Homeمقالاتالأمانات لا تضيع... حين يكون الضمير حاضرا : ب. د. خالد محمود...

الأمانات لا تضيع… حين يكون الضمير حاضرا : ب. د. خالد محمود خدر

الأمانة ليست مجرد فضيلة نتحدث عنها عندما تسمح لنا الفرصة، ولا قيمة أخلاقية جميلة نضعها في قائمة الصفات التي نحب أن نصف بها أنفسنا ، وإنما هي واحدة من القيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع ، وتبقى بها الثقة بين الناس وتحفظ بها الحقوق ويستقيم بها التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان.


حين تضيع الأمانة ، لا يضيع المال وحده وإنما تضيع معها الثقة ، ويبدأ الفساد في التسلل إلى حياة المجتمع حتى يصبح أخذ ما ليس للإنسان حق فيه أمرا يمكن تبريره ، ثم يتحول التبرير مع الوقت إلى عادة ، والعادة إلى سلوك ، والسلوك إلى ثقافة تفسد الإنسان من الداخل وتجعله يتعامل مع المال العام أو الخاص وكأنه غنيمة مباحة.


ولهذا السبب ،فإن مقاومة الفساد لا تبدأ بالقوانين والعقوبات وحدها على أهميتها ، وإنما تبدأ أيضا من الإنسان نفسه ، من قدرته على أن يقول: هذا المال ليس لي ، وهذه الأمانة ليست ملكي ، ولا يحق لي أن أستولي عليها ، حتى لو كنت قادرا على ذلك ، وحتى لو لم يكن هناك من يراقبني.


ان الإنسان الذي يسمح لنفسه بأن يعتاد أخذ ما ليس له، أو يبرر نهب المال العام بحجة أن غيره فعل ذلك أو يرى في الفساد حقا مكتسبا لمجرد أنه وصل إلى موقع يسمح له بذلك ، لا يخسر ضميره وحده ، وإنما يفقد شيئا من أهليته للعيش في مجتمع تحكمه الثقة والحقوق والقيم.


من هنا تذكرت قصتين تفصل بينهما عقود طويلة ، ويختلف فيهما الزمان والمكان والأشخاص والظروف، لكنهما تلتقيان عند قيمة إنسانية واحدة هي الأمانة.
في السادس من تشرين الثاني عام 2013، قرأت مقالا للكاتبة العراقية  إنعام كجه جي ، كانت قد نشرته قبل ذلك بأربعة أيام، في الثاني من تشرين الثاني ، في صحيفة الشرق الأوسط، تحت عنوان: بحثا عن رزمة نقود في بغداد.
وعندما قرأت المقال، عادت إلى ذاكرتي قصة أخرى كنت قد قرأتها قبل أكثر من عشرين عاما في أحد مؤلفات الأديب اللبناني مارون عبود الذي يحمل عنوان :حبر على ورق ، وهو الكتاب الذي استعرته وقتها من المكتبة المركزية  لجامعة الموصل عندما كنت أحد أعضاء الهيئة التدريسية في كلية الهندسة فيها. وترد القصة في هذا الكتاب ضمن مقال يحمل عنوان : لا يحولون ولا يزولون.

 

هكذا وجدت نفسي أمام قصتين ، إحداهما وقعت في بغداد بعد عام 2003، والأخرى في لبنان في زمن أقدم يعود إلى نهايات القرن التاسع عشر ، لكن القصتان  تلتقيان عند سؤال واحد: ماذا يفعل الإنسان عندما يجد أمامه مالا ليس له ، ولكن بعد الإشارة إلى تفاصيل القصتين الواقعين حول الامانة في حفظ المال الذي يعود للغير فردا كان أم مؤسسة حكومية  ، انتقل الى تناول معنى الأمانة بكل أبعاده الإنسانية والوطنية والمجتمعية ، وأثر ذلك في بناء اللحمة الوطنية  وتعزيز التعايش بين افراد المجتمعات من مختلف ابناء الاقليات القومية والدينية.

تروي إنعام كجه جي  في مقالها ، أن منتجة أفلام وثائقية فرنسية تعمل مع قناة RT ، كانت قد أخبرتها بقصة جرت لها في بغداد بعد دخول القوات الأمريكية واحتلالها العراق سنة 2003 ، حين ذهبت إلى العراق لإعداد تقرير مصور عن عمليات نهب المتحف العراقي.
كانت الظروف في بغداد آنذاك مضطربة، ولم تكن المصارف وأجهزة الصراف الآلي وأنظمة البطاقات تعمل بصورة طبيعية، ولذلك اضطرت الصحفية إلى حمل مبلغ كبير من المال نقدا بلغ ستين ألف يورو، كانت تحتاج إليه للاستعانة بدليل محلي ومصور يحمل الكاميرا ويساعدها في إنجاز عملها.
وفي الطريق من عمان إلى بغداد ، داخل سيارة أجرة قديمة ، اقترح عليها السائق أن تعطيه المال ليحتفظ به لها ، لأنها كانت تمر بمنطقة خطرة تنتشر فيها العصابات وقطاع الطرق. لكنها لم تطمئن إليه ، فتظاهرت بأنها لا تحمل سوى مبلغ قليل ، وأخفت المال تحت سجادة السيارة ، ثم وضعت قدميها فوقه ، وغطت رأسها بوشاح أسود ، حتى تعبر المنطقة من دون أن يثير المال انتباه أحد.
وبعد وصولها إلى بغداد ، اختارت فندقا متوسطا يقيم فيه بعض المراسلين الأجانب. وفي غرفتها أخفت المال خلف أحد أدراج منضدة الزينة ، ثم خرجت للبحث عن مكان المتحف وعن دليل ومصور يساعدانها في عملها.
لكنها عندما عادت إلى الفندق فوجئت بأن أثاث الغرفة قد تغير. السرير والمنضدة البيضاء اللذان كانا موجودين عند مغادرتها اختفيا، وحل مكانهما أثاث آخر بلون بني داكن.
بدأت تبحث عن أثاث غرفتها القديم. سألت العاملين ، ثم ذهبت إلى أماكن تخزين الأثاث، وإلى المرآب ، حتى عرفت أن الأثاث القديم نقل إلى مكان قريب لبيعه في مزاد للأثاث المستعمل.
وجدت الأثاث بالفعل، وعندما فتشت المكان الذي أخفت فيه المال خلف درج المنضدة، لم تجد شيئا.
لم تستسلم ، راحت تسأل عن العمال الذين نقلوا الأثاث ، حتى دلها أحدهم على سطح الفندق ، حيث كان بعض العمال يقيمون. هناك وجدت عاملة نظافة تحتسي الشاي وتستريح على أريكة قديمة. اصطحبتها العاملة إلى غرفتها ، وهناك رفعت غطاء السرير والوسادة ، فوجدت رزمة النقود محفوظة تحت الوسادة. وعندما سألتها عن المال، جاء الجواب الذي يمثل قلب القصة: الحلال لا يضيع.

بعد ذلك تنتقل إنعام كجه جي من الحكاية الشخصية إلى سؤال أخلاقي أوسع: كيف استطاعت عاملة فقيرة أن تحافظ على أمانتها في بلد كان يعيش الفوضى ، بينما كان بعض كبار المسؤولين وحواشيهم ينهبون المال العام؟. 

وتطرح كجه جي أيضا سؤالا لافتا:                            هل يمكن تبرير سرقة شخص بحجة الانتقام من شخص آخر أو من بلد آخر؟
وهنا لا تتوقف الحكاية عند المال الذي عاد إلى صاحبته، بل تبدأ منها أسئلة أكبر:
كيف يستطيع إنسان فقير لا يملك سلطة ولا نفوذا ، أن يتمسك بأمانته في وقت يرى فيه آخرين ينهبون المال العام ، ويجدون لأنفسهم أعذارا كثيرة لما يفعلون؟
وكيف يمكن للإنسان أن يبرر سرقة مال شخص آخر بسبب ما فعله شخص ثالث؟

إن المال الذي كان بحوزة تلك الصحفية لم يكن مسؤولا عن احتلال العراق ، ولا عن نهب ثرواته ، ولا عن أخطاء السياسيين ، ومع ذلك كان بإمكان العاملة أن تحول ظروف البلاد المضطربة إلى مبرر للاستيلاء عليه.
لكنها اختارت شيئا آخر.
اختارت أن تكون أمينة.
وهنا تصبح الحكاية أكبر من رزمة نقود ضاعت ثم عادت ، لأنها تكشف عن شيء أعمق في الإنسان ، شيئا لا تحدده ثروته ولا فقره ولا موقعه الاجتماعي والظروف المحيطة به.

السرقة تظل سرقة سواء أخذ الإنسان مال فقير أو غني ، وسواء كان المال خاصا أو عاما ، ولا تتحول السرقة  إلى عمل مشروع لمجرد أن الإنسان وجد لنفسه سببا يبررها.


هذه الفكرة تزداد أهمية عندما نضعها أمام ما شهده العراق خلال السنوات الماضية من قضايا فساد ونهب للمال العام، وما تناقلته وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أخبار عن أموال ضخمة وعقارات باهظة وأصول وأموال قيل إنها أخفيت بطرق مختلفة ، وارتبط بعضها بأشخاص تولوا مسؤوليات إدارية وسياسية في الدولة العراقية. وقد تعاقبت ملفات ومحاكمات وعمليات توقيف واسترداد أموال ، في حين بقيت ملفات أخرى محل متابعة وتحقيق.


لا تكمن المشكلة في حجم الأموال وحده مهما بلغ ، وإنما في الخطر الأكبر الذي يتركه الفساد في الإنسان والمجتمع. فعندما يصبح المال العام بلا حرمة في نظر من اؤتمن عليه ، تتحول المسؤولية من خدمة الناس إلى فرصة للمنفعة الشخصية، ويتحول المنصب من أمانة إلى امتياز، ويصبح القانون في نظر البعض عقبة ينبغي الالتفاف عليها بدلا من أن يكون قاعدة تحمي الجميع.

 

وهنا تبدو صورة العاملة البسيطة في قصة إنعام كجه جي أكثر دلالة. امرأة لا تملك منصبا ولا سلطة ولا ثروة ولا تستطيع أن تغير شيئا من واقع بلد مضطرب ، لكنها استطاعت أن تفعل شيئا واحدا كان في مقدورها فعله: أن تحفظ أمانة ليست لها. وهذا هو الفارق بين الإنسان الذي تحكمه القيم والإنسان الذي تحكمه المصلحة.

 

ولعل أجمل ما في قصة إنعام كجه جي أنها أعادت إلى ذاكرتي ، كما اشرت في اعلاه ، قصة مارون عبود التي اشرت لها.
تدور احداث هذه  القصة الواقعية في بيئة لبنانية قديمة في أواخر القرن التاسع عشر، ويروي فيها الاديب مارون عبود عن جده الخوري حنا، ويقول إن جده كان يتمون ويتبضع كل عام من طرابلس، ولم يكن يطيب له شراء مؤنته وحوائج بيته إلا من عند صديقه الحاج مصطفى.
لم تكن ابدا  حدود الطائفة أو اختلاف الدين بين الرجلين حاجزا أمام العلاقة الإنسانية. كان كل واحد منهما يحترم دين الآخر، ويعيش معه ببساطة ومودة، ويتبادلان الحديث والمعاملة الحسنة.
فلا ينتصف شهر آب من كل سنة ، ويأتي عيد السيدة وهو ميزان الأسعار عند القدماء ، حتى يتحرك موكب القافلة الذي يضم اعدادا من رجال الضيعة مع ما جنوه من محاصيل اشجارهم ومزارعهم وغيرها في ضيعتهم عين كفعل الواقعة في اعالي جبل لبنان. يركب الخوري بغلته ويسير في الطليعة ، حتى إذا ما بلغ أبواب المدينة مشط لحيته ونفض عنه غبار الطريق ، ثم يتوغل فيها حتى يحط الرحال بباب مخزن الحاج مصطفى ، فتتشابك اللحى وتتهادى كالمراوح، ويموج القاووق والعمامة كهرمين صغيرين ، ويرى من في السوق حاجا طرابلسيا وكاهنا مارونيا  يتعانقان ويتصافحان بشوق.
ولا يأتي المساء حتى يحل الخوري ضيفا مكرما في بيت الحاج. يصلي كلاهما صلاته في حينها، وصلوات الخوري الماروني خمس كصلاة المسلم. الصبح والظهر، والعصر والمساء، والليل. حتى إذا ما انتهت صلاتهما استأنفا الحديث.
وبعد يومين ثلاثة يفرغ جدي  وبقية رجال القافلة من شراء  و تعبئة المؤونة وتمشي القافلة على خيرة الله طلوع النجمة، وتمسي في عبرين لتكون في الغد، عند انتشار النهار، في ضيعتهم عين كفاع.

 

في إحدى السنوات ، وبعد عودته من طرابلس ، اكتشف الخوري حنا أن كيسا نقوده الذي كان يحوي مبلغ المال الذي جاءه من بيع محاصيل الصيف قد اختفى. وكان المبلغ كبيرا بالنسبة إلى ذلك الزمن  ، وكانت فيه أيضا ليرات ذهبية.
أفتقد جدي كيسه فلم يجده ، اشتد قلق جدتي الخورية  وأخذت تضرب كفا بكف ، خوفا من ضياع المال الذي يمثل تعب سنة كاملة ، بينما ظل الخوري يحاول أن يتذكر أين يمكن أن يكون قد تركه. وظلت الخورية الجدة واقفة واجمة ، وأخيرا انفجرت بالكلام ، فزجرها الخوري قائلا: المال الحلال لا يضيع.

مرت الأيام  والحديث لا زال للاديب مارون عبود ، ثم مضى شهر، ثم شهر آخر، والمال لم يعد. وجاء موسم الزيتون ، وبدأ الخوري يذهب إلى القطاف ، وكأن الحياة مضت على الرغم من قصة المال المفقود.

في أحد الأيام ، ذهب الخوري  إلى الكنيسة ليقيم قداسا ،
وبينما كان هناك ، لمح من بعيد ، عند الباب رجلا ذا لفة على رأسه. في البداية ظنه وهما أو خيالا ، لكنه بعد انتهاء القداس ، وجد نفسه أمام رجل مسلم جاء ليسلم عليه.
تعارفا ، ثم أخبره الرجل أن الحاج مصطفى يرسل إليه سلامه وأنه أرسله خصيصا ليعيد إليه أمانته.
وكانت الأمانة هي كيس النقود  نفسه ، وفيه المال والليرات الذهبية.
عاد المال بعد نحو شهرين من ضياعه.
فرحت الخورية فرحا شديدا، وقالت عن الحاج مصطفى عبارة تحمل امتنانا واضحا: يسلم دين لحيتك يا حاج مصطفى!
أما الرجل الذي حمل الأمانة وقطع الطريق ليعيدها، فأراد الخوري أن يكرمه ويعطيه شيئا من المال مقابل تعبه ، لكنه رفض ، و قال له إن أجره قد وصله من الحاج مصطفى ، وإنه لا يستطيع أن يأخذ منه حتى بارة واحدة. ولم يكتف بذلك ، بل رفض أيضا أن يأكل عندهم ، لأنه كان قد أخذ زاده من الحاج مصطفى قبل أن ينطلق.
لقد كان الرجل يحمل أمانة، وكان يرى أن مهمته تنتهي عند تسليمها إلى صاحبها، لا أن تتحول الأمانة إلى فرصة للحصول على مكسب آخر.


هكذا عاد المال إلى صاحبه ، وعاد معه شيء آخر لا يقل قيمة عن المال نفسه ، وهو الثقة بالإنسان.
وفي نهاية الحكاية ، يورد مارون عبود المعنى الذي يجعل القصة تتجاوز حدودها الصغيرة ، فقد كان الخوري حنا والحاج مصطفى ، كلما تذكرا هذه الحادثة، يقولان: العلة في البشر لا في الدين. 


وهنا تلتقي القصتان في موضوع المقال بصورة واضحة.
في بغداد، عاملة نظافة بسيطة تجد مبلغا ضخما في غرفة امرأة أجنبية ، فتعيده إليها ، ويختصر موقفها كله بعبارة مفادها: الحلال لا يضيع.
وفي لبنان ، رجل مسلم يحتفظ بأمانة رجل مسيحي ضاعت منه ، ثم يبحث عن وسيلة لإعادتها إليه، ويرسل بها من يقطع مسافة طويلة ، من دون أن يسمح للأمانة أن تتحول إلى منفعة شخصية.

اختلف الزمان واختلف المكان واختلف الأشخاص واختلفت الظروف ، لكن الاختبار الإنساني كان واحدا.
في كلتا الحالتين كان المال في متناول اليد ، وكان بإمكان صاحبهما الجديد أن يخفيه ، وأن يجد لنفسه عذرا، وأن يقول إن أحدا لن يعرف.
لكن الأمانة لا تحتاج دائما إلى شرطي يقف خلف الإنسان ، ولا إلى قانون يراقبه ، ولا إلى كاميرا تسجل ما يفعل.
هناك شيء آخر أعمق من كل ذلك ، هو الضمير.
وهذا ما يجعل عبارة مارون عبود: العلة في البشر لا في الدين ،  مفتاحا مهما لفهم القصتين.
فالدين وحده لا يجعل الإنسان أمينا إذا لم تتحول القيم التي يؤمن بها إلى سلوك ، والإنسان قد يحمل اسما دينيا أو مذهبيا، لكن الحكم الحقيقي على أخلاقه يظهر عندما يجد نفسه أمام اختبار لا يراه فيه أحد.
قد يكون الإنسان فقيرا ، لكنه غني بأمانته.
وقد يكون غنيا ، لكنه يفتقر إلى الضمير.
وقد يعيش الإنسان في مجتمع تسوده الفوضى ، لكنه يظل قادرا على أن يقول لنفسه: هذا المال ليس لي.
وقد يعيش آخر في مجتمع تحكمه القوانين ، لكنه يبحث عن طريقة للالتفاف عليها عندما تسنح له الفرصة.
لهذا فإن الأمانة ليست ملكا لدين دون آخر، ولا لطائفة دون أخرى، ولا لشعب دون شعب اخر.
إنها قيمة إنسانية.

ولعله لهذا السبب بقيت القصتان في الذاكرة ، رغم أن احداث  إحداهما قد جرت في بغداد في زمن قريب ، والأخرى في لبنان في زمن بعيد.
فالمال في القصتين لم يكن هو البطل الحقيقي.
البطل كان الإنسان عندما يكون وحده أمام الاختيار.
كان يستطيع أن يأخذ، لكنه أعاد.
وكان يستطيع أن يخفي، لكنه أظهر.
وكان يستطيع أن يجد مبررا ، لكنه اختار الأمانة.
 

في زمن تكثر فيه الأعذار وتختلط فيه الحقوق بالمصالح ، وتصبح بعض السرقات مبررة عند أصحابها بحجج مختلفة، تبدو هذه الحكايات البسيطة أكثر أهمية مما تبدو عليه لأول وهلة.
إنها تذكرنا بأن قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيما يقوله عن الأخلاق ، وإنما فيما يفعله عندما تكون الخيانة أسهل من الأمانة ، والسرقة أسهل من الرد ، ولا يوجد من يراقبه.

 

وهنا تبرز المفارقة التي توقفت عندها إنعام كجه جي في مقالها: امرأة بسيطة تحافظ على مبلغ كبير من المال لا تملكه، في الوقت الذي كان فيه العراق يشهد نهب المال العام على نطاق واسع. 

فإذا كانت تلك المرأة قد استطاعت ، وسط الفوضى ، أن تقول: الحلال لا يضيع ، فما الذي يمنع من اؤتمن على مال الشعب من أن يقول الشيء نفسه؟
وإذا كانت امرأة بسيطة قادرة على مقاومة إغراء عشرات الآلاف من اليوروهات ، فكم نحن بحاجة اليوم إلى أمثالها في مواقع المسؤولية وفي المؤسسات وفي الأسواق وفي كل مكان تكون فيه أموال الناس أمانة في أعناق أصحابها؟.

إن السؤال لا يتعلق بالفقر والغنى ، ولا بالمنصب وانعدامه  ، وإنما يتعلق  بالضمير.


كم نحن في هذا الزمن ، بحاجة إلى النماذج الطيبة التي وردت في القصتين؟
نحتاج إلى عاملة بغداد التي لم تجعل اضطراب البلاد مبررا لسرقة مال لا يخصها.
ونحتاج إلى الحاج مصطفى الذي حفظ أمانة صديقه المسيحي ، وإلى الرجل الذي حمل الأمانة ورفض أن يحولها إلى منفعة شخصية.
نحتاج إلى أن نتذكر أن العراق، رغم كل ما مر به، لم يكن ولا ينبغي ان يكون  يوما  ما حصل في العقدين الأخيرين كان يعبر صراع بين طوائف وأديان وقوميات ، وإنما كان أرضا عاش فيها العربي والكردي والكلداني والاشوري والسرياني والارمني وغيرهم ، وعاش فيها المسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي وغيرهم، و تجاوروا وتبادلوا التجارة والصداقة والمعرفة والمصالح والمواقف الإنسانية.

إن الحديث عن الأمانة في القصتين قد اشير له اولا كمقارنة بما حصل مؤخرا من تجاوز على المال العام من قبل من اؤتمنوا عليه من قبل بعض المسؤولين في العراق ،  وبعدها اشير إلى القصتان لتكونا نموذجا لجانب من جوانب الامانة ، و مدخلا مهما للحديث عن الامانة بمعناها الواسع ، اي  حديثا عن أمانة أكبر، هي أمانة الإنسان تجاه اخيه الإنسان ، امانة الإنسان  تجاه وطنه، وأمانة المجتمع تجاه أبنائه، وأمانة الدولة تجاه مواطنيها وامانة  المجتمعات تجاه اقلياتها القومية والدينية. وهذا دور اراه يقع على عاتق كافة افراد المجتمعات قبل الحكومات  في هذا البلد الذي يعرف بتاريخه وحضارته  وقوانينه قبل أن يعرف بإسمه الحالي.

من الجميل أن يكتب أبناء الأقليات الدينية عن مواقف كبيرة لأبناء آخرين من بلدهم منتمين الى ديانات أخرى ، كما فعل مارون عبود و الدكتورة انعام كجه جي ، الكاتبة المسيحية من الموصل بالعراق. إن مثل هذه الكتابات ليست مجرد توثيق لحكايات واقعية ، وإنما هي مساهمة في بناء الثقة وتعزيز اللحمة الوطنية ، لأن الوطن لا يبنى فقط بالقوانين والدساتير، وإنما يبنى أيضا بالقصص التي تذكر الناس بأن اختلاف الدين لا يمنع الإنسان من أن يرى في الآخر أخا له وإنسانا مثله.                              
ولعل العراق اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة هذه الذاكرة.
فالكثير من الروابط الاجتماعية والوطنية قد ضعفت، والكثير من الجسور التي كانت تصل بين أبناء مكوناته قد هدمت بفعل الحروب والارهاب والعنف والتطرف والتعصب والسياسات التي عمقت الانقسام.
وقد دفع الكثير وخاصة أبناء الأقليات الدينية ثمنا باهظا لما حصل ، ففقد الكثير منهم اموالهم وممتلكاتهم ، مثلما فقد بعضهم ابنائهم في جرائم قتل جماعية وسبي الكثير من بناتهم في جرائم اختطاف او سبب من قبل الارهابيين ، ولنا في ايزيدية سنجار مثلا. ولذلك فإن الخوف ليس فقط من أن تقل أعداد الأقليات بسبب هجرتهم إلى مختلف دول الغرب بحثا عن الامان ، وإنما من أن يأتي يوم  يقال فيه ، بكل أسف: كان العراق يوما يضم أبناء اصلاء له من المكونات المسيحية والإيزيدية والصابئة  ، وهذا الاحتمال المؤلم ينبغي ألا يكون قدرا. فالعراق الذي يفقد أبناءه يفقد جزءا من نفسه، والعراق الذي تهدم فيه الجسور بين مكوناته لا يخسر جماعة بعينها، وإنما يخسر شيئا من تاريخه وهويته وذاكرته.


الأهم  أن تبقى في الإنسان القدرة على أن يكون أمينا بكل معاني الامانة جوانبها  ، حتى عندما لا يكون هناك من يجبره على ذلك. هناك أشياء كثيرة يمكن أن نختلف في الرأي حولها ، لكن الأمانة لا تحتاج إلى كل ذلك. الإنسان لا يصبح فاسدا في لحظة واحدة ، وإنما يبدأ الأمر غالبا بتنازل صغير عن قيمه ، ثم بتبرير خطأ ، ثم بالاعتياد على ما كان يرفضه بالأمس، حتى يصبح الخطأ عنده أمرا طبيعيا، ويصبح المال العام أو الخاص الذي اؤتمن عليه مجرد فرصة للمنفعة ، ونفس الشيء يقال عن بقية ابعاد وجوانب الأمانة.  

ولهذا فإن حماية المجتمع من الفساد تبدأ أيضا بحماية الإنسان من أن يفقد حسه الأخلاقي والانساني. لقد أعادت عاملة بسيطة في بغداد رزمة من المال لأنها رأت فيها أمانة، وحفظ الحاج مصطفى في لبنان مال صديقه لأنه رآه أمانة، وهما موقفان صغيران في حجمهما، لكنهما كبيران في معناهما. 

في المقابل نهب الإرهابيين جميع اموال وممتلكات ابناء الاقليات الدينية ، بعد ان قتلوا الكثير من أبنائهم في عمليات إبادة منظمة.

فكم يحتاج هذا الزمن إلى أمثال هؤلاء الطيبين ؟
وكم يحتاج العراق، في هذه المرحلة التي كثرت فيها الانقسامات وتراجعت فيها الثقة  ، بسبب عبث العابثين، إلى استعادة ثقافة الأمانة  بكل ابعادها ومعانيها ، مثلما يتطلب إعادة أجواء الثقة والاحترام المتبادل بين الناس.

كلمة اخيرة:
قد يكون أجمل ما يمكن أن يختم به المقال ، هو أن المال ليس دائما ما يضيع، فالذي هو أخطر منه مما قد يضيع  هو ضمير الإنسان ، الذي يتعامل مع مختلف انواع الأمانات ،  أما المال الحلال، فكما قالت المرأة البسيطة في بغداد وقبلها الخوري حنا في لبنان : المال الحلال لا يضيع ، والعلة في البشر.

 

المصادر المعتمدة:
1- إنعام كجه جي، بحثا عن رزمة نقود في بغداد ، صحيفة الشرق الأوسط، 2 تشرين الثاني 2013.
2- مارون عبود، حبر على ورق، فصل : لا يحولون ولا يزولون ، طبعة سنة 1957، الطبعة الثانية : مؤسسة هنداوي، طبعة 2013.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular