رحلة في أعماق النفس البشرية: كفاح الزهاوي

جلست في شرفة المنزل المطلة على الحديقة، حيث امتألت رؤياَي بمشاهد سحرية األشجار السامقة التي تتألأل
بألوانها الخضراء. كانت الورود العطرة تتفتح على حافات الحديقة وأسفل الشرفة، مما يمأل الهواء بعبق روائحها
الزكية. األرض كانت مفروشة بالحجارة البيضاء الصغيرة، مما أضاف لمسة من الجمال للمشهد.
وفجأة اجتاحني فيضان من الحزن، اجتاح كل جوارحي وأنا أجول بعيني في اإلرجاء، عندما تذكرت تلك القطة
السوداء التي كانت رغم صغر سنها تتسلق أشجار الحديقة وتداعب أرجلنا بفروة رأسها قبل بضعة أيام، وتستنجد منا
الحب.
في أحد األيام توارت عن األنظار لمدة ثمانية وأربعين ساعة بعيًدا عن المنزل. خرجنا إلى الشارع وبحثنا في
األزقة، وسألنا المارة، وطرقنا أبواب البيوت، وتوغلنا بين الشجيرات الكثيفة ننادي باسمها بصوت يملؤه األمل
والخوف. لسوء الحظ، لم نجدها.
وفجأة، بعد انقضاء مدة غيابها، ظهرت أمامنا، كأنها شبح من ذكريات الحب والحنين، فبعثت الفرحة في النفوس.
في أمسية من األمسيات الصيفية الجميلة بعد حادثة اختفائها بأسبوعين فقط، سمعت من خارج نافذة غرفتي
صراًخا حاًدا، مصحوبة ببكاء زوجتي. حينها كنت جالًسا في كرسي امام الكومبيوتر، منكًبا على كتابة مقالة حول
أسباب العنف لدى بعض الشباب في المجتمع، خرجت مسرًعا إلى باحة الدار، فرأيتها تجلس القرفصاء وتبكي بحرقة
وألم شديدين وتشير بيدها نحو األرض، حيث ترقد القطة في صمت مطبق وتقول بصوت متهدج:
ــ انظر ماذا حدث؟
وبسبب الضرب الوحشي والخنق وقلع العيون، أصبحت هذه القطة البريئة، التي لم يبلغ عمرها خمسة أشهر بعد،
ضحية لمراهق أحمق. كان جسد القطة ملقى على األرض، وعينها اليسرى تتدلى من حدقة عينها بخيط رفيع. عرفت

ا.
على الفور أنها ماتت خنّق
أعادتني هذه الحادثة إلى صور الجماعات اإلرهابية التي ارتكبت وال زالت ترتكب الفظائع، حيث بدأت عملياتها
اإلجرامية أوًال بذبح القطط كخطوة تمهيدية قبل اللجوء إلى التطبيق الحقيقي لذبح البشر.
تساءلُت في صمت:
ــ ما الذي يدفع اإلنسان إلى الغرق في دوامة العنف. أهو نتيجة لتنشئة أسرية قاسية ومضطربة، أم بسبب نقص
التأهيل وتلقين تعليمات مغلوطة ال تتوافق مع عقلية الطفل البريئة، أم أن هناك خلاًل عقلًيا يفقده توازنه ويجعله
يتصرف في ارتباك وحيرة مطلقة، لينزلق في هاوية العنف بال رحمة؟

ا في تشكيل تطوره االجتماعي. فالعالقات األسرية

إن خلفية اإلنسان والظروف المحيطة به تؤثر تأثيًرا عميًق
المتجانسة، التي تتوفر فيها مقومات القيمة اإلنسانية مثل الرعاية الصحية والحنان الدافئ، تسهم في اكتساب شعور
قوي بالتآلف. وُتَعُّد هذه العوامل مصدًرا أساسًيا للتواصل والتفاعل االجتماعي.
وأخيًرا، حفرُت حفرة في تلك الحديقة الفسيحة، تكفي الحتضان جسده النحيل الذي فارقته الحياة. وضعُته برفٍق
ٍم عميق بال قلق أو ألم. بدأُت بنثر التراب فوقه ببطٍء

داخلها، مم ًدّدا إّياه بعناية على امتداد الحفرة، وكأنه يرقد في نو
وحنان، والتراب يتساقط كأنه يمزج بين حزن الفقد وحنان الوداع. لم ترتكب هذه القطة أّي ذنب، سوى أنها كانت
تبحث عن العطف والدفء الذي طالما افتقدته.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت