في خضم التحديات المتفاقمة التي يواجهها المجتمع الإيزيدي، لا سيما في سياقات الهجرة والشتات، تبرز الحاجة إلى مرجعية موحدة، دينية ومدنية، لا بوصفها خياراً تنظيمياً فحسب، بل كضرورة وجودية واستراتيجية، فهل يختلف اثنان على أهمية بناء هذه المرجعية؟ الجواب يكاد يكون بديهياً في ظل ما يشهده الواقع الإيزيدي من تشتت في الخطاب، وتضارب في الرؤى، وضعف في التأثير على دوائر صنع القرار الدولي والوطني على حد سواء.
إن غياب مرجعية شاملة وفاعلة يُعد أحد أبرز المعوقات البنيوية التي تعترض سبيل النهوض الإيزيدي المعاصر، وخصوصاً في المجتمعات الأوروبية التي فتحت أبوابها للناجين من الإبادة الجماعية الأخيرة، دون أن تُفتح معها أبواب التمثيل المؤسسي الحقيقي، وهذا الغياب لا يعكس فقط أزمة في التنظيم، بل يعكس، بعمق، غياب بوصلة فكرية واجتماعية توجه الطاقات نحو هدف مشترك.
وتستلزم الضرورة التاريخية اليوم تأسيس مؤسسة إيزيدية ذات طابع تركيبي: تجمع بين الرمزية الإيزيدية التي تشكل روح المجتمع وذاكرته، وبين التمثيل المدني-الثقافي الذي يحاكي الواقع المؤسساتي للأنظمة الديمقراطية الحديثة، وهذه المؤسسة لا يجب أن تكون صوتاً خطابياً فقط، بل بنية منهجية تُمارس الاجتهاد الفكري، وتؤطر الخطاب العام، وتضبطه بمعايير عقلانية متزنة تستمد شرعيتها من قيم الإيزيديين الإجتماعية والثقافية والأخلاقية، وليس من الولاءات الضيقة أو الاعتبارات الظرفية.
كون النظرية البنائية في علم الاجتماع، كما طرحها بيتر (برغر وتوماس لوكمان) توضح على أن “الواقع الاجتماعي يُبنى من خلال الفعل التفسيري للجماعة”، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه الحالة الإيزيدية الراهنة، حيث غياب المشترك الرمزي والبنيوي الذي يصوغ الوعي الجمعي ويوجه التفاعل العام نحو أهداف جامعة، ومن هنا، يصبح مشروع المجلس الإيزيدي في المهجر ليس مجرد هيكل تنظيمي، بل فعلاً تأسيسياً لإعادة بناء المعنى الجماعي وتوجيهه نحو العدالة، والكرامة، والاعتراف الدولي بالإبادة الجماعية.
ولعلّ أبرز ما ينبغي على هذه المرجعية أن تفعله هو بلورة خطاب عقلاني ومتزن أمام المحافل الدولية، يعبّر عن تطلعات الإيزيديين في العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الإبادات مستقبلًا، كما ينبغي عليها أن تكون ذات رؤية استشرافية، تتجاوز إدارة الأزمات إلى إنتاج تصورات استراتيجية حول الهوية الدينية للإيزيديين، والمواطنة، والاندماج دون الذوبان.
إن مهمة كهذه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تأسست هذه المرجعية على قاعدة مؤسساتية تشاركية، تحسن قراءة الواقع وتحويل الذاكرة الجمعية من حالة التألم (البكاء على الأطلال) إلى فضاءٍ للتنظيم والتحرك الواعي، وكما يقول (بيير بورديو) فإن “السلطة الرمزية هي التي تُصاغ في الحقول الاجتماعية باعتبارها شرعية لا تُناقَش”، عليهِ، يجب أن تنبثق هذهِ الشرعية من القاعدة المجتمعية، وتُبنى بتوافق نسبي أخلاقي عميق.
في المحصلة، ليست المرجعية الإيزيدية الموحدة مطلباً نخبوياً، بل ضرورة تمليها اللحظة التاريخية، لأنها التعبير الأرقى عن إرادة البقاء، والانتقال من الهامش إلى مركز الفعل، ومن الندب إلى المبادرة، ومن الشتات إلى البنية.

