لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد تراكم لمشكلات اقتصادية أو احتجاجات متقطعة يمكن للنظام احتواؤها بأدوات أمنية تقليدية. ما يجري اليوم يوحي بأن السلطة تتعامل مع الداخل باعتباره أحد أكثر مصادر التهديد إلحاحا، في وقت تتداخل فيه الضغوطالمعيشية مع الاحتقان السياسي والقلق من عودة الشارع إلىواجهة المشهد.
وتكشف وتيرة الإعدامات والأحكام القاسية خلال عام 2026 عن تصعيد واضح في استخدام عقوبة الإعدام ضد المحتجين والمعارضين. فقد وثقت منظمة العفو الدولية إعدام ما لا يقل عن 26 شخصا على خلفية احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 حتىيوليو، فيما قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات أعدمت بين 18 مارس ونهاية أغسطس 29 شخصا على الأقل على خلفيةالاحتجاجات الأخيرة، فضلا عن عشرات آخرين حكم عليهم أوأعدموا بتهم أمنية وسياسية.
وفي هذا السياق يأتي إعدام مهدي خانكي في يوليو، وكذلك سلسلة الإعدامات التي طالت أشخاصا اتهموا بالارتباطبالاحتجاجات أو بالمعارضة. أما وحيد بني عامريان، فقد كانضمن مجموعة من المعارضين الذين حذرت منظمة العفو الدوليةمن خطر إعدامهم، قبل أن تعلن السلطات لاحقا تنفيذ أحكام بحقعدد منهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بعدد أحكام الإعدام، وإنما بالوظيفة السياسية التي يؤديها هذا التصعيد. فعندما تتحول السجون وأحكام الموت إلى جزء ثابت من إدارة الأزمة، فإن ذلك يعني أن السلطة لا تراهن على معالجة جذور السخط بقدر ما تراهن على رفع كلفة الاعتراض.
غير أن القمع لا يلغي الأسباب التي أنتجت الاحتجاج. ارتفاع الأسعار، الضغوط الاقتصادية، تراجع القدرة الشرائية، وأزمات الخدمات والطاقة، كلها عوامل يمكن أن تبقي حالة التوتر الاجتماعي قائمة، حتى في ظل انتشار أمني واسع. ولذلك فإن هدوء الشارع لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ فقد يكون مجرد مرحلة بين موجتين من الاحتقان.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار السلطات في رفع مستوى التعبئة الأمنية والسياسية. ففي سبتمبر، شهدت طهران تجمعاحكوميا ضخما شارك فيه مئات الآلاف، بالتزامن مع حملة للتعبئةوالتدريب العسكري، في مشهد يعكس محاولة إظهار التماسكوالجهوزية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد اعتماد السلطة على أدوات الردع لإثبات السيطرة، أصبحت هذه الأدوات نفسها مؤشرا على حجمالمخاوف التي تواجهها.
إيران اليوم ليست أمام احتجاج واحد يمكن إخماده، بل أمام معادلة أكثر تعقيدا: اقتصاد مثقل بالضغوط، مجتمع يحملتراكمات احتجاجية، سلطة تشدد قبضتها، وملفات خارجيةتستنزف مواردها السياسية والاقتصادية.
ولهذا فإن القضية الأساسية ليست ما إذا كان النظام قادرا علىمنع الاحتجاج في لحظة معينة، وإنما إلى أي مدى يستطيعالاستمرار في إدارة أسباب الاحتقان بالطريقة نفسها. فالإعدامقد يسكت صوتا، والاعتقال قد يمنع تجمعا، والقوة الأمنية قد تفرغشارعا، لكن أيا من هذه الأدوات لا يقدم جوابا عن الأزمة التيصنعت الغضب أصلا.
ومن هنا يصبح الخوف من الانتفاضة ليس مجرد احتمال أمني في حسابات السلطة، بل عاملا مؤثرا في سلوكها السياسيبرمته. وكلما اتسعت الفجوة بين ما تعلنه الدولة عن الاستقرار ومايعيشه المجتمع من ضغوط، ازدادت صعوبة إقناع الداخل بأنالمشكلة قد انتهت.

