الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
Homeاراءالأيزيديون والمستقبل .2 ما هو الإصلاح الذي ينشده الإيزيديون وكيف يمكن تحقيقه؟:...

الأيزيديون والمستقبل .2 ما هو الإصلاح الذي ينشده الإيزيديون وكيف يمكن تحقيقه؟: علي سيدو

في الجزء الاول أكدنا على بعض الفقرات التي تخص المواضيع الذاتية والموضوعية التي تتفاعل مع
قضايا الإيزيديين بوجهات نظر مختلفة وخاصة من الناحية الادارية. وعليه، سوف نتطرق الان إلى
الموضوع المعني بشيء من الاهتمام. فما المقصود بالإصلاح الذي ننشده؟ هل الاصلاح هو منهج
ودراسة لتحقيق حال افضل للمجتمع، أم دعوات شخصية وأهواء حسب الرغبة وانتقاء الحالات؟ فلا بأس
من كل ذلك ونحن ننشده أيضاً، ولكن كيف يجب أن يكون شكل النهج الإصلاحي؟ بمعنى هل أن الإصلاح
هو عبارة عن رأي يتصوره البعض بأنه صحيح وأن في غير ذلك الرأي كل التخلّف والجمود والسلفية؟
أو أنه صراع بين فكر مجموعتين أو ما يسميه البعض (الإصلاحيين والمحافظين)؟ أم يجب أن يكون
الهدف هو تكوين محصلة لآراء وأفكار ومناقشات من خلال لجان والاستماع إلى تلك الآراء والأفكار
بمختلف توجهاتها؟ فهل من المعقول أن تنقاد النُخَب من قِبَل مجموعات ليست لها أمكانيات فنية وأدبية
وإدارية؟ أليس من الاخلاق دراسة الدعوات إلى الإصلاح بما تستحق قبل الحكم على النتائج النهائية؟
كيف لنا أن نبدأ بجمع معلومات حقيقية عن الاسباب والمسببات التي تتطلّب البحث في الإصلاحات، أو
عقد ندوات أو جلسات نقاشية تضم مختلف الشرائح المعنية للخروج بمخرجات واقعية دون وضع
الإستنتاجات والإقتراحات في خدمة تلك الإصلاحات؟. أسئلة كثيرة تنتظر الاجابة عليها. فجميع الإيزيديين
مع الإصلاحات، ولكن يجب أختيار الأرضية السليمة التي تستند عليها تلك الإصلاحات. هذا هو الإصلاح
الذي يريده وينشده جميع الإيزيديين بمختلف توجهاتهم الفكرية.

الإصلاح في اللغةَ هو نقيض الإفساد (لسان العرب والصحاح)، ومفهوم هذا الاصطلاح هو مفهموم
فلسفي يمتلك دلالته الخاصة لكل شريحة من شرائح المجتمع. فما يسميه البعض إصلاحاً هو عند الآخرين
يعتبر تقهقراً، وآخرين يسمونه ثورة على الواقع، حيث لكل فئة رؤيتها في التعامل مع مفهوم المصطلح.
والاصطلاح قد يعني التغيير الإيجابي في مجموعة الاعراف والعادات والافكار والتقاليد السائدة التي لم
تعد تقاوم الواقع وتسايره. والإصلاح هو الإرادة الباحثة عن تقويم الإعوجاج وينشد معالجة الخلل في
قواعد النظام المجتمعي التي من شانها إعاقة التنمية والنهوض بالمجتمع من النواحي الاجتماعية
والاقتصادية والفكرية والسياسية. وهو بذلك عمل حضاري شامل ومستمر مع تطور المجتمعات، وهو ما
كتبنا عنه بشكل مفصل وعملي وحضاري ومهني في مناسبات عديدة. ولكي نقيّم عملية الإصلاح، فيجب
الوقوف عند الثوابت وتشخيص الحدود والمفاهيم بينها وبين المتغيرات، ومن ثم الفصل بينهما بشكل
واضح لكي لا يشوه أحدهما من الآخر، كما هو الحال مع الاختلاط الحاصل فيما بين السياسة والدين
وفصلهما عن البعض ليؤدي كل منهما دوره المنفصل. فمن واجب النخب التي تريد الإصلاح الحقيقي أن
تشخص بدقة ماهي تلك الثوابت (القيم والنصوص والقواعد والأسس الدينية)، وتمييزها عن المتغيرات
(العادات والتقاليد والاعراف )، لكي يتم التعامل مع كل فئة على ذلك الأساس، وبالتالي فإن ذلك سيسِّهل
كثيراً من قبول التغيير الإيجابي في أي مفصل تريده النخب، وسيسهل قبوله من المجتمع أيضاً. وحسب
قناعتنا فإنه فيما عدا ذلك سيؤدي إلى الأنهيار بدلاً من المعالجة. فمشكلة الشعب الإيزيدي الفاقد للقيادة الآن
هي أن الأفعال وردود الأفعال هي التي تقوده وليست الأفكار، وبذلك فإن أصحاب تلك الأفعال تعمل على
خلط الثوابت بالمتغيرات والإصرار على تركيع المجتمع بقبول الأمر الواقع، وبالتالي فإن المجتمع سيفقد
توازنه ولن يبقَ له أية أصالة يركن إليها. وحتى إن وجدت الأفكار بهدف الإصلاح، فإنها هي الاخرى
مشتتة بين اتجاهات مختلفة لا يجمعها قاسم مشترك بسبب المصلحة الذاتية والارتباط السياسي وعدم
الجلوس لمناقشة بعضها البعض بشكل حضاري. وإنما فإن كل فئة ترى في نفسها بأنها محور القضية
وأنها أحق من الأخرين في قيادة عملية الإفصلاح وتنظر إلى غيرها بنفس المتعالي، وبالتالي تُقسِّم
المجتمع إلى (محافظين وإصلاحيين) مع الأسف .وفي رأي المتواضع فإن الجميع إصلاحيون ولكن لكل
منهم طريقته وفهمه للواقع واصلاحه وبالتالي لا يجوز إستثناء أية جهة من المشاركة في مناقشة المشروع

الإصلاحي. بحيث يجلس الجميع (قد يطول النقاش على مدار سنة كاملة، لا يهم)، فالمهم ان يتناقشوا
بهدوء وان يتباحثوا في جذور المشاكل ثم يرتبوها حسب أولوياتها كدراسة أسباب ظاهرة الإنتحار التي
انتشرت كالسرطان في الجسد الإيزيدي قبل عدة سنوات من الآن؛ والوقوف على الوضع السياسي وتوحيد
خطابه، والسعي نحو تطويرالواقع الخدمي في مناطق الإيزيدية، وضع مخيمات النزوح ومشاكل العيش
فيها، بيان الموقف حول مسألة الهجرة والمهاجرين والشباب منهم بشكل خاص، قراءة الوضع القانوني
بمعرفة حقوقين وخبراء في الميدان لاسيما مايتعلق بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والنفقة والتبني،
والنظر الى توريث المرأة بعيون منصفة وحسم مسألة الزواج خارج الدين، وتثبيت نظام الإمارة وعلاقته
مع المجلس الروحاني وفق قواعد متفق عليها لإنهاء العشوائية والمزاجية والانتقائية والمصلحية السائدة
في أختيار الأمير، وتنظيم واردات لالش والسناجق، وتفعيل مسألة الفتاوى في الحالات التي تستوجب
ذلك، والعمل على آلية تفعيل لوبي إيزيدي فعّال في أوربا لإيصال معاناتهم للرأي العام العالمي، المطالبة
بمستحقات وممتلكات الإيزيدية في تركيا والعراق وسوريا وغيرها.
فنحن نعلم بأن الذي كان يجري في السابق لم يعد يتعايش مع الواقع الحالي بشكله الضيق، ونعلم كذلك
وجوب التفكير بما هو متماشي مع العصرنة مع الاتفاق على الإبقاء على الثوابت من القيم التي تزيد
وتعزز من رسوخ المجتمع وحيوية استمراره. كذلك نعلم جيداً بأنه لا وجود لأي مقدس خارج
التفكيرالإنساني من حيث النقاش وإبداء الرأي، وهو ما يتهمنا البعض بأننا ضد تلك الأفكار ومناقشتها
ويتهموننا زورا بالانغلاق والتشدد، وذلك عندما نطالب بالتغيير المنضبط. فليس كل تغيير هو إيجابي،
وليس كل تجديد يجب قبوله على علاته، وليس من المعقول أيضاً بأن تنقاد الصفوات من قبل أصحاب
الشهوات المغرضة وقبول كل ما يتمنونه لإفساد الحال على هواهم وشهواتهم، وإلا ما الفرق بين
الصفوات وغيرهم؟

إذن ما الذي يجب ان يتم فيه الاصلاح؟ :
الأديان جميعها عبارة عن قيم روحية تعنى بتنظيم حياة الانسان (ولا توجد ديانة خالية من التطرف، ولكن
عن أي تطرف يمكن أن نتحدث في العلاقة التي تربط الشعب الايزيدي ببعضه ؟). ففي فترات متتالية
تداخلت بعض المفاهيم والعادات والتقاليد بالتعليمات الدينية وترسخت بحيث أصبحت (في عرف المجتمع)
جزءاً من الدين، بل أقوى منه في فترات معينة. لذلك فمن الطبيعي أن يحصل فيها إصلاح، بل يجب أن
يحصل فيها إصلاح. أما أن ينسحب الإصلاح من تلك العادات على أصل المعتقد، فهذا هو الذي علينا
مقاومته وتجنب البحث فيه والتوقف عنده اوحتى الحديث عنه لكي لا تعامل الثوابت بنفس معيار ومعاملة
المتغيرات. وإذا كنا نقارن أنفسنا بغيرنا من الديانات من حيث الامكانات، فسنقع في خطا جسيم لأنه ليست
لنا قدرات ومؤهلات وبرامج مستقلة يمكن تطبيقها كما هو الحال مع شعوب الديانات الاخرى. فالآخرين
يمتلكون الجوامع والكنائس والمؤسسات والكتب والشرع والقضاء والمدارس والمناهج وما إلى غير ذلك.
أي أن مجموعة القيم والأعراف التي تحدثنا عنها بالنسبة لهم واضحة بضوابط محددة، ولكن هل نمتلك
نحن برامج التربية والمناهج الدراسية ودور العبادة والمدارس والاعلام والصحافة لكي نصحح كل شيء
في وقته وبما يلائم وضعنا، أو نقول لنتساير مع الواقع؟ الجواب كلا. لذلك علينا كشعب إيزيدي أن نبدأ
قدر الامكان بالاستفادة من امكانيات الشخصيات الثقافية والتنظيمات والجمعيات والاحزاب الإيزيدية لكي
تقوم هي بدور التوعية والتربية الاخلاقية والدينية، إضافة لما يتعلمه الانسان في المدرسة والشارع
والمجتمع ومن التعليمات الدينية.
فإننا اليوم نعيش في مجتمع مفتوح على كل الاحتمالات القيمية بشقيها السلبي والايجابي. وأن المجتمعات
المفتوحة فيها من المخاطر ما يجب الوقوف عليها وبخطوات منتظمة ومحسوبة بمستوى التحديات، وليس
الإصلاح الفوقي الذي يهدد بالانهيار في حال تطبيقه بدون دراسة معمقة من مختلف الجوانب النفسية
والاخلاقية والدينية والقانونية على مستوى القاعدة. فنعلم باليقين بأنه يجب إيجاد مساحة مشتركة فيما بين
الجيل الجديد الذي يتعامل مع الثقافة المفتوحة والشارع الأوربي بشكل خاص. أو من خلال التعامل مع
الثقافة الأوربية في وقت تتغيب عنه قيمه الدينية وثقافته الشرقية التي لم تعد تصمد أمام الكم الهائل من

مغريات العصر، وبين الجيل الذي لا يزال يعيش روحياً في الوطن بالرغم من وجوده المادي في أوربا.
فالحال في الواقع الايزيدي ليس بالسهل الذي نتوقعه وذلك لأن جميع معتنقيه يتعايشون في أو مع الوسط
الاسلامي والمسيحي، بما لهما من تأثيرات سلبية أو إيجابية وكذلك لصعوبة التعامل مع واقع يخلط بين
عدة توجهات وممارسات متناقضة: ذاتية وموضوعية في آنٍ معاً، سياسية ـ دينية، اجتماعية ـ عشائرية،
جهل ـ أمية، مصالح شخصية ـ مكانة اجتماعية، وغير ذلك. فالمؤسسة الدينية هي ليست بمستوى الوعي
التي يمكنها أن تدير شعباً يحمل كل هذه التناقضات. وفي ذات الوقت تكون ممثلة لديانة ومجتمع من هذا
الطراز. وهي بذلك أخلّت بالنظام العام وفتحت ( المؤسسة الدينية ) الباب أمام الداعين الى الاصلاح على
مصراعيه، لأنها لم تؤدِ واجباتها الأساسية، وكذلك ليست بمستوى الوعي المتطور مع الحداثة. وعليه،
فإنه لا يعني ذلك بأن الخلل في الدين وتعليماته لكي نأتي ونضرب أصل وأسس وقواعد الدين ونهدمه
بجريرة عدم وعي رجال الدين من الاميين، وإنما علينا كمتعلمين أن نفرق بين الإصلاح والهدم. وأن ننقذ
الواقع من هذا الخلل بإيجاد الوسيلة الصحيحة بدلا من أن نضرب الدين في أعماق أصوله. فالمجلس
الروحاني من جانبه أيضاً قد أحتكر لنفسه كل شيء، ولكنه هو الآخر لم يفعل ما مطلوب منه. وهو بذلك
جعل الشعب الايزيدي أسير هذه الزوابع التي تعصف به وتفسح المجال أمام الجميع للإدلاء بأحقية
المطالبة بتغيير الواقع الايزيدي نحو الافضل دون ان يقدموا الدليل أو الاقتراحات المطلوبة بهدف
الاصلاح. ولذلك نرى بان الإصلاح الحقيقي يمكن أن يشمل الفقرات التالية من جسم الكيان الايزيدي :

علي سيدو رشو
كتب هذا في المانيا في 22/3 /2019
– يتبع

RELATED ARTICLES

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular