Homeمقالاتالعراق: اختبار "الدولة واللا دولة" : جهور سليمان

العراق: اختبار “الدولة واللا دولة” : جهور سليمان

يقف العراق اليوم أمام مفصل تاريخي حاسم مع اقتراب إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وهو استحقاق يضع البلاد في اختبار وجودي ومصيري بين ترسيخ أركان “الدولة” ذات السيادة الناجزة، أو الانزلاق نحو مساحات “اللا دولة” وتفكك القرار السياسي والأمني. يزداد هذا الاختبار تعقيداً في ظل التنافس الاستراتيجي المحتدم بين واشنطن وطهران، والذي يحوّل الجغرافيا العراقية مراراً إلى ساحة لتصفية الحسابات والضغط على صانع القرار في بغداد عبر السلاح الموازي والترتيبات العابرة للحدود. ولا ينفصل هذا المشهد الخارجي المأزوم عن ملف التوغل العسكري التركي في إقليم كردستان بحجة ملاحقة حزب العمال الكردستاني، مما يفرض واقعاً اقتطاعياً للسيادة الوطنية ويكرس حضوراً أجنبياً يربك منظومة الأمن القومي.

إن مواجهة هذه التهديدات المركبة تقتضي إنهاء ثنائية القرار الأمني وحصر السلاح حكماً تحت مظلة المؤسسات الرسمية للدولة؛ إذ لم يعد استمرار القوات الأجنبية قائماً كذريعة لبقاء أي تشكيلات مسلحة خارج إطار سلطة القائد العام للقوات المسلحة. وعلى الصعيد الداخلي، يتكامل هذا التحدي الأمني مع معركة لا تقل خطورة وضعتها الحكومة في صدارة أولوياتها، وهي مكافحة الفساد المالي والإداري. فالفساد يمثل الثغرة الوجودية التي تنخر مؤسسات الدولة من الداخل، وتهدر مواردها، وتضعف جبهتها الوطنية أمام الضغوط الخارجية؛ ولا يمكن الحديث عن سيادة خارجية ناجزة ودولة قانون دون جبهة داخلية نزيهة ومستقرة مؤسساتياً.

كما تزداد حدة هذا الامتحان المصيري بفعل الأزمة المالية والاقتصادية الهيكلية التي تعصف بالبلاد، والمتمثلة في الارتهان المفرط لتقلبات أسعار النفط، وتضخم الإنفاق التشغيلي، وضغوط الديون والالتزامات المالية؛ إذ تشكل هذه الاختلالات الاقتصادية تهديداً مباشراً للأنشطة التنموية والاستقرار الاجتماعي، وتحدّ من قدرة الدولة على تنمية اقتصادها وبناء بنية تحتية مستدامة تحمي قرارها السياسي وتحقق الاستقلال الاقتصادي المنشود.

إن عبور هذا الامتحان المصيري يتطلب من القوى السياسية والسلطة الاتحادية تغليب المصلحة الوطنية العليا، عبر الاحتكار الحصري لقوة الردع، وتفعيل دبلوماسية سيادية حازمة تحمي الحدود، بالتوازي مع ضرب مفاصل الفساد بصرامة وإصلاح المنظومة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل. إن النأي بالعراق عن سياسة المحاور بالتزامن مع بناء دولة النزاهة والمؤسسات والاقتصاد المرن هو السبيل الوحيد للتحول من مسرح للصراعات الإقليمية والدولية إلى دولة قادرة على فرض سيادتها وحماية استقرارها وشعبها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular