لم يعد السؤال في العراق اليوم: لماذا تتعثر الدولة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: من يملك قرار الدولة؟
فبعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، لا يزال العراق عاجزا عن بناء معادلة سياسية تجعل مؤسسات الدولة صاحبةالقرار الأول والأخير في الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية. وفي قلب هذه المعضلة يقف النفوذ الإيراني وشبكة القوىالسياسية والفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، والتي استطاعت،على مدى سنوات، أن تتحول من نفوذ خارج الدولة إلى نفوذداخلها.
وتشير تقارير حديثة إلى أن جماعات مسلحة مدعومة من إيران باتت تمتلك نفوذا سياسيا وعسكريا واقتصاديا واسعا، فيماأصبحت بعض هذه القوى ممثلة في البرلمان والحكومة ومؤسساتالدولة.
وفي هذا المشهد يبرز نوري المالكي بوصفه أحد أكثر اللاعبين السياسيين تأثيرا داخل “الإطار التنسيقي“. وقد وصفت رويترزالمالكي بأنه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الفصائل المدعومة من إيران،فيما أثار ترشيحه لرئاسة الحكومة في يناير الماضي اعتراضاتأميركية صريحة بسبب ما اعتبرته واشنطن قربه من طهران.
لكن المشكلة لا تكمن في شخص المالكي وحده.
فالمالكي، في القراءة الأوسع، جزء من منظومة سياسية تسمح بتداخل القرار الحزبي مع القرار الحكومي، وتضع التوازنات بين قوى الإطار فوق حاجة الدولة إلى حكومة متماسكة ومؤسسات مستقلة. والتقرير الذي تناول الخلافات الأخيرة داخل الإطار يكشف بوضوح كيف يمكن لصراع القوى على المناصب أن يعطل استكمال الحكومة، بل وكيف أصبحت بعض الوزارات الأمنية موضع تجاذب سياسي وفصائلي.
والأخطر أن أزمة المناصب ليست سوى الوجه السياسي لأزمة أكبر: أزمة السلاح والقرار السيادي.
فمع اقتراب موعد 30 سبتمبر/أيلول، ما زال ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه مقاومة من فصائل قوية. وقد أفادت تقارير بأن اجتماعا بين الإطار التنسيقي وعدد من الفصائل لم ينعقد بسببغياب حركة النجباء، فيما تحدثت قيادات فصائلية عن “تنظيم“السلاح بدل تسليمه للدولة.
وهنا تتضح مأساة العراق.
كيف يمكن لدولة أن تبني سياسة خارجية مستقلة إذا كانت جماعات مسلحة على أراضيها تستطيع، أو يتهم بها، تنفيذهجمات على دول الجوار؟
في سبتمبر الحالي، أعلنت بغداد أن هجوما استهدف منشآتنفطية سعودية انطلق من موقع في محافظة ميسان العراقية،بينما تحدثت رويترز عن هجوم بطائرة مسيرة على خط النفطالسعودي نسب مصدره إلى العراق، في وقت تواجه فيه بغدادضغوطا متزايدة لكبح الجماعات المرتبطة بإيران.
وهكذا يدفع العراق ثمن صراع لا يخدم مصالحه.
فحين تصبح أراضيه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، تتحول سيادته إلى شعار، وحين تصبح بعض الفصائل جزءا من معادلةالسلطة والسلاح في آن واحد، يصبح تطبيق مبدأ احتكار الدولةللقوة مسألة تفاوض سياسي بدل أن يكون قاعدة دستوريةبديهية.
ولذلك فإن أزمة العراق ليست مجرد أزمة حكومة متأخرة، ولا أزمة وزراء ومناصب، ولا حتى خلاف بين المالكي وخصومه داخل الإطار.
إنها أزمة دولة مخترقة بتوازنات ما دون الدولة.
وما دام القرار العراقي موزعا بين المؤسسات الرسمية وقوىسياسية مرتبطة بشبكات نفوذ إقليمية وفصائل مسلحة ترفضالتخلي بسهولة عن استقلال قرارها، فإن الحديث عن عراقمستقر وذي سيادة سيبقى ناقصا.
العراق لا يحتاج إلى تبديل الوجوه داخل المنظومة نفسها بقدر ما يحتاج إلى استعادة مفهوم الدولة: سلاح واحد، قرار واحد، سياسة خارجية واحدة، ومؤسسات لا تخضع لزعيم حزب أو قائد فصيل أو عاصمة أجنبية.
ولهذا فإن معالجة الأزمة العراقية تبدأ من معالجة أصلها، لا أعراضها. وإذا كان النفوذ الإيراني قد تمكن خلال السنوات الماضية من ترسيخ نفوذه عبر قوى سياسية وفصائل مسلحة حليفة له، فإن استعادة العراق لقراره الوطني تتطلب إنهاء قدرة أي قوة خارجية على توجيه القرار العراقي عبر وكلائها.
فلا يمكن بناء عراق مستقر مع تعدد مراكز القوة، ولا يمكن بناء دولة ذات سيادة ما دام السلاح والسياسة يتحركان في مسارين متوازيين.
إن معركة العراق الحقيقية ليست بين هذا السياسي وذاك، ولا بين كتلة وأخرى؛ إنها معركة بين منطق الدولة ومنطق الوكالة.
وحين ينتصر منطق الدولة، يصبح العراق قادرا على أن يكون دولةللعراقيين أولا، لا ساحة نفوذ لأي عاصمة أخرى.

