Homeمقالاتانكسار المبدأ أمام المصلحة: لماذا تراجعت القيم في السياسة الأمريكية والعالمية؟: جهور...

انكسار المبدأ أمام المصلحة: لماذا تراجعت القيم في السياسة الأمريكية والعالمية؟: جهور سليمان

لماذا تراجعت القيم والمبادئ في العالم عامة، وفي أمريكا تحديداً بصورة أكبر؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تبدأ من إدراك أن هذا الانحسار الأخلاقي لم يكن وليد صدفة، بل جاء نتيجة تحولات هيكلية عميقة في موازين القوة الدولية والسياسة الداخلية الأمريكية. لقد أدّى أفول نظام أحادية القطب وصعود المنافسات الجيوسياسية الشرسة بين القوى العظمى إلى خلق بيئة صراع وجودي طغت فيها “الواقعية الصلبة” وحسابات المصالح الضيقة على حساب المثالية والمبادئ الجامعة. كما أسهم عجز المؤسسات الدولية عن فرض القانون بالتساوي في ترسيخ قناعة عالمية مفادها أن القوة العسكرية والاقتصادية هي الفاصل الحقيقي وليس المبدأ. وعلى الجانب الأمريكي تحديداً، تضافرت هذه التحولات الدولية مع أزمة النموذج الداخلي، حيث تسبب الاستقطاب السياسي الحاد في تحويل القيم إلى أدوات للتراشق الحزبي، مما أضعف قدرة واشنطن ومصداقيتها في طرح تلك المبادئ عالمياً، وجعلها تستبدل الالتزامات الأخلاقية طويلة الأمد بصفقات نفعية سريعة لحماية أمنها القومي واقتصادها.

تأسساً على ذلك، تعيش السياسة الأمريكية المعاصرة اليوم واقعاً استثنائياً يُضعِفُ موقعها الأخلاقي ويضعُ إرثها القيمّي في اختبارٍ حرج، إذ تجد واشنطن نفسها محاصرة بين مطرقة الخطاب المثالي التقليدي وسندان الممارسة البراغماتية الصارمة. فبينما يستمر الخطاب الرسمي في رفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي، تأتي الممارسات العملية في الأزمات الدولية والتحالفات الإقليمية لِتُكرّس فجوة عميقة وازدواجمية صريحة في المعايير؛ حيث تُستدعى القواعد الدولية حين تخدم الأهداف الإستراتيجية، وتُهمّش حين تتعارض معها. ولم يقتصر هذا التراجع على الملفات الخارجية فحسب، بل امتد ليلقي بظلاله على الداخل الأمريكي، مما أضر بصورة “النموذج الديمقراطي” الذي طالما روّجت له واشنطن للعالم. إن هذا الانزياح المتزايد نحو الواقعية المجردة—وإن بُرّر بمنطق الضرورة والأمن—تسبب في تآكل تدريجي وخطير لـ “القوة الناعمة” الأمريكية واهتزاز ثقة الشركاء والشعوب في مصداقية سياساتها، ليغدو التحدي الأعمق اليوم هو صعوبة التوفيق بين الاعتبارات الإستراتيجية المجردة والالتزام الفعلي بالقيم التي تأسست عليها الشرعية الدولية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular