لقد تعوّد الشيوعيون العراقيون وهم يحتفلون بذكرى تأسيس حزبهم في آذار من كل عام، على كم من المقالات الحاقدة التي تهاجمهم وحزبهم، وقد تعددّت المنابر التي تتبنى هذه السياسة خصوصا إن كانت الأنتخابات على الأبواب للنيل من الحزب وتأريخه المجيد ونضالاته في سبيل شعبه ووطنه. فالأحزاب الأسلامية تحرّض أقلامها مدفوعة الأجرعلى مهاجمة الحزب ومثلها يفعل بعض رجال الدين من على منابرهم أيضا، كون منابرهم لا تعرف معنى الثورة والعدالة الأجتماعية ومناصرة الفقراء ومكافحة الفساد والتوزيع العادل للثروة، بل تعمل كمراكز لبث الجهل والتخلف وعبادة ساسة وأحزاب نهبوا البلاد والعباد. ولم يتخلّف البعض من المتايسرين الخارجين من معطف الحزب لأسباب عدّة، عن ركب ممّن ذكرناهم أعلاه على الرغم من خلافاتهم الآيديولوجية معهم، وعليه فليس بغريب أن يبدأ بعثيون ساهموا مع حزبهم الفاشي في أن تصل أحوال بلدنا الى ما هي عليه اليوم مشاركة الآخرين في موسم مهاجمة الشيوعيين وحزبهم، بل الغريب هو عدم مشاركتهم الآخرين في هذه المهمّة “النبيلة”.
قبل أيّام ونحن على أعتاب الذكرى الواحدة والتسعين لتأسيس عميد الأحزاب السياسيّة العراقية أي الحزب الشيوعي العراقي، نشر كاتب صدّامي بعثي عروبي مقالة تحت عنوان (عن أحزاب عراقية سادت ثم بادت) في صحيفة يرأس تحريرها ويمتلكها رفيق له في ذلك الحزب الفاشي، صبّ فيها قيحه البعثي المعادي للحزب الشيوعي العرقي ولكل ما هو وطني في هذه الأرض التي ملأها حزبه الدموي مقابر جماعية غطّت صحارى العراق التي ينحدر منها الكاتب، وارثا منها القسوة والحقد وسفك الدماء ما جعله بعثيا ذو مكانة في حزبه ومقرّبا من قيادته التي منحته مناصب لا تمنح الّا للمقرّبين جدا من ثقافة السلطة المتعطّشة دوما للدماء. وقد عمل هذا الكاتب الموتور حينما ساد البعث الفاشي العراق مديرا لبرامج أذاعية في الأذاعة والتلفزيون العراقي، ومديرا لرقابة المطبوعات ومديرا للبحوث ورئيس تحرير مجلة المثقف العربي، ومستشارا أعلاميا (رجل مخابرات) في سفارات العراق ببودابست والرياض والخرطوم وروما. ورئيس تحرير صحيفة الزمان التي نشرت القيح البعثي هذا هو الآخر سليل ذلك الحزب الخياني، فقد تمّ تعيينه وهو المقرّب من السلطة وذليل لإبنها المدلل المجرم عدي صدام حسين، مديرا لوكالة الأنباء العراقية ومن ثم أصبح مديرا للإذاعة والتلفزيون العراقية، ومن ثم أصبح نائبا ًلـعدي صدام حسين في نقابة الصحفيين العراقيين.
الشيوعيون أنفسهم يعتبرون حزبهم اليوم بعيد عن ذلك الحزب الذي شغل الشارع السياسي العراقي وواجه الأنظمة القمعية التي سادت البلاد منذ تأسيسه ولليوم (سادت من تَزَعَّمَت، حَكَمَت، رَأَست، قادَت، مَلَكَت)، لأسباب تتعلق بالحزب نفسه وهذا شأن داخلي تتم معالجته من قبل الشيوعيين أنفسهم، وأخرى تتعلّق بالظروف الموضوعية التي تعيشها البلاد حيث سلطة محاصصة فاسدة متسلّحة بالأعلام والمال والميليشيات والعشائر والفتاوى الدينية، سلطة تتبنى نهجا “ديموقراطيا” ملغوما بشراء الذمم وأصوات الناخبين والقضاء وما تسمّى بالمفوضية المستقلّة للأنتخابات. الحزب الشيوعي العراقي علاقته بالشارع حيث سيادته (من ساد) وهو يقود نضالات شعبنا في أنتفاضاته الجماهيرية لعقود تعتمد على ظروف البلاد الموضوعية ووعي المجتمع وليس تخلّفه كما اليوم (لم يصل الوعي بالعراق مقارنة بالتطور الهائل في الحياة والتكنولوجيا الى الدرك الأسفل كما الآن)، فعلاقة الشيوعيين مع الوعي علاقة طردية فكلمّا زاد الوعي زادت مساحة عمل الشيوعيين في الشارع، كما علاقة التخلف على علاقة طردية مع الأحزاب الأسلامية التي تنتعش كلما كان التخلف والجهل منتشرا في المجتمع، وكما الجريمة وخيانة الوطن وقتل خيرة شبابه في حروب لا ناقة لشعبنا فيها ولا جمل من قبل حزب الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الزمان، التي هي على علاقة طردية مع ولاء وعبودية وذلّ الأثنين وغيرهم من البعثيين للنازي صدام حسين وعائلته ومنهم القميء الشاذ إبن الدكتاتور الأرعن، وليّ نعمتهما.
يستخدم الكاتب كلمة بادت والتي تأتي من كلمة (باد) أي أختفى، أندرس، زال في وصفه للحزب الشيوعي كما جاء في عنوان مقالته، على الرغم من أنّ الحزب لازال ناشطا على الساحة السياسية العراقية وإن بمساحة لا تتناسب وتاريخه النضالي المشّرف لأسباب ذكرنا بعضها قبل قليل. لكن هل سأل الكاتب ومعه الناشر نفسيهما، عن مكان حزبهما على الساحة السياسية العراقية اليوم؟ الحزب الشيوعي العراقي حزب يساري وسواء رفض الكاتب أو من هم على رأيه، فأنّ اليسار بالعراق لا يعرف دون الحزب الشيوعي العراقي. وإن كانت الساحة السياسية تتحكم فيها التيارات الدينية والقومية اليوم، فهذا لا يعني مطلقا عدم نشاط حركات يسارية أو ليبرالية في البلاد وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، أو عدم وجود ضرورة لوجودها. فالعملية السياسية اليوم وهي محملّة بكم هائل من الفشل والفساد والأرتهان للعامل الخارجي وعجزها عن توفير الحياة الكريمة للناس هي بحاجة لليسار، ستنتهي حتما بتغيير شكل السلطة بتحرك جماهيري سيكون أمتدادا لأنتفاضة تشرين، أو عن طريق تغيير فوقي تتحكم به قوى دولية كما حصل في الثامن من شباط 1963 وتموز 1968 ونيسان 2003 ، وهذا ما لا نتمناه بعد أن أذاقت الحكومات التي أتت على ظهور الدبابات البريطانية والأمريكية منذ انقلاب شباط ولليوم شعبنا الويلات.
أي تحرّك جماهيري قادم (آت لا محالة)، سيكون الشيوعيون العراقيون في قلبه، وسيكونون مع الجماهير مستفيدين من أخطائهم السابقة ومن سمعة حزبهم بين تلك الجماهير الباحثة عن أنعتاقها من سلطة محاصصة طائفية قومية أوصلت البلاد الى مستنقع كان حزب الكاتب سبّاقا قبلهم في دفعنا اليه وبلادنا.
لتستضيف فضائية الشرقيّة صاحبها ورئيس تحرير صحيفة الزمان وكاتب المقالة وأي مسؤول شيوعي في برنامج حواري، حول نشاط وجرائم البعثيين بحق شعب العراق ومنها جرائمه بعد الأحتلال حيث العمل مع القاعدة وداعش وجرائم سبايكر وتفجيرات مساطر العمّال البسطاء والمطاعم والمقاهي والأسواق وخيام العار في مدينة ينحدر منها الكاتب، و”جرائم” الشيوعيين بحقّ شعبهم ووطنهم وليعرّف كل منهم أنتماءه الحزبي أمام الجماهير إن كان للبعثيين جرأة التصريح ببعثيتهم ، ولنرى حينها موقف الجماهير من الثلاثة وحزبيهما، وهل يستطيع حزب البعث الذي ينتمي اليه الكاتب أن يفتتح مقرّا علنيّا في كعبة البعث الصدامي أي العوجة نفسها، كما الحزب الشيوعي العراقي الذي باد بنظر الكاتب حيث مقرّاته العلنية في العديد من المدن العراقية!؟ كما ولم يتطرق كاتب المقال الى حزبه الفاشي أي حزب البعث المجرم الذي يُعد واحدا من أكثر الأحزاب العراقية خيانة ودموية وفاشية، حزب أسمه سُبّه والغالبية العظمى من أعضاءه مجرمون وقتلة وكتبة تقارير، حزب يعشق أعضاءه الهروب بملابسهم الداخلية أمام الملأ حينما يغادرون السلطة، حزب من الأحزاب التي سادت ثمّ بادت.
زكي رضا
الدنمارك
27/3/2025