Homeاراء" المسيحيون والإيزيديون ... بينهم خيط لا ينقطع " : سفيان شيخ...

” المسيحيون والإيزيديون … بينهم خيط لا ينقطع ” : سفيان شيخ ميرزا

في شمال بلاد الرافدين، حيث تحفظ الجبال ظلَّ الذاكرة، وتبقى الحجارة شاهدةً على من مرّ، عاش الإيزيديون والمسيحيون في تماسٍ يومي، لم يكن هشًّا ولا عابرًا، بل امتدادًا لهوية واحدة تفرّعت دون أن تتخاصم.

لا يقولونها دائمًا بصوتٍ عالٍ، لكنهم يعرفونها في العمق:
“بيننا وبينهم خيط رفيع أو شعرة … لا يُقطع.”
خيط يظهر في تفاصيل الحياة اليومية:
في المجالس، تبادل التهاني، احترام الخصوصيات، ودفء الأسماء: ابن عم، مام، خال، جارنا الأول، أهل بيتنا.
هذا ليس مجرد أدب، بل اختزال لآلاف السنين من الجوار والمصير الواحد.

المسيحيون والإيزيديون لم يلتقوا صدفة.
لقد خرجوا من رحم حضارة واحدة.
سكنوا الأرض ذاتها، نظروا إلى الشمس ذاتها، وقدّسوا رموزًا لا تزال حيّة حتى اليوم:
الشموع، النار، الديك، قمم الجبال، نور الفجر، البيض، والألوان البيضاء والصفراء.

هذه ليست رموزًا فلكلورية، بل شيفرة حضارية يدركها الطرفان بعمق. الإيزيدي يعرف معنى رمز الديك على الكنيسة، والمسيحي يفهم قدسية ” الشمس في لالش” لدى جاره. يتفاهمان دون شرح، لأن ذاكرتهما واحدة، وإن اختلفت الديانات.

هل اندمجا بالكامل؟ كلا.
ولم يحتاجا لذلك.
لم يحاول أحد محو الآخر.
بقي كلٌّ كما هو، لأن ما يربطهما أعمق من الشكل، وأقوى من الشعارات.
خيط مرن، لكنه غير قابل للقطع.

عاشوا النكبات ذاتها، وواجهوا الرياح ذاتها، لكنهم حافظوا على هذا الخيط، كأنه شاهدٌ على التاريخ والأصل.
في زمن النزاعات، لم يتقاتلوا.
في زمن الفقر، تقاسموا الخبز.
وفي زمن الغربة، تشاركوا الحنين.

كأن الطرفين أدركا أن هذا الخيط، بقدر ما هو هشّ، بقدر ما هو ثمين. هو الذي يجعل كل مكون يرى الآخر بعيون القلب، لا بعين الدعوة.

المسيحية، بما فيها من انفتاح وتبشير، فتحت أبوابها مرارًا للإيزيديين، معتبرةً ذلك خطوة مرحّب بها.
لكن الإيزيدي، المتشبث بدينه كما بأرضه، رفض بلطف، مؤمنًا أن من لا يخدم دينه عن قناعة، لن يخدم غيره بإخلاص.
فبقي كلٌّ على دينه، دون ضغط أو مرارة أو انقسام.

تجربتهم فريدة.
ينادي أحدهم الآخر بـ ابن العم أو مام.
لا يتحدثون عن كرافة دم، لأنهم يؤمنون أن الدم واحد، وأن الاحترام أعمق من الخلاف.

هنا في الصورة المرفقة، مثال حي لتجتمع عائلتي مع عائلة أستاذي وصديقي العزيز مسعود صنا، عائلة عريقة من القوش، كانت دومًا مثالًا لهذا الخيط الجميل بيننا.
وجودهم معنا في ذكرى كريمته الراحلة، دون تكلف أو مجاملة، هو الدليل الحي على عمق هذا الرابط.
نحن لا نعيش جوار بعض، بل نحمل من بعض، ونعرف أن ما يجمعنا لا يصنعه الزمن، بل تصنعه الذاكرة، والحكمة، والوفاء.

هذا الخيط هو شاهدنا.
هو ما يؤكد أننا لم نأتِ من خارج هذه الأرض، بل نحن الأصل فيها.
من أور إلى بابل إلى آشور إلى لالش،
من نينوى إلى كنائس القوش،
من الشمس إلى النار،
نحن امتداد لحضارة واحدة، تعلّمت أن تكون مختلفة دون أن تتخاصم.

بين المسيحيين والإيزيديين خيط رفيع…
لا تراه العين، لكن يحسّه القلب،
ويُعرف في الكلام، والسلوك، والمجالسة.
خيطٌ لو قُطع، لانطفأ شيءٌ من نور هذه الأرض.

لكنه لم يُقطع.
ولن يُقطع.

23.Mai.2025

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular