لم يكن المشهد الذي شهدته نيويورك خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد تظاهرة أخرى تضاف إلى عشرات الاحتجاجات التي ترافق عادة الاجتماعات الدولية، بل حمل في طياته رسالة سياسية تتجاوز حدود المكان والزمان. ففي الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه إلى مبنى الأمم المتحدة، كان آلاف الإيرانيين وأنصار المعارضة يتجمعون في محيطه ليقولوا إن مستقبل إيران لا يمكن أن يختزل في مفاوضات بين القوىالكبرى والنظام، ولا في الحسابات العسكرية، ولا في صفقاتتعيد إنتاج الوضع القائم.
لقد جاء الصوت من نيويورك واضحا: لا للحرب، ولكن أيضا لاللمساومة على حساب الشعب الإيراني. وهذه المعادلة تكتسبأهميتها من واقع أن الأزمة الإيرانية لم تعد قضية نووية أو أمنيةفحسب، وإنما أصبحت قضية سياسية واجتماعية وحقوقيةعميقة، تتصل بمستقبل بلد يعيش منذ عقود تحت نظام يقوم علىالقمع الداخلي والتدخل الإقليمي وإدارة الأزمات بدل معالجةجذورها.
وفي رسالتها إلى التجمع، شددت مريم رجوي على أن مقعد إيران في الأمم المتحدة ينبغي أن يكون للشعب الإيراني وقواه التي تناضل من أجل السلام والحرية والجمهورية الديمقراطية، رافضة استمرار تمثيل النظام الإيراني للشعب في المحافل الدولية.
وهنا تكمن دلالة أساسية في المشهد النيويوركي: المشكلة الإيرانية لا تبدأ من طاولة المفاوضات ولا تنتهي عندها. فحتى عندما تدخل طهران في مفاوضات مع القوى الدولية، يبقى السؤال الأهم خارج قاعات التفاوض: ماذا عن ملايين الإيرانيين الذين يطالبون بالتغيير؟ وماذا عن المعتقلين السياسيين؟ وماذا عن الإعدامات؟ وماذا عن الاحتجاجات التي قوبلت بالقمع؟
وقد ركزت التظاهرات في نيويورك تحديدا على قضية الإعداماتوالسجناء السياسيين، فيما نقلت تقارير إعلامية عن المنظمينحديثهم عن وجود سجناء سياسيين يواجهون أحكاما بالإعدام. كما تناولت جلسات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأممالمتحدة خلال الأيام الأخيرة تقارير عن عمليات إعدام واعتقالاتواسعة في إيران، مع بقاء بعض الأرقام محل خلاف بين الجهاتالمختلفة ومصادرها.
ومن هنا فإن اختزال المشهد الإيراني في ثنائية “الحرب أو التفاوض“ يتجاهل طرفا ثالثا حاضرا في الشارع الإيراني وفيخطاب المعارضة: الشعب نفسه.
فالتجربة الطويلة أظهرت أن الضغوط الخارجية وحدها لا تنتج بالضرورة تغييرا سياسيا، كما أن التفاهمات الدولية وحدها لاتعالج جذور الاستبداد الداخلي. وبين هذين المسارين، يطرحالمعارضون الإيرانيون تصورا يقوم على دعم حق الإيرانيين فيقيادة عملية التغيير بأنفسهم، وهو ما عبر عنه منظمو تجمعنيويورك من خلال الدعوة إلى قيام جمهورية ديمقراطية وعلمانيةفي إيران.
ولذلك لم يكن حضور الشباب الإيرانيين، وصور ضحايا الاحتجاجات، وشعارات الحرية وإسقاط النظام، مجرد عناصر رمزية في التظاهرة؛ بل عكس محاولة لربط ما يجري داخل إيران بما يسمعه العالم خارجها. فالمعادلة التي أراد المتظاهرون تثبيتها هي أن الشعب الإيراني ليس مجرد متلق لنتائج الصراعاتالدولية، وإنما طرف يريد أن تكون له الكلمة في تحديد شكلالدولة التي يعيش فيها ومستقبلها السياسي.
كما أن أهمية المشهد تتضاعف بسبب توقيته. فقد انعقدت التظاهرات بالتزامن مع حضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، في ظل استمرار التوتر العسكري والسياسي بين إيران والولايات المتحدة واستمرار المساعي الدبلوماسية المتقطعة بين الطرفين.
وبذلك وجد النظام نفسه أمام مفارقة سياسية لافتة: ممثلوه يتحدثون داخل أروقة الأمم المتحدة باسم إيران، بينما يتظاهر إيرانيون في الخارج بالقرب من المنظمة الدولية مطالبين بأن يكون للشعب الإيراني صوت مختلف ومستقل عن صوت السلطة.
إن رسالة نيويورك، في جوهرها، ليست دعوة إلى استبدال حرب بحرب، ولا إلى استبدال صفقة بأخرى، وإنما إلى إعادة مركز القضية الإيرانية إلى صاحبها الأساسي: الشعب الإيراني.
فإذا كانت الحرب تحمل مخاطرها الإنسانية والسياسية على الإيرانيين والمنطقة، وإذا كانت المساومات التي تتجاهل حقوق الإنسان وتطلعات المجتمع يمكن أن تؤدي إلى إطالة عمر الأزمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يكون الإيرانيون أنفسهم جزءا أساسيا من صياغة مستقبل بلدهم؟
من أمام الأمم المتحدة ارتفع هذا السؤال بصوت لم يكن من السهل تجاهله. وبينما كانت القوى الدولية تبحث عن مخارج لأزمة إيران، كان المتظاهرون يذكرون بأن أي معالجة مستدامة لا يمكنأن تتجاهل الداخل الإيراني، ولا أن تفصل الأمن والاستقرار عنالحرية وحقوق الإنسان.
وهكذا لم تكن نيويورك مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل تحولت، في لحظة سياسية شديدة التعقيد، إلى منبر لرسالة تقول إن مستقبل إيران لن يحسم فقط في العواصم الأجنبية، ولا خلفالأبواب المغلقة، وإنما سيبقى مرتبطا بما يريده الإيرانيون أنفسهموبقدرتهم على تحويل رفضهم السياسي والاجتماعي إلى تغييرحقيقي.
لا للحرب التي يدفع الشعب ثمنها، ولا لمساومة تتجاهل إرادته؛ بل لإيران يقرر شعبها مستقبلها، ويختار نظامها، ويحدد شكل دولتها بإرادته الحرة.

