في زمن الاغتراب الذي يعيشه الأيزيديون ما بعد الإبادة، لا ينهض الفعل الإصلاحي الحقيقي من رحم التوصيات الخارجية أو التبعية المعيارية، بل من القدرة الجمعية على إنتاج المعنى من الداخل، عبر استنهاض أدوات الحوار العقلاني كآلية لتفكيك الاحتقان البنيوي، لأن الحوار الإيزيدي – الإيزيدي، في جوهره، ليس فعلاً متداولاً عابراً، بل ممارسة تفكيكية وإعادة تأويل لمفهوم “الذات الجماعية” ضمن فضاء ما بعد الصدمة.
وتكمن أهمية هذا الحوار في أنه يُفعّل إمكانات العقل الجمعي لإعادة موضعة الإرادة المجتمعية خارج فخاخ الولاءات العشائرية، المناطقية، السياسية والفكرية أو الاصطفاف الدوغمائية، ويعمل كأداة انبثاقية لـ(تفكيك البنى المتخشبة) التي لا تزال تحكم مفاصل القرار الإيزيدي، فالمجتمع الذي لا يُنتج آلياته التأويلية داخلياً، يظل رهينَ التبعية التأويلية الخارجية، ويفقد القدرة على الفعل السيادي في تمثيل قضاياه الآنية والمصيرية.
إن تشتت الأيزيديين لا يُختزل في الجغرافيا ولا في الشتات فحسب، بل هو تشتت أنطولوجي في مفهوم الانتماء ذاته، حيث تشظّت السرديات الجامعة، وتضخّمت ال(انا) السياسية والدينية على حساب الكلّ المشترك، ومن هنا فإن مسؤولية هذا التشتت لا تُلقى فقط على عاتق المؤسسات أو النخب، بل تمتدّ إلى القاعدة الاجتماعية التي تعاني من ضمور في (القدرة التأويلية)، أي في وعيها بدورها كفاعل جمعي لا كمفعول به دائماً.
وفي هذا السياق، فإنّ معوّقات نجاح الحوار تكمن في تراكم (الرأسمال الرمزي الزائف) لدى بعض الأطراف التي تتوهم امتلاك الحقيقة أو احتكار التمثيل، ولأن إحتكار الخطاب يفضي إلى نفي الآخر، ويحوّل الحوار من أداة لإنتاج التفاهم إلى آلية للصراع التقليدي، لذلك فإن تجاوز هذه العوائق يستلزم إرساء نموذج تداولي مفتوح، يتجاوز منطق “التصديق الصامت” نحو “الاعتراف المتبادل” كما وصفه (أكسل هونيث)، أي الاعتراف بالآخر بوصفه شريكاً مكافئاً لا خصماً مُحتملاً.
أما عن شروط نجاح هذا المسار الحواري، فهي تبدأ بإعادة بناء (العقد الرمزي) بين الرؤى الإيزيدية المختلفة، بحيث يُعاد تأطير النقاش ضمن منظومة لا تبحث عن الغلبة، بل عن (التمفصل العقلاني) بين الرؤى، بما يؤسس لـ(حق الاختلاف دون خوف من التفكك)، وهذا المسار لا يطلب محو التعدد، بل إخضاعه لقيم تشاركية تمنح التعدد وظيفة بنائية لا تفجيرية.
وإن نضج (البصيرة) لا يأتي من تشابه المواقف، بل من وعي نقدي بالاختلاف، يُعاد فيه تعريف الهوية بوصفها مشروعاً حيّاً لا جوهراً موروثاً، ومن هنا، يصبح الحوار الإيزيدي – الإيزيدي ليس فقط ضرورة ظرفية، بل لحظة فلسفية تحمل حلولا لتؤسّس التحوّل المطلوب في بنية التفكير، من بنية الانفعال الجمعي إلى بنية الفعل العقلاني.
فكل مشروع يتجاوز هذه اللحظة دون أن يلتفت إلى التصدعات المعرفية والرمزية التي يعانيها الجسد الإيزيدي، إنما يؤجل المأساة، ويُعيد إنتاجها بأدوات جديدة، ووحده الحوار، بوصفه أفقاً مفتوحاً للمعنى، وقادر على إخراج المجتمع من شرنقة المظلومية إلى رحابة الفعل السيادي.
واستناداً إلى ما تقدّم، فإنّ نجاح أي مسار حواري لا يتحقّق إلا حين يُبنى على مبدأ التوافق الجمعي، واحترام التعدّد في الرؤى، لا على مقياس رؤية أحادية أو فردية تُفرض باعتبارها معياراً نهائياً للحقيقة.
إصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي توازن الحوار، لتجاوز الانكسار ح 21 : دلشاد نعمان فرحان

