بداية ومن مشهد يحبس له النفس تداولت في مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات عن جولة الطاووس في مجمع كرزرك المنسي، ذلك المجمع الذي سجل أبنائه أروع ملاحم البطولة والتضحية ضد ازلام دولة الخلافة الزائلة ، وهو من اكثر المجمعات المنسية في عموم شنكال .
مشهد استقبال الطاووس من قبل ابناء المجمع في خيمة ، بعد ان تم هدم ديوان احد وجوه ابناء كرزرك يعد انتصاراً وإصرارا على البقاء .
كما ان عودة جولة الطاووس وجوقة القوالين إلى شنكال عموما يعد امراً ايجابياً ، وأملاً بعودة الحياة في مختلف الجوانب .
يقول اندريه كونت سبونفيل في كتابه ( روح الالحاد )
” إذا التقيت بأحدهم يقول رأي وقناعتي هي أن الله غير موجود ، فهو أحمق قبل أن يكون ملحدا ، فالحقيقة أننا لا نعلم ”
ويضيف على سبيل النقيض منه ” نفس الشيء إذا التقيت باحدهم يقول ان الله موجود فهو احمق له إيمان لاننا في الحقيقة لا نعلم بذلك ايضا ”
الهدف من اقتباسي لقول سبونفيل أننا وبحجة شكوكنا في الدين نحاول ان نهدم جميع القيم التي تربينا عليها ، وهو الخطر الذي سيليه زوالنا لا محال .
على سبيل المثال وكرأي شخصي أن جولة الطاووس بين الايزيديين ومنذ مئات السنين كانت من الأسباب الرئيسية لدافع التمسك بالهوية الايزيدية ، والأطفال على وجه الخصوص هم من اكثر الفئات التي تعلمت قيم الهوية الايزيدية من خلال جولات الطاووس ، كونهم كانوا ولا يزالوا محرومين من مدارس خاصة بتعليم القيم الدينية والدنيوية للايزيديين على مساحات شاسعة من جغرافيا تواجد الايزيديين .
ومن جانب آخر وكرأي شخصي ايضا جولات الطاووس ومراسيمها تعد من أنقى المراسيم الدينية للايزيديين والتي تخلو من المظاهر الدنيوية التي نراها ونعيشها في الأعياد والمناسبات الدينية للايزيديين .
ومن هذا المنطلق ارى من الخطأ ان تعلو الصيحات بمقاطعة إعطاء جوقة القوالين المبالغ المادية خلال تقبيل الطاووس ، وشرب الماء من ال ” شربك” واستلام ال ” برات” ،
فهي تعتبر حصة عادلة لهم وهم يحافظون على هذا الإرث الغني للايزيديين .
على الرغم من عدم توافقي مع المحاصصة في الدين الايزيدي ومذلك استئجار المزارات وامور كثيرة تشوبها الشوائب ، إلا انني هنا وفي بلد أوربي على غرار الآلاف من الايزيديين نحلم وننتظر ان تكون في يوم من الايام هنالك جولات وطقوس مشابهة كالتي نراها في شنكال لأول مرة بعد اكثر من عشر سنوات ، وكذلك في تركيا وسوريا وجورجيا وأرمينيا وأستراليا … الخ
حتى لا يحرم أطفالنا وهم بعشرات الآلاف من مثل هذا الطقوس المهمة .
في دولة عظيمة مثل المانيا هناك فرض على جميع الموظفين والعاملين المسيحيين وهي ضريبة الكنائس سواء مؤمن بها او غير مؤمن ، فالجميع يدفعون الضريبة للكنيسة من قوت عملهم ، حتى ان بعض الموظفين من ذوي الدخل العالي يصل المبلغ الضريبي الشهري إلى اكثر من مئتي يورو شهريا ، وكذلك الحال بالنسبة لجوامع المسلمين والتي تطرز بمواد ثمينة تصل إلى ملايين اليوروهات ، كل ذلك من اجل ان تحافظ الشعوب على هوياتها ، لا ان تقتل تلك الهوية وهي لا تزال تعاني من مخلفات الابادة كالهوية الايزيدية
.
اغلب الذين يعطون تلك المبالغ الرمزية لجوقة القوالين هدفهم هو استمرار تلك الجولات ، لانهم وإنصافا ببقية المكونات الأخرى لا يحصلون على بديل مادي مناسب .
وان كان هناك سائل يسأل وهل تقارننا بالمسيحيين مثلا ، ورجال ديننا برجال الدين المسيحيين ؟
سوف اجيب هنا في الختام على مسالة مهمة جدا مقارنة بين رجال الدين الايزيديين وبعض رجال الدين المسيحيين ومنهم في اوربا، ان التاريخان يسجل تطاول رجل دين ايزيدي على طفل جنسيا ، وهذه تحسب نقطةايجابية ومهمة . اما اين تذهب تلك المبالغ وكيف يتقاسمونها فالهدف عند إعطاء المبلغ لم يكن يوما من الايام هنا ، بل كان ولا يزال استمرار جولات الطاووس بين الايزيديين .
لنفترض ان الجميع اتفقوا على تشكيل لجنة لجمع هذه المبالغ لسد رمق الفقراء ، وبعد ذلك لم تتم جولات الطاووس في شنكال ، والفقراء اتهموا اللجنة بسرقة الأموال فمن هو الخاسر هنا ؟

