جانب من وقائع الحملة الدموية ونتائجها :
بداية لابد من التعريف بامير رواندز محمد الرواندوزي المعروف ايضا ب ميري كورا . ولد الامير محمد سنة 1783 وتولى شؤون إمارة السوران التي كانت عاصمتها رواندز للفترة (1813-1836) بعد ان قام بفقأ عينا والده الامير الذي أصيب بالعمى في الحال ، ليجلس هو على عرش هذه الامارة الواقعة في المنطقة الشمالية الشرقية للعراق ، و كانت تابعة للدولة العثمانية ، اذ يشير جمال نه به ز في كتابه إلى الدكتور ( روس ) طبيب القنصلية الإنكليزية في بغداد حينذاك، الذي بعث بطلبه الأمير محمد الرواندوزي لمعالجة عينا والده ، قد افاد ان الامير محمد افقى عينا والده بنفسه كي لا ينتظر طويلا ليستلم مقاليد السلطة من والده.
جهز محمد الرواندوزي جيشا منظما بلغ تعداده أكثر من 50 الف مقاتلا من المشاة والفرسان ، قاده بنفسه واجتاز الزاب الاعلى للوصول إلى مناطق الايزيديين لشن حملة إبادة جماعية عليهم عرفت بين الإيزيدية وغيرهم ب فرمان ميري كورا.
باشر بمخطط ابادته اوﻻ على ابناء قرى الايزيدية في منطقة أسكي كلك الواقعة على نهر الزاب الاعلى على الطريق الرابط بين الموصل واربيل. وهم الذين كانوا يوم أن شن الهجوم عليهم مشغولون بمزارعهم وأعمالهم ومنها نقل المسافرين بين الموصل واربيل من الذين يرومون الانتقال من أحد جانبي النهر إلى الجانب الآخر عبر أكلاكهم أي قواربهم الصغيرة ، الذين كانوا عندما يحل الظلام او يتأخر المسافر يبادرون الى إستضافته في دورهم ، مثل ما حصل مع الرحالة البريطاني جيمس بكنغهام سنة 1830 كما يقول الأخير عن ذلك في مذكراته ( رحلتي الى العراق) ، التي صادفت رحلته هذه قبل سنتين من وقوع فرمان ميري كورا عليهم ، وقد اشاد بكنهام بشيخ قرية عبد العزيز الايزيدي الذي استضافه ليلة. وبالمناسبة ذكر الرحالة بأنه طوال رحلته هذه ، وهو في طريقه من اسطنبول الى بغداد التي مر خلالها بعدة مدن وقرى، لم يرى او يشهد شبابا يتمتعون بالوسامة التي شاهدها بين شباب ايزيدية الكلك. واﻻشاره الى رحله بكنكهام هذه ذكرني ايضا بملاحظاته عن ايزيدية سنجار ، الذين أعطيت له معلومات خاطئه عنهم من قبل حمايته وبقية أفراد القافلة ، وهو في طريقه من اسطنبول إلى بغداد كما اشرت ، مارا من اطراف سنجار التي ما ان اقتربت منها قافلته حتى شد حمايته ، من الجندرمة العثمانية وغيرهم من رجال القافلة ، على زناد بنادقهم استعدادا لكل طارئ. وما أن مرت فترة قصيرة حتى لاح لهم من بعيد فرسانا ايزيدية مسرعين باتجاههم مخلفين غبارا كثيفا يملأ المكان من سرعة جري خيولهم. وعندما اقتربوا منهم بادر الفرسان الايزيدية باﻻستفسار من بكنكهام عن معتقده ووجهته وهم شاهرين سلاحهم المهيأ لكل طارئ ، ولكن ما إن علموا منه أنه مسيحي من دولة بريطانيا حتى هدئوا واطمأنوا ، وسرعان ما أسروا إليه أنهم ﻻيعادون أحدا ، ولكنهم يفاجئون بغزوات وغارات من رجال مسلحين من الجيش او القبائل المجاورة المسلمة الذين يعاملونهم بقسوة ، اﻻمر الذي يتطلب الحيطة و الحذر. ويضيف بكنهام انهم اصروا على مرافقته إلى أن يخرج من حدود مناطقهم حماية له ، وكان هكذا.
يعقب بكنكهام بعدها ، بما مفاده أن التعامل برفق ولين مع ايزيدية سنجار كما تبين له ، يغير من نظرتهم للآخرين ويكسب ودهم ويجلب اﻻمان للطريق. اذكر هذا لأبيٌن كما قاد نقل معلومات خاطئة عنهم ، من قبل من يريدون السوء لهم ، الى شن هجمات وحملات إبادة عليهم تكررت على الاقل ثلاث وسبعون مرة عبر تاريخهم المليء بالدموع والدماء ، ومن يريد المزيد من المعلومات عن حملات الإبادة تلك ، عليه بقراءة كتاب السيد داؤد ختاري المعنون : الحملات والفتاوى على الكرد الايزيديين في العهد العثماني.
أما ما حصل لهؤلاء اﻻيزيديين اﻻبرياء في اسكي كلك بعد قرابة السنتين من مرور بكنكهام أي في 2032/3/9 على يد قوات ميري كورا المهاجمة ، فإنه أمر تقشعر له الابدان ، لهول فظائع جرائمه ، حيث أمر بإبادة وذبح كل من لم يقبل أن يغير دينه منهم ، وسبى نسائهم واستباح اموالهم وممتلكاتهم ، وليس لي ان اوضح ما حصل لهم إلا استذكار ما حدث لإيزيدية سنجار سنة 2014 من قبل داعش التي سمع بها الكل او شاهد جانبا من مآسيها عبر مواقع الانترنت أو التلفاز. ولم ينج من ايزيدية اسكي كلك الا عوائل معدودة استطاعت الهروب إلى مناطق بحزاني وبعشيقه او الشيخان لحين ، وان كان عددهم قليلا جدا ومن هؤلاء من هم حاليا اجداد عوائل ٱل عبو زيد في بحزاني وعوائل آل الدرويشان واقربائهم في بعشيقة ، وفق ما يتناوله احفادهم اولئك من معلومات عن تفاصيل بخصوص ذلك ، مثلما يتناقلون إن لهم اقرباء حاليا في مناطق قريبة لا زالوا يحملون نفس اسماء عشائرهم من أحفاد هؤلاء الذين اضطروا تحت التهديد الى تغيير دينهم.
الجدير بذكره هنا ان عشيرة الطي العربية التي كانت تتواجد مضاربها على مقربة من تلك الاطراف وقتها تحالفت وتعاونت مع جيش أمير رواندوز في غزو ايزيدية الكلك ، وهذا يفند ما يدعيه البعض عن النظرة القومية لأمير راوندوز ، وكان عدد الضحايا الإيزيديين ككل في حملة ابادته هذه يفوق بكثير عدد ضحاياهم في حملات إبادة اخرى عبر التاريخ ، وما آثار المقابر المنتشرة بفعل فرمانه وفرمانات سابقة في مواقع مختلفة من كردستان والتي تعرف بمقابر الكفار إلا دليلا على ذلك ، ومن بقي منهم او وقع في السبي والأسر اضطر الى تغيير معتقده ليأتي يوم يطلق أحفاد هؤلاء وغيرهم تسميه مقابر الكفار على هذه المقابر ، رغم أن هؤلاء (الكفار) هم أجدادهم الذين دافعوا عن مناطقهم حتى ارتوت ارضهم بدمائهم ، وهم بعدها احفاد هؤلاء (بدليل تشابه سحناتهم مع سحنات احفاد ايزيديي الذين تمكنوا من الخلاص ، وبدليل وجود اسماء ايزيدية لمناطقهم وقراهم أو وجود تشابه في أسماء أجداد عوائلهم ، لحد الزمن هذا ، من قبيل بير داؤد وبير خدر وغيرهم ) . وكم كان حري بهم ان يفتخروا في كل زمان بدفاع اجدادهم المستميت عن كرامتهم و قيمهم و ارضهم وعوائلهم ، كما يقول الدكتور بدر خان السندي في كتاب له يتناول فيه مذكرات وانطباعات المستشرقين عن كردستان.
بعد الكلك توجه ميري كورا بجيشه إلى منطقة الايزيدية في بعشيقة وبحزاني و جبل العين اعالي برطلة ، وقد بلغ تعطشه للدماء حدا انه تعقب الذين لاذوا بالفرار من بطشه من هذه القرى وغيرها ، هربا الى الموصل ، ولكنهم وجدوا أن الجسر قد أزيح من محله ، وهناك من المؤرخين يقول إن ذلك جاء بسبب مياه فيضان نهر دجلة التي طغت على الضفتين حيث كان ذلك الوقت موسم الربيع الذي كثيرا ما تحصل فيه عواصف تسبب فيضانات و تغطي جوانب مجرى النهر لمسافات بعيدة ، بما لم يكن معه بد من رفع الجسر المستند على قوارب ، فالتجأ الايزيديون إثر ذلك إلى تل قوينجق الواقع على الجانب الأيسر من النهر ، وهو تل اثري كبير يقع ضمن سلسلة اسوار وتلال الموقع الاثري لمدينة نينوى الاشورية ، في وقت تمكنت اعدادا قليلة منهم من عبور النهر سباحة ودخلوا مدينة الموصل بحثا عن الامان. وهناك روايات اخرى اكثر قبولا ، تقول إن الايزيديين الفارين من بطش الجيش المهاجم احتموا باطراف تل قوينجق القريب منها بعد أن أقدم واليها على اغلاق الجسر أمامهم ومنعهم من العبور الى داخلها لأسباب يرى الكثير من المؤرخين أنها تعود لخوف الوالي من دخول جيش الرواندوزي الى المدينة واحتلالها ونهبها والتنكيل بأهلها ، وهذا براي الشخصي غير صحيح بدليل أن غلق الجسر كان اﻻحتياطي الأخير وليس الوحيد للوالي ، وان جيش محمد الرواندوزي لم يهاجم المدينة بالاصل ، رغم انها اصبحت قاب قوسين من جيشه الذي لا يزال بقواه الكامله وغير منهك بعد ، كما ان الوالي لم يعد حسابه لذلك بوضع جيشه على أهبة الاستعداد في وقت كان القرى الايزيدية والمسيحية القريبة ومنها بعشيقة وبحزاني والقوش وباطنايا وغيرها تابعة إداريا له ومن مسؤوليته الدفاع عنهم.
اما هؤلاء الإيزيديه المختبىين على اطراف تل قوينجغ وبقايا اثاره الشاخصة ، فقد لاحقهم محمد الرواندوزي ليعمل بهم مذبحه كبيرة ، كجزء من اكبر حملة ابادة شنت على الايزيديين عبر التاريخ ، فقام بجمعهم على التل وقتل جميعا ، وهم بالالاف من الرجال والنساء والاطفال. مذبحة بلغت فضاعة ما وقع فيها حدا لا يصدقه العقل البشرى وهم كما اشرت خليط عزل من الرجال والنساء واﻻطفال ، ينادون ويصرخون ويستغيثون دون جدوى أو معين ، فقد قرر الامير الرواندزي القضاء التام على الايزيدين اﻻبرياء هؤﻻء المختبىين والمتحصنين على اطراف التل الاثري ليحتموا فيه بعد ان تشتت بهم السبل ، لتسال بعد المذبحة دمائهم فوق سفوح هذا التل الذي عرف بعدها بتل قوينجق أي التل الاحمر في اشاره باللغه التركيه الى لون الدم الاحمر المسال على سفوحه من دماء هؤلاء العزل ، لتضاف دماءهم الى دماء من سبقوهم من الاشوريين الذين دافعوا عن مدينتهم نينوى سنه 623 قبل الميلاد ضد هجمات اعداء مماثلين في المكر والشر ، ليأتي يوما العالم الاثري البريطاني لايارد ليكشف سنه 1845م عن ما يحويه هذا التل من اثار لقصور وقاعات ملكية ومكتبة تحوي عشرات الآلاف من الرقم الطينية الاشورية ، ويحكي للعالم ما يحويه من آثار ويعرج بالمناسبه على سر تسميه التل بهذا الاسم ، وللتاريخ لسان ، ليحكي على الضحيه والمظلوم وينصفه على امتداد الزمان وان جاء ذلك بعد فوات الاوان. ويبدو ان ذلك كان بداية تعرفه على الايزيديين، ليزور بعدها معبدهم في لالش ورئيسهم الديني البابا شيخ ناصر.
توجه بعد ذلك جيش ميري كورا الى مناطق الشيخان وقراها و كافة القرى الإيزيدية الواقعة في السهل الممتد بين قدمات جبال باعذرة والقوش ونهر دجلة ضمن ولاية الموصل ، وكان بمرافقته الملا يحيى المزوري ، الذي كان على معرفة مسبقه بمواقع هذه القرى الايزيدية ، كون قريته بالته قريبة منها ، حيث كان يعمل كدليل لجيش محمد الأعور على هذه القرى وسكانها ، قرية بعد قرية، للقضاء حتى على من تمكنوا من الاختباء لحين وتصفيتهم.
استباح جيش الامير محمد الرواندوزي دماء الايزيدية وكذلك المسيحية في هذه المناطق ، فقتل كل من وقع تحت يده إن لم يغير معتقده ، كما سبي نسائهم ، ناهيك عن أعمال النهب لكل ما وقعت أيادي جنده عليه ، ففي قرية حتارة على سبيل المثال لا الحصر ، يوم وصول هذا الجيش إليها ، كان تقام سبعة حفلات أي اعراس زواج ( وفقا لما اذكره القس يوسف بابانا في مؤلفه القوش عبر التاريخ ، الذي انقل عنه هذه المعلومات بخصوص القرية وأطرافها ) ، بما يؤشر ذلك الى عدد نفوس القريه الكبير في ذلك الزمان ، والتي قدر نفوسها السيد داؤد ختاري في مقال له قبل فتره بحدود 20 الف فرد ، ولم يسلم منهم الا اعدادا قليلة جدا وتحديدا ممن كان خارج القرية .
كما لم تسلم من هذه الهجمات المناطق المسيحية المجاورة ايضا كما اشرت ، إذ هجم جيش الرواندوزي على جميع القرى المسيحية في تلك المناطق ، فقتل كل من وقع بين يديه وأباد ما اباد ونهب ما نهب وكان من بين الضحايا رجل دين كان قد رجع لتوه من روما بعد أن تم ترسيمه هناك بطريركا على أسقفية تلك المناطق ، وقبره لا يزال باقيا ليشهد عن فصول سوداء من مآسي تلك المناطق على يد الأمير الرواندوزي ، و بالإجمال بلغ عدد شهداء المسيحيين حدود 370 رجلا عدا الأطفال والنساء. كما استشهد اغلبية الايزيديين ممن تواجد في القرية تقريبا كما اشرت، ومن تمكن منهم من النجاة ، فقد إلتجأ إلى جبال الجودي وطور عابدين وسنجار و أعتصم برؤوس الجبال وأعماق الوديان.
بعدها توجه جيش محمد راوندوزي نحو قرى الايزيدية الواقعة ضمن مناطق وأطراف دهوك ليسيطر عليها ويعمل السيف فيها ، وقبيل وصوله إليها ، اجتمع زعيم العشيرة الدنانية الايزيديه في تلك المناطق مع رئيس قبيلة رئيسية أخرى وقررا خوض غمار المقاومة ، ولكن بسبب اعداد مقاتليهم القليل بالمقارنة مع أعداد جيش ميري كورا عدة وعددا ، لم يستطيعوا الصمود طويلا ، فنال زعيم العشيرة الدنانيه شرف الشهادة دفاعا عن اهله وعرضه وأرضه مع الكثير من اهله.
لم يشفى غليل أفراد جيش محمد الراوندوزي وكذلك غليل الملا يحيى ، لتستمر غزواتهم على مناطق عشيرة القائدية الايزيدية وغيرها التي تمكنوا من إخضاعهم جميعاً لتصبح تحت سيطرتهم. ولابد من الإشارة هنا الى ان الملا يحيى كان ملما او على معرفة بالاعراف والتقاليد الايزيدية و عن كرههم للّون الازرق من الملابس ، أذ امر جميع اهالى المناطق تلك برفع قطع قماش زرقاء كعلم لهم فوق دورهم للدلالة على اعتناقهم الاسلام ، لكى ينجون من الموت المحقق ، وبهذه الطريقة دمرت قواته قرية سيميل بالكامل وبعدها اضطرت مناطق القائدية لرفع أعلام من القماش الأزرق كي تنجو بنفسها وإلى حين . ثم لاحقت تلك القوات العشائر الايزيدية القاطنة في منطقة سهل السليفاني و العشائر القاطنة في منطقة فيشخابور وأطرافها ، ليتم اخضاعها تحت رهبة السيف ويضع اهلها بين خيار اعتناق الاسلام او القتل.
وصلت قواته بعدها الى ديربون قرب ملتقى نهر الخابور مع نهر دجلة ، إذ كان نهر الخابور يمثل الحدود الفاصلة بين امارة بوتان و إمارة بهدينان. عسكر هذه القوات في ديربون لبضعة أيام ومن ثم بدأت الحرب ثانيه ضد الايزيديين الباقين. وهنا ينبغي الذكر أن خيمة ميري كورة كانت تختلف عن خيم بقية قادته ، إذ كان يعلو رأس عمودها تاج ذهبى بارتفاع حوالى نصف متر لتكون بارزة من الخارج ، و كى يعلم الجنود و كذلك من يطلبون اعتناق الإسلام مكان خيمته ليقصدونها ، فيما كانت تتوزع خيم حراسه الخاصين على سلسلة تلال ديربون التي تقابل الاراضي التركية.
هكذا دمر ميري كورا مناطق إمارة الايزيديين جميعها وقتل الالوف المؤلفه وسبى أمثالهم من النساء وادخل من وقع في أسره على تغيير معتقده رغما عنهم.
الجدير بالذكر ان عشيرة الهويرية الايزيدية ، كانت تسكن في الجانب الأيمن من نهر الخابور(ضمن تركيا الحاليه) ، اي المنطقة التى تعرف بسهل سلوبيا التابع لامارة بوتان ، وعندما تناهى الى اسماع رئيسها حسن اغا هويرى من الفارين من مناطق ديربون وما جاورها إلى منطقته ، ما ألم بالايزيدين من إبادة كبيرة ، امر في الحال بجمع رجال عشيرته والتوجه و في مقدمتهم لنجدة الايزيدين في إمارة بهدينان ، فعبر نهر الخابور ليلاً مع خيرة رجاله الهويرية ووصلوا الى ديربون تحت جنح ظلام الليل للاستفسار والتاْكد اولا مما سمعه ، وعند صباح اليوم التالي وزع رجاله حول قوات ميري كورة فى كانى ديرى . وعلى الرغم من كون عدد مقاتليه لا يتجاوز 200 مقاتل ، إلا انه قرر قتال الجيش الجرار للامير محمد الرواندوزي ، ليفتدون اهلهم بارواحهم وهم يرددون ما قيمة حياتنا بعدما حصل ما حصل للايزيديه. و تمكن رئيس العشيرة من أصابه خيمة الأمير محمد الرواندوزي نفسه باطلاقه ، الامر الذي ادى الى حصول حالة رعب داخل المعسكر بين قواته التي عجلت في مغادرة المنطقة.
بعد احتلال جيش الرواندوزي مناطق الايزيدية التي اشرت لها اتجه صوب ايزيديه سنجار واشتبك معهم وسط حرب ضروس و مقاومة طويلة شهدت بطولات من أهلها ، ولكنه في النهاية تمكن بحكم فارق العدة وعدد الجيش من الاستيلاء عليها وتدميرها اسوةً بباقي مناطق الايزيدية. والجدير بالذكر ان جيش ميري كورا كان مجهزاً بمدافع مختلفة في كل مراحل هذه الإبادة ، الامر الذي زاد من خلق حالة الرعب بين الايزيديين ،وعجل من سرعة سيطرة جيشه على كل هذه المناطق.
يقول ستيفن لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث وكذلك القس سليمان الصائغ في كتابه تاريخ الموصل ، ان ميري كورا قتل من ايزيديه جبل سنجار ما يناهز ثلاثة أرباع سكانه.
ويقول الاثري هنري لايارد ان ثلاثة أرباع الايزيدية كانوا قد أبيدوا ، وان من أحتموا بالكهوف حاصرهم الجند فيها وأبادوهم قتلا بالرصاص والقنابر وخنقا بالدخان.
وصل مجموع ما استشهد من الايزيدية مايقارب 135 الف فردا في جميع مناطق الايزيدية ،
أما امير راوندوز وبعد ان دحر إمارة الايزيدية وافنى تقريبا سكانها الايزيديين ، فقد وجه جيشه بعدها إلى احتلال امارة بهدينان الكردية الاقوى عدة وعددا في جيشها والاصعب جغرافيا.
توجه جيش محمد الرواندوزي الى العمادية عاصمة امارة بهدينان للاستيلاء عليها ولكن أميرها محمد سعيد باشا قرر المقاومة التي استمرت شهورا عديدة ، تمكنت بعدها قوات الجيش المهاجم على ارغام المدافعين على الاستسلام فى 6 حزيران 1833م ، ليتم بعد ذلك اعتقال ألامير محمد سعيد باشا وقام ميري كورا بتعين عمه موسى بك حاكماً على المدينة وهو الذي سبق ان توجه اليه وطلب منه مساعدته في استرجاع الامارة من ابن أخيه كما تم بيانه في الجزء الأول.
هكذا قضى ميري كورا على إمارتي اﻻيزيديه وبهدينان
وهكذا تعرض الايزيدون في حملته العسكرية الى اباده كامله استشهد فيها ما يقارب ال 135000 ايزيدي ، كما أسر اميرهم علي بك مع أكثر من 10000 ايزيدي واضعافهم من النساء اللواتي وقعن سبايا بأيدي الجند ، ليساقوا بعدها الى راوندوز بعد أن نهبوا كل ما وقع تحت ايديهم من املاك واموال الايزيديين ، التي كانت كلها مباحة بفتوى مسبقة من مفتى الامارة محمد ختى.
في نهاية الحملة رجع الأمير محمد رواندزي الى مقر إمارته في راوندوز بعد أن قام في حملاته بجمع مئة ألف رأس ايزيدي في موقع ثم قام بالاذان فوقها.
وبعدها عين ممثلين له مسؤولين على كل منطقة من مناطق الايزيدية.
موقف أمير الايزيدية علي بك :
بعد اسر الامير الايزيدي علي بك ونقله الى راوندوز عاصمة إمارة سوران ، تم وضعه في سجن خاص (كما يقول جمال نبز في كتابه المشار له في الجزء الأول من هذا المقال) وتردد محمد رواندوزي عليه في مكان سجنه عدة مرات ، وهو يشيد بشبابه طالبا منه اعتناق اﻻسلام ليتجنب القتل ( وهذا يوضح بجلاء السبب الديني للحملة العسكرية على الايزيدية ، وانه لم يعلن حربه على الامير علي بك بسبب مقتل علي البالتي كما زعم و استغل ذلك حجة له في البداية ). أما جواب الأمير علي بك على طلب محمد الرواندوزي بعد كل ما جرى لأمارته ، فتمثل بالقول له بأنه لا يبيع دينه بملعقه من الدم ، وبعدها تم اعدامه وعلقت جثته على جسر رواندوز لأيام سبعه. ولا يزال يسمى الكلي الذي شهد فصول من مأساة علي بك يسمى باسمه أي كلي علي بك . بعدها نقلت قوة خاصة من رجال جيشه جثة الامير علي بك إلى باعذرة عاصمة الامارة الايزيدية ، وسلمت الى زوجته التي بادرت بالايعاز لرجالها بقتلهم جميعا انتقاما من مقتل زوجها ، ودارت بعدها رحى تفاصيل خارجة عن سياق المقال هذا.
ذهب اﻻمير علي بك شهيدا كبيرا للموقف مع اﻻﻻف من شهداء الموقف من افراد إمارته ، ليدخل التاريخ باسم علي بك الكبير. .وكم نتمنى لاحفاده أن يكونوا كبارا مثله ، وإن ﻻ يغامروا بقضية ومستقبل اﻻيزيديه من أجل ملعقة من الدولارات ، وان يكونوا اصحاب مواقف واضحة تعكس مصلحه ومستقبل اﻻيزيديه.
يبقى ضرورة القول إنه رغم ما حصل في قصر الامير علي بك صباح يوم طهور ابنه ، من محاولة لاغتياله من قبل ضيفه علي بالتي ورجاله في عقر داره ، الأمر الذي قاد إلى تحول قصره إلى ساحة لمعركة حامية انتهت بمقتل علي اغا بالتي ورجال آخرين من الطرفين كما ورد في الجزء الاول من هذا المقال ، فإنه كان يتوجب على الامير علي بك ان يوضح ملابسات وتفاصيل ما حدث عبر مبعوثين منه لامراء وولاة المناطق والإمارات المجاورة ، وإذا كان ذلك قد حصل واقعا مع امير بهدينان ووالي الموصل وحاكم عقرة كما يتبين من سياق الاحداث ، ولكن يبدوا ان ذلك لم يحصل مع امير سوران ميري كورا ، كي يقطع دابر اي فتنه يريدها من يبحث عنها ، ويستغل حتى هبوب ريح عاتيه ليفسرها انها قادمة لغاية من تلك الجهة التي يريد لها سوءا ، كي يبرر ما ينوي ويقدم عليه من امر لا يحمد عقباه ، ولنا في مواقف أمير رواندز ومفتيه ختي والملا يحيى مثلا ، إذ وظف الاخير مكانته الدينية مع داود باشا وامير رواندز للانتقام من امارتي الايزيدية وبهدينان ، و تسبب في إبادة مئات الآلاف من الابرياء انتقام لمقتل علي اغا بالتي وبعدها ابنه ، بدلا من حصر الموضوع في نطاقه الضيق كأسوا رد فعل منه ، مع العلم ان مكانة عشيرته عشيرة المزوري قبل ذلك كانت جيدة جدا عند امير بهدينان كما يقول السيد محمد الخضري في مقال له نشره السيد عبدالرحمن م. عبدالرحمن في موقعه على الفيسبوك يوم 12اذار 2025 واستشهد فيه بما كتبه المستشرق جيمس ريج في رحلته الى كردستان سنة 1820 من أن حاكم العمادية عندما كان يبدأ مجلسه يُدخل أولا وزيره وبعده يأتي رئيس عشيرة المزورية ومن ثم يأتي رؤساء العشائر الأخرى، وهذا يدل على قوة هذه العشيرة ومكانتها في ديوان الامير محمد سعيد باشا أمير بهدينان.
قدر تعلق الأمر بحملة امير رواندز لإبادة الايزيدية ودور الملا يحيى في حدوثها ، فإن وجهة نظر السيد محمد الخضري عنه تبدوا في غير محلها ، عندما اشار الى ان الملا يحيى لم يستخدم الدين للحصول على مكاسب دنيوية ومصالح شخصية مع انه كان يستطيع فعل ذلك. بينما يفهم من تعليق للسيد بلند مفتي على مقاله عكس ذلك ، عندما اشار الى هجرة الملا يحيى إلى بغداد و ابتعد بذلك عن فتنة الإقتتال بعد أن انتقم لقاتلي قريبه علي آغا و ابنه سنجان آغا بواسطة أمير راوندوز. ومن قراءتي لاكثرية المصادر التي تمكنت من الحصول عليها حول الموضوع ،سواء كان كان كتابها ايزيدين ام مسلمين ، لم اجد مصدرا واحدا اقحم افراد عشيرة المرورية او رئيسها في حديثه ، والكل ركز على حصر الموضوع برئيس أحد افخاذها ورجال حمايته فقط ،اي تبرئة العشيرة كلها من ما حصل في قصر الأمير وحصره بمن تواجد داخل القصر فقط وكذلك تبرئتهم من حملة ابادة الايزيديين من قبل امير رواندز. ولا عجب فإن الطرفين تربطهم رابطة جيرة تاريخية فيها ما يجمعهم الكثير من المواقف التاريخية وواجب الجيرة والاعراف والعادات العشائرية الكثيرة.
اما مفتي إمارة سوران ختي ، فقد إبان خيانته بنفسه لامير راوندوز عندما اصطف إلى جانب الجيش العثماني الذي حاصر عاصمة سوران لإلقاء القبض على اميرها.
بالمقابل يقول جمال نه به ز ، في كتابه المشار له ، ان اهالي رواندز لم يفرحوا بإعدام الأمير علي بك ، بل تأسفوا وبكوا ونظموا اغاني مراثيه ، لها عندهم تسمية خاصة تشيد بشجاعة وحسن طلعة ووسامة الأمير الشاب علي بك ولا تزال الذاكرة الشعبية هناك تردد قسما من هذه المراثي.
ويقول جمال نه به ز ايضا عن نفسه :
انني عندما كنت مدرسا في معهد اعداد المعلمين في اربيل أواخر الخمسينات وبداية الستينات كنت استطيع معرفة المنطقة التي جاء منها كل طالب من طلبته من سحنة وجهه ، الذين كان بينهم طلبة قالوا لي اننا اكراد أصلاء وعندما سالتهم ماذا تعنون بهذا الكلام ، فكان ردهم انهم من جهة الأب من منطقة رواندوز ومن جهة الأم كرد اصلاء من الايزيدية في إشارة وتلميح فطري منهم الى كون جدات امهاتهم هن من اولئك السبايا الايزيديات اللواتي تم سبيهن في فرمان ميري كورة ، وتم بيعهن او تقاسمهن بعدها بين رجال جيشه ، ليأتي يوم يفصح لسان احفاد لهن بلا إرادتهن بفداحة مصيبتهم المتمثلة في ماساة جلبهن الى سوق النخاسة ليباعوا كالعبيد دون سبب الا كونهن ايزيديات مغلوبات على أمرهن رفضن تغيير معتقدهن بارادة الغازي وتحت ظلال سيوفه.
هكذا تبين وقائع التاريخ انه لا يذهب ضحيه الا من كان اصيلا في قيمه ومعتقده وفي ارضه ، ولا يذهب ضحيه الا من يكتب تاريخه بدمه المراق بسبب التطرف الاعمى للكثير من قادة المنطقة وحكامها على امتداد الزمان.
ان الأمير محمد الراوندوزي كان شديد التطرف دينيا ، لهذا عامل الإيزديين بقسوة بالغة ، وكان يعتبرهم ( كفاراً ) بموجب فتوى من مفتيه ختي الذي اجاز غزوا مناطق الايزيدية وقتلهم وسبي نسائهم ونهب ممتلكاتهم. رغم ان امير رواندز أراد أن يفرض على الايزيديين الدين الإسلامي بالقوة ، و لم يفلح في ذلك رغم تكبدهم خساىر كبيرة جدا ، وأوقع المذابح بهم كما تم بيان جانبا من ذلك ، وبقيت حملة ابادته تلك وصمة عاار في جبينه، ولن يغفر التاريخ له ذلك ، وكم كان حريا به وقبل اقدامه على غزو امارتين متجاورتين لامارته ، ان يتاكد من مصداقية ما سمعه من الملا يحيى المزوري بخصوص الايزيدية ومن موسى بك بخصوص إمارة بهدينان، رغم انه ليس من مسؤوليته او صلاحياته إداريا القيام بحملة على الإماراتيين لاسباب لا تخصه وذات شأن شخصي او داخلي بحت يخص كل إمارة منهما ، بما لم يكن له صلاحية وقبلها لم يستوجب كل ما حصل ليبيد اغلبية الايزيديين بحجة الانتقام من اميرهم الذي عرض عليه تغيير معتقده كي لا يقتل ، ليكون من الواضح اثرها ان هدفه كان ضم الإماراتيين إلى إمارته وقبلها إجبار الايزيديين على تغيير معتقدهم.
المقاومة الايزيدية:
سرعان ما تفاقمت الأوضاع في مناطق الايزيدية المحتلة من قبل جيش أمير رواندوز ، وتطورت بعدها الى انتفاضات مسلحة ضد حكم ميري كورا ، وقامت بما يمكن ان تسمى بالانتفاضات فى مناطق الشيخان وسنجار ، وعين رسول بك ممثلا للامير محمد رواندوزي هناك ، واعترف الايزيديين بالمقابل بزوجة اميرهم على بك كقائد وزعيم لجميع المنتفضين الايزيدين ، وقد قتل احد ممثلى الأمير الرواندوزي فى إحدى هذه الانتفاضات ، وعرقلت جميع نشاطات رسول بك فى مناطقهم.
أدت هذه الاحداث الى تردى الاوضاع اكثر فاكثر حتى وجد رسول بك نفسه مضطراً الى العوده والارتماء فى حضن محمد الرواندوزي من جديد . وكانت منطقة جبل سنجار من اهم المناطق الايزيدية التي تقوم بالأعمال المسلحة ضد ممثلى الامير عبر الهجمات على قلعة سنجار التي كان يتمركز فيها قوات جيش ميري كورا ، وتمكنوا في احدى المرات من محاصرتها تماما وفي داخلها وكيل الامير الرواندوزي وقائد قواته با بكر اغا مع نائبه وثلاثين جندى اخر ، ولم ينجح من الافلات من ايادى مقاتلي جبل سنجار الايزيديين الا جندى واحد، تعمدوا ان يتركوه سالما كى يوصل رسالتهم لاميره عن ما مجرى لزملائه وقادتهم الذين قتلوهم جميعا ، وسرعان ما انتشرت خبر الانتفاضه الايزيديه في سنجار ، بعد ان تمكنوا من طرد جند ميري كورا ، الى اطراف مدينة الموصل ، وحينها قرر ميري كورا ثانية القضاء على ما تبقى من الايزيدين باى ثمن كان واعادتهم الى طاعته ، فارسل قوه كبيره ضد المنتفضين الايزيدين فى الشيخان وسنجار متجاهلاً تماماً ايزيدية اطراف زاخو بعدما ذاق المر على يدهم.
ولما وجد المنتفضين صعوبة الوقوف فى وجه قوة الامير الرواندوزي ، وهم الذين لم يكونوا يملكون مواقع محصنة هناك ، توجهوا الى السلطات فى الموصل ، الا انه اغلقت الابواب فى وجههم ولم يقبلوا لهم الدخول اليها للاحتماء . فاضطروا اللجوء الى منطقه النبى يونس وكانت المسافه بينها وبين المدينه منطقه زراعيه فارغه من السكان ، ولم يجدو هناك ايضاً موقع آمن للمقاومة وللحماية فغادروه ايضاً حتى استقر بهم الأمر قرب قصر سنحاريب القديم وحينها قرروا المقاومة ، حيث حسمت المعركة لصالح محمد الرواندزي ، لفارق العده وعدد الجند.
مصير ميري كورا:
وقد يتسائل القارئ عن مصير ميري كورا بعد كل هذا :
اقول ان طموحه غير المشروع وجبروته قد قتله ، ذلك انه اعلن عصيانه عن والي بغداد الجديد (بعد عزل داؤد باشا الذي كان صديقا له) فاتخذ السلطان العثماني محمود الثاني قرارا سنه 1836( كان لتدخل الدول الغربيه دورا كبيرا في اصداره، لما قام ميري كورا من فضائع دمويه تجاه المسيحيين في اطراف امارته) يقضي بقيام الجيوش العثمانيه المتواجده في ولايات بغداد والموصل وديار بكر وتحت امره رشيد باشا بالهجوم على ميري كورا في معقله ,وبعد تقدمها ومحاصرتها لعاصمته تخلى عنه من كان بالامس مشجعا له على غزوا الامارات الاخرى ومنهم شقيقه أحمد الذي وقف ضده وقرر محاربته وبعد اشتداد الازمه بينهما أصدر مفتيه محمد ختي فتوى بتكفير كل من يهاجم جيش الخليفه العثماني ، كونه جيش خليفه المسلمين ، واضاف بانه يتوجب على جند امير راوندوز الابتعاد عن ميري كورة والانضمام إلى قوات شقيقه احمد بك ، وسرعان ما انضم مقاتلي ألامير إلى صفوف قوات شقيقه احمد بك ، الامر الذي ادى الى تخلي غالبيه جيشه عن القتال، مما سهل سيطره القوات العثمانيه بوقت قياسي على اماره سوران والقي القبض على اميرها الاعور الذي ارسل مقيدا الى استنبول .وهناك توسط له احد المقربين من السلطان فوضع الامير الاعور تحت الاقامه الجبريه في نفس الحي الذي يسكنه، ثم استمر بالتوسط له الى ان عفا عنه السلطان ، بشرط ان ياخذ طريقه الى بغداد وذلك ليعتذر عن تصرفه تجاه والي بغداد قبل رجوعه الى راوندوز. ولكن ميري كورة وهو في طريقه اعلن عصيانه عن تنفيذ ما امر به . وهنا ارسل السلطان الى اقرب والي يمر في ولايته الطريق الذي يسلكه امير راوندوز ، من يأمره بالقاء القبض عليه وانهاء حياته , فكان ان قام الوالي بذلك حيث وضعه في منجنيق ورماه في البحر ليصبح طعما للحيتان والاسماك وينال عاقبه اعماله وسوء تصرفه تجاه الكل بدا من ابيه وامارتي الايزيدية وبهدينان.
اما مفتيه محمد ختي السيئ الصيت فعاش ما تبقى من حياته منبوذا معزولا في راوندوز ، واما قبره فقد تمت ازالته في بدايه الستينات من القرن العشرين ليتم توسيع ملعبا رياضيا فوقه كما ورد في كتاب جمال نه به ز المشار له.
كلمة اخيرة :
ان حمله اباده ميري كورا لا تزال ماثله ذكراها عند الايزيديين كما عند المسيحيين وان مجرد ذكر اسمه يفتح عندهم سجلا من ذكريات المآسي لغزواته وحملات ابادته التي تعرضوا اجدادهم ا وذهبوا ضحايا لها بالصور الفضيعه التى لا يمكن نسيانها.
ان احتلال امير رواندز إمارتي الايزيدية وبهدينان يكون بذلك قد نفى بنفسه أي صفة قومية له ، علما بأن المفهوم القومي لم يكن مألوفا و متداولا وقتها ليضفي عليه من يحاول ان يبرر غزوته لهاتين الإماراتين هكذا ، في وقت يتطلب حامل الفكر القومي القيام عكس ذلك تجاه بني قومه ليحميهما وبكون سندا لهما. والجدير بالذكر هنا قول العلامة محمد أمين زكي ، في كتابه خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ، في إن الفكرة القومية عند الشعب الكردي وبقيه الشعوب المجاورة له تبلورت بشكل واضح في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، عندما ارسلت هذه الشعوب ممثلين لها في مؤتمر باريس للسلام ، للمطالبة بحقوقهم وحق تقرير مصيرهم.
اليوم يشعر احفاد هؤلاء الضحايا ومعهم كل حملة النزعة الإنسانية بالمرارة والالم والغبن الذي مورس بكل قساوة بحق اجدادهم من قبل ميري كورا وهم يسترجعون ذكريات الماضي الأليمة، عندما يعلمون ويقراون في وسائل الاعلام بأن هذا الذي مارس القتل والجريمة ضدهم واقصد ميري كورا يتحول اليوم في بعض اﻻدبيات والصحف الكردية وبعض المنظمات الى رمز و بطل ، بل يوضع وينصب تماثيل له في اماكن وساحات عامه بدل ان يوضع في الصفحة السوداء من التاريخ ، ذلك ان عملية تمجيده وتقديمه كبطل قومي على رغم كون يداه ملطخة بدماء ابناء جلدته من الكرد في امارتي بهدينان والايزيدية ، لا يساهم في طي صفحات الماضي المؤلمة وتعزبز روح المحبه والتاخي بين الجميع. ولابد من الذكر انه عندما نصب تمثال له في اربيل قبل فترة ليست بالبعيده ،انبرى العديد من الشخصيات و المراكز المسيحية باﻻعتراض (وسط سكوت او ﻻ مباﻻت ايزيديه) وعند مراجعتهم لمحافظ اربيل وشرحهم له تاريخه الملطخ بدماء اجدادهم ، سرعان ما اعتذر عن عدم معرفته بذلك وفي الحال أمر بازالة التمثال و حصلت حاله مماثله ورد مماثل من قبل محافظ دهوك ، بما يعكس الرغبة الجادة و القناعة في الاستفادة من عبر الماضي لبناء مجتمع معافى من آثار وجراحات الماضي ، و ينظر إلى المستقبل بعين يرى الفرد منه اي فرد اخا له لا فردا آخر مختلف ، مجتمع كما عبر عنه الملك فيصل الاول فيه الدين لله والوطن للجميع.
كلمة اخيرة:
ان هدف المقال هذا هو التعريف فقط بحملة امير رواندز لإبادة الايزيدية سنه 1832م ، كي يطلع القارئ على جانب من مآسي الايزيديين وحقيقة ما جرى في حملات إبادة تجاوزت ال 74 حملة إبادة عليهم ، وكانت حملة ابادة داعش سنة 2014 احدثها ، متاملا ان يكون ذلك عبرا للجميع كي نتجاوز الماضي ونبني اوطاننا بمحبة وسلام ويقيم المواطن بمقياس انتماءه لوطنه واخلاصه في سبيله وما يقدم له من خدمة ، بعيدا عن اي اعتبار آخر ، وطن لا يمكن النهوض به إلا بتبني حكومة مدنية علمانيه فيها الدين لله والوطن للجميع كما قال الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية ، كي نضمن بناء وطن كما كل الاوطان بعيدا عن اي تطرف قومي او ديني ولنا جميعا في ما حصل في العراق على امتداد العقود الماضية شواهدا ماساوية كثيرة ، ذهب ضحيتها الملايين من الابرياء على الهوية الدينية او القومية.
المصادر المعتمدة:
1- جيمس بكنكهام ، رحلتي الى العراق ، ترجمة كوركيس عواد .
2-.القس يوسف بابانا،تاريخ القوش.
3-.جمال نه به ز، امير راوندوز محمد باشا .
4- المحامي عباس العزاوي ، تاريخ العراق بين أحتلالين ، الجزء السابع .
5- جيمس بيلي فريزر، رحلة فريزر إلى بغداد عام 1834م،(بغدادـ 1964) ، ص
6- ستيفن لونكريك ، اربعه قرون من تاريخ العراق الحديث .
7- القس سليمان الصائغ، تاريخ الموصل
8- روفائيل بابو ، نصارى العراق ،(بغداد ـ 1948) .
9- اسماعيل بك جول ، الايزيدية ، تحقيق قسطنطين ذريق ، لبنان ، 1933.
10- علي الوردي ،لمحات اجتماعية من تاريخ العراق.
11-هنري لايارد ، نينوى وآثارها ، مراجعة عهود العكيلي وترجمة خضر علي سويد ، 2018.
12- السيد عبدالرحمن م. عبدالرحمن ، مقال عن عشيرة المرورية للسيد محمد مشير الخضري ، منشور على موقعه في منصة التواصل الاجتماعي ،الفيسبوك، مع تعليق من السيد بلند مفتي عليه يوم 12اذار 2025