“المتغطي بأمريكا عُريان: تفكيك استراتيجية الهيمنة الأمريكية في كردستان ومأزق الأقليات العراقية”:د. سعيد بير مراد

الملخص:

تُعيد هذه الدراسة قراءة العلاقة بين حكومة إقليم كردستان العراق والولايات المتحدة من منظور نقدي يجمع بين التحليل السياسي، والشهادات الصحفية الاستقصائية، والوثائق المسربة، مع التركيز على تداعيات هذه العلاقة على الأقليات الإثنية والدينية في العراق وسوريا. عبر تتبّع النماذج التاريخية لتخلي واشنطن عن شركائها الأكراد، تستعرض الورقة كيف ساهمت السياسة الأمريكية—بوعي أو بدون وعي—في إضعاف الهياكل الاجتماعية والسياسية المحلية، وتغذية قوى متطرفة كأدوات جيوسياسية. وتخلص إلى أن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يُبنى على تحالفات خارجية هشّة، بل على أساس الوحدة الدستورية العراقية.

1. مقدمة: بين السراب الأمريكي والتاريخ المأزوم

في مقولة مأثورة للرئيس المصري الراحل حسني مبارك، قال: “اللي يتغطي بأمريكا عُريان”، وهي مقولة تختصر طبيعة العلاقة المصلحية التي تنسجها الولايات المتحدة مع حلفائها المحليين. تشكل هذه المقولة مدخلًا لفهم التحالف الكردي-الأمريكي، الذي وُصف مرارًا بأنه تحالف الضرورة، لا الشراكة الاستراتيجية. ففي ضوء التبدلات الإقليمية، تتعرض حكومة إقليم كردستان لضغط متزايد لإعادة تقييم رهاناتها الدولية.

2. السياسة الأمريكية في كردستان: من التوظيف إلى التخلي

2.1 خيانة اتفاق الجزائر 1975

استُخدمت التطلعات الكردية كأداة ضغط على بغداد في سياق الحرب الباردة. وقد أوردت تقارير لجنة الكنغرس المعروفة باسم Pike Committee Report أن الدعم الأمريكي للأكراد في السبعينيات كان جزءًا من صفقة ثلاثية ضمت الشاه الإيراني ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ثم تخلت عنهم فور توقيع اتفاق الجزائر بين العراق وإيران.

2.2 ما بعد 1991: المنطقة الآمنة والاعتماد الأحادي

أنشأت واشنطن “المنطقة الآمنة” بعد حرب الخليج 1991، لكنها امتنعت عن حماية الأكراد من الاجتياح التركي اللاحق، ما كشف حدود التزامها الأخلاقي. الباحث David Romano، في كتابه The Kurdish Nationalist Movement, يؤكد أن “الولايات المتحدة لا ترى الأكراد كحلفاء دائمين بل أدوات تكتيكية”.

3. الملف السوري: الأكراد بين مطرقة الإرهاب وسندان واشنطن

3.1 التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية (SDF)

أظهرت الأزمة السورية ازدواجية واشنطن. دعمت الإدارة الأمريكية قوات SDF في قتال داعش، لكنها تخلّت عنهم في 2019 حين سمحت لتركيا بتنفيذ عملية “نبع السلام”، كما اعترف بذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفق Nafeez Ahmed، فإن الانسحاب الأمريكي “كشَف الأكراد لعدوان ممنهج، كان يمكن تفاديه لو لم تُبنِ الاستراتيجية الأمريكية على أولويات جيوسياسية عابرة”.

3.2 علاقة واشنطن بالفصائل المتطرفة

نشرت صحيفة The Independent تحقيقاً يستند إلى وثائق مسربة تظهر أن الدعم الأمريكي لبعض فصائل المعارضة السورية—ومنها فصائل مرتبطة بأحمد الجربا—أدى إلى تقويض قوى محلية معتدلة، وشجّع على تلاعب استخباراتي بالغ الخطورة، برّرته واشنطن كجزء من سياسة “احتواء النفوذ الإيراني”.

4. الأقليات كوقود للهندسة الإقليمية

4.1 المسيحيون والمندائيون: الانقراض المُمنهج

وفق Minority Rights Group International، تقلص عدد المسيحيين في العراق من 1.5 مليون عام 2003 إلى أقل من 200 ألف اليوم. وتربط دراسة لـ Human Rights Watch هذا التراجع بأعمال عنف نفذتها جماعات تعمل في فراغ أمني خلّفه الغزو الأمريكي، وسط تغاضٍ غربي عن دور حلفائهم المحليين.

4.2 الإيزيديون وسيناريو الإبادة

إبادة الإيزيديين على يد داعش في سنجار عام 2014 تُعد نموذجاً صارخاً. تقرير للأمم المتحدة (2016) أكد أن انسحاب القوات الكردية من سنجار قبل اجتياح داعش أثار تساؤلات حول التنسيق الأمني مع التحالف الدولي. كما أشار Ahmed في تقريره بمجلة Middle East Eye إلى “تناقض في الأولويات الغربية، حيث سُمح للدواعش بالتحرك رغم معلومات استخباراتية مسبقة عن نواياهم”.

5. البُعد الاستخباراتي: خلق الوحش الجهادي؟

صحفيون استقصائيون مثل Nafeez Ahmed وSeymour Hersh أشاروا إلى أن بعض شبكات الجهاد المعاصر تم استخدامها ضمن “سياسة الفوضى الخلاقة”. وفق تقارير RAND Corporation وBrookings Institution، طُرحت استراتيجيات لدعم مجموعات سنية متطرفة كـ”كابح للنفوذ الشيعي”، وهي سياسة ارتدت على الأقليات وجعلت من كردستان ملعباً أمنياً هشّاً.

6. نحو استراتيجية كردية واقعية: المصالحة مع بغداد

رغم الخلافات التاريخية، تُعد بغداد الخيار الأكثر استقراراً للإقليم. الاتفاقات حول صادرات النفط (2023–2024) وإعادة نشر قوات اتحادية في كركوك ومناطق النزاع تشير إلى بداية تفاهم قد يحصّن كردستان من الابتزاز الخارجي. يوصي تقرير International Crisis Group بتطوير شراكة إدارية واقتصادية بين الإقليم والمركز لضمان أمن الأقليات وتعزيز الحكم الرشيد.

7. خاتمة: المصلحة الكردية بين الواقع والخرافة

تعيد هذه الدراسة التأكيد على أن التحالف مع واشنطن لم يكن يوماً مشروعًا وطنيًا كرديًا بل ضرورة تكتيكية. التجارب التاريخية، من اتفاق الجزائر إلى الانسحاب من شمال سوريا، تُظهر أن المظلة الأمريكية كانت في أفضل حالاتها مظلة متشققة. لذا فإن خيار “العودة إلى بغداد” لا ينبغي أن يُنظر إليه كتراجع، بل كخطوة استراتيجية لخلق استقرار إقليمي داخلي أكثر صلابة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت