الأسباب والخلفيات
الموضوع الذي نحن بصدده، ظاهرة حديثة العهد، فهي وليدة الإبادة الجماعية لايزيدية سنجار (شنكال) 2014. ويعتبر الفضاء الديمقراطي في الغرب، والتيكتوك أحد الوسائل التي تستخدمها هذه المجموعة في عملها.
كون ظهور “الجيل الرافض” حديث العهد، فان اجراء أية دراسة حوله وعليه، يحتاج الى التركيز والدقة في البحث عن أسباب ظهوره وعن خلفياته، ليسهل على الباحث الخروج باستنتاجات واقعية وبالتالي كيفية التعامل معه، ومعالجة آثاره السيئة والمدمرة.
أحاول كتابة هذه الدراسة بلغة بسيطة يفهمه القارئ دون عناء. لكن قبل الدخول في صلب الموضوع الذي يتعلق بالتعصب والتطرف الديني، أود الإشارة الى أقوال عدد من الحكماء والفلاسفة منهم (إبن رشد) يقول: “التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها التخلف، فإذا أردت أن تتحكم في جاهل فما عليك إلاّ أن تغلف كل باطل بغلاف ديني”.
كما ادعو القراء الى قراءة كتاب الفيلسوف الكندي (آلان دونو) صاحب كتاب “نظام التفاهة”، المترجم الى العديد من لغات العالم، منها العربية، حيث يقول: أن التفاهة بسطت سلطانها على كافة أرجاء العالم، والتافهون قد أمسكوا بمفاصل السلطة، ووضعوا أيديهم على مواقع القرار، وصار القول الفصل والكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بالخاص والعام. ويشرح كيف مدت التفاهة أذرع سيطرتها على الميادين: الأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، والتجارة والمالية، والإعلامية والفنية. ويخلص (دونو) الى أن قطب الرحى في سيطرة التافهين على كل مفاصل الحياة المعاصرة يبدأ وينتهي بالميادين الأكاديمية.
أما نحن فنقول، إذا كانت التفاهة قد غزت قوام المؤسسات التعليمية والبحثية كالجامعات وغيرها كأعمدة نهضة وتطور المجتمعات، فكيف بنا مع صغائر الأمور وحول كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟!
تولد الصدمات الاجتماعية الكبيرة، التي تتعرض لها المجتمعات، أزمات كثيرة وتقلب العديد من القيم. أمامنا تجربة الإبادة الجماعية (الفرمان) التي تعرض أهلنا في سنجار (شنكال) في الثالث من شهر آب 2014 على يد عصابات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصاراً بـ (داااعش). فان الجيل الجديد الذي نشأ بعد هذه الكارثة والجريمة الكبرى، قد شهدوا، أو سمعوا عنها من أهلهم الفضائح من (القتل، السبي، التهجير الجماعي). هذه الفضائح زرعت فيهم (فقدان الثقة) بالمجتمع الأكبر، والأنظمة السياسية، والقيادة الايزيدية، والمسؤولين ورؤساء عشائرهم، وأحيانًا فقدان الثقة بهويتهم الايزيدية التقليدية.
ان هذه الهزة الاجتماعية الرهيبة (الإبادة الجماعية/الفرمان) ولّدت (صدمة نفسية) للعائلة والمجتمع بأسره، مما جعلهم يتعاملون مع العالم الذي حولهم بمنطق الرفض المسبق خوفًا من خيانة أخرى. وجاء نزوح أكثر من 350 ثلاثمائة وخمسون ألفاً من الايزيديين أرضهم وسكناهم الى مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ليؤدي الى تهديم الكثير من قيم المجتمع، وهنا يشعر الايزيديون أنهم مهمشين سياسياً واجتماعياً، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلدانهم. فلا فرص عمل، ولا تعليم بالمستوى المطلوب، فرأى الجيل الجديد أن الوعود لا تتحقق وأن الأصوات الإيزيدية غير ذي بال، وهنالك تمييز ضدهم، مما ولَّد لديهم الإحباط، وبدأ موجة الهجرة للخارج كمنفذ للهروب من الواقع المأساوي. وكل هذا جعل الجيل الجديد يعيش في الـ (لا معنى)، وغياب الأمل، والدفع به إلى الرفض والتمرد.
السؤال الملفت للانتباه هو: لماذا الجيل الجديد يتعكز على الثوابت، ويرفض التجديد والانفتاح؟ أو صياغة السؤال بشكل آخر: لماذا بعض الشباب بدل أن ينضموا للمصلحين، يشنون حملات التشهير والشتم والافتراء ضدهم؟
طبعاً هنالك أسباب عديدة نفسية واجتماعية وسياسية وراء هذا السلوك، لكننا نشير بعُجالة إلى البعض منها، إذ يمكن من الناحية النفسية فهم ذلك ووضعه في خانة (الخوف من الذوبان والانقراض)، فبعد الإبادة الجماعية 2014، صار الشعور العام أن الهوية الإيزيدية مهددة بالزوال. فشعر الشباب وغيرهم، أن أي تغيير في الدين، العادات، أو القيم، قد يؤدي إلى فقدانهم ما تبقى من خصوصيتهم. ومما زاد في الطين بله، هو أن العيش في المخيمات والبيئات المنعزلة التي عاشوا فيها بعد 2014 عمقت الشعور لديهم بضرورة “التحصن” وراء كل ما هو تقليدي. والاعتقاد بالقول: “لو تركنا عاداتنا، سننقرض!”. قياساً على هذا الشعور، ونتيجة الفقدان والألم، فقد تحولت حتى التقاليد إلى خطوط حمراء مقدسة، وصار التمسك بالثوابت نوع من العزاء والثبات وسط عالم متغير ومؤلم. كما يمكن فهم هذا الرفض من قبل البعض، حيث لا توجد لهم أمثلة حيّة فيما سبق عن “تغيير آمن” أو “تحديث يحفظ الجوهر”. بالتالي، يرون كل محاولة تغيير كأنها خيانة أو تفريط بهويتهم. وفي مجتمعات صغيرة (خاصة الإيزيدية بعد الكارثة)، هناك الخوف الشديد من “كلام الناس”. فالذي/أو الذين، يحاول/يحاولون التجديد قد يتعرضون للنبذ أو الإهانة.
ثانياً/الشعور بالتهديد الداخلي:
كل مصلح أو ناشط يحاول التغيير، يُذكّرهم ضمنيًا بأن وضعهم الحالي “ناقص” أو “مهدد”، وهذا يولد لديهم ما يمكن تسميته “الدفاعية العدوانية”، وبدل أن يراجعوا أنفسهم، يهاجمون بعنف من يزعجهم، مثلهم كمثل شخص يدخل عرين الأسد!.
ثالثاً/أزمة القيادة:
فوق كل ذلك، يفترض بنا أن لا ننسى أزمة القيادة داخل المجتمع الايزيدي من جهة، ومستوى الفراغ الفكري لدى المثقف الايزيدي، عشية وما بعد الإبادة الجماعية، فكلاهما لم يستطيعا تقديم خطة تحديث مقبولة، وبذلك ترك الشباب فريسة للتناقضات، يريدون حماية هويتهم، لكنهم يخافون من كل جديد.
رابعاً/الغيرة والحقد القاتل:
يشعر البعض بالغيرة من الناشطين الذين نجحوا في الظهور أو في التأثير. ولأنهم لا يستطيعون منافستهم إيجابيًا، يلجأون إلى تشويههم.
خامساً/التفكير القَبَلي:
في المجتمعات التقليدية العشائرية، كمجتمعنا، فان كل مَنْ “يخرج عن السرب” يُعتبر خطرًا على الجماعة كلها. بالتالي، يعتقدون أن واجبهم “الأخلاقي” أن يشوهوه حتى يحافظوا على وحدة المجموعة!
سادساً/البطالة والفراغ الذهني:
كثير من الناس أُميون، لم يتجاوزوا مرحلة الابتدائية، يعيشون بلا هدف، بلا عمل، بلا مشروع حياة. فيصبح الهجوم والتشهير وسيلة لتعويض هذا الفراغ عبر إثبات “قيمة ذاتية زائفة” عبر الهجوم على المصلحين والرموز الثقافية.
سابعاُ/ثقافة المؤامرة:
بسبب التاريخ الطويل من الاضطهاد، هناك ميل لتفسير كل جديد كـ”مؤامرة”. أي ناشط أو مصلح يُتهم فورًا بأنه عميل أو خائن أو يسعى لمصالح خفية!
ان مشروعنا “مشروع اصلاح واقع المجتمع الايزيدي” الذي طرحناه كهيئة تحضيرية قبل أكثر من سنة، ونعمل بكل طاقاتنا ايصاله الى مؤتمر أيلول 2025، هو لسد ذلك الفراغ الفكري، وتقويم القيادة ونقلها من العشوائية والعمل الفردي الى التنظيم والمؤسساتية، ووضع المجتمع على سكة الأمن والاستقرار والتقدم، وإعادة الثقة لجيلنا الشبابي الجديد، والحفاظ على هويته.
ندرك جيداً أن هؤلاء الشباب لا يرفضون التغيير، بل أنهم من الناحية النفسية خائفون من أن التغيير يساوي نهاية وجودهم كإيزيديين. التمسك بالثوابت صار غريزة بقاء وليس عنادًا فكريًا فقط. لذلك، نقولها بكل أسف، أن قسم من هؤلاء وتحت يافطة الغطاء الديني، يقوم بالتشهير والشتم ونسج الافتراءات ونشر الأكاذيب والتحريض ضد كل من يحاول، أو يقوم بتقديم خدمة لمجتمعه! معتمدين على السمع والنقل الشفهي للخبر، ومن دون البصر في قراءة برنامج ونظام داخلي الطرف الداعي للإصلاح.
نحن في الوقت الذي نقدر قلق كل حريص على هويته، نوضح أيضاً أن التغيير ليس تهديدًا للهوية الإيزيدية، بل هو طريقة لحماية الهوية وبقائها، على سبيل المثال لا الحصر، أن نشر الثقافة، تدوين التاريخ، بناء المؤسسات، تحديث التعليم، وغيرها هي أدوات دفاع متقدمة عن الإيزيدية، وليست تخليًا عنها. نحن مع “حماية الأصل وتطوير الوسيلة”.
أقولها:
* حين لا يملك الإنسان الضعيف مشروعًا خاصًا به، يحوّل كل من يحمل مشروعًا ناجحًا إلى “عدو” يتوجب تدميره لكي لا يشعر بالنقص أمامه.
* أكبر مضيعة للوقت والطاقة هو الجدال مع الحاقد المتعصب الذي لا يهتم بالحقيقة، أو المنطق، ولكن همه فقط الانتصار لأوهامه مهما كانت بعيدة عن الواقع!
* لا تضيع طاقتك في المناقشات التي لا معنى لها. هناك اشخاص رغم كل الأدلة المقدمة لهم، ليس لديهم القدرة على الفهم والاستيعاب! أشخاص أعماهم الجهل والأنا والكراهية، والشيء الوحيد الذي يريدونه هو أن يكونوا على حق حتى لو لم يكونوا كذلك.
*أقولها بألم، أن الجيل الرافض ظاهرة شنكاليه بحتة أشبهها بمدخنة نار قاعدتها في سنجار تحترق، وفوهة انفجارها في المانيا! لن يهدأ هذا الانفجار البشري إلاّ بعودة الاستقرار والأمن لسنجار، وعودة النازحين وتعويض الضحايا، وتوفير العمل للجميع، وفتح المعاهد والجامعات، وتوفير الخدمات الحياتية…
* الجيل الرافض، جيل عاطفي سمعي لا يقرأ، وإذا قرأ لا يفهم، أو لا يريد أن يفهم!
* لدي شيء من الأمل والثقة، أن الكثيرين من “الجيل الرافض” ستهدأ ثورتهم الداخلية، وسيراجعون أنفسهم، وسيندمون على تهورهم غير المدروس، وإن لم يقروا بها علناً، في إثارة الشارع ضد مشروع إصلاحي هو في الأساس لصالحهم وصالح الأجيال الايزيدية المقبلة كما أكدت عليها اللجنة التحضيرية للمؤتمر في برنامجها، واجتماعاتها في أكثر من مرة.
• روتنبورغ في 3 أيار 2025

