عنها.

mecidgnw45U6

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular