في الذكرى الحادية عشر للإبادة الجماعية للمكون الايزيدي في سنجار : أم شهداء الإبادة داي شمي اصبحت أيقونة الصبر والتحدي:ب. د. خالد محمود خدر

في فجر يوم الثالث من آب 2014 وقع قضاء سنجار بالكامل تحت قبضة تنظيم داعش الإرهابي، الذي سرعان ما فرض قوانينه المتطرفة على الفور، مستهدفا إبادة أبناء المكوّن الإيزيدي في القضاء ، البالغ عددهم نحو 400 ألف نسمة.

بدأ الدواعش بمذابح جماعية ، ففي أول يومين فقط من اجتياح القضاء، قُتل وذُبح الآلاف من الرجال على الهوية الدينية، وهم في منازلهم او في طريقهم فارين إلى المجهول عبر طرقات المدينة أو المجمعات السكنية أو الدروب الترابية المودية إلى جبلهم ، أما النساء والفتيات، فكان مصير أكثر من خمسة آلاف منهنّ الاختطاف والاسترقاق الجنسي أو ما سمّاه التنظيم بالسبي ومعهنّ آلاف الأطفال، اقتيدوا مباشرة إلى مناطق مثل البعّاج والموصل وأماكن أخرى داخل سوريا والعراق وأماكن أخرى كانت وقتها تحت سيطرتهم.
اما دورهم واموالهم وممتلكاتهم فقد تعرضت للنهب من قبل هؤلاء الدواعش كغنائم اقتسموها بينهم. ويقتضي الحديث هنا الإشارة إلى مشاركة الكثير من جيران الايزيدية من ابناء القرى والمناطق المجاورة والبعيدة في كل اعمال القتل والسبي والنهب متناسين معاني الجيرة والمواطنة وكل الاعراف والقيم والقوانين المعمول بها بين بني البشر.

أمام هذا الجحيم، لم يكن أمام مئات الآلاف من الإيزيديين سوى الفرار إلى جبل سنجار، حيث حوصروا هناك لأسابيع طويلة في ظروف لا تليق بالبشر: لا ماء ولا طعام، ولا حماية من الدواعش او من حرارة الجو التي تجاوزت الخمسين درجة مئوية. نجح من نجا في الوصول بشق الأنفس إلى إقليم كردستان، وهناك لا يزال أكثر من نصفهم حتى اليوم يعيشون في مخيمات النزوح في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق ، رغم مرور أكثر من سبع سنوات على تحرير سنجار في عام 2017.

ومن بين العوائل النازحة ما تبقى من عائلة السيدة الشجاعة شمي ديرو المعروفة ب داي شمي ، ام الكل ، من مجمع تل عزير السكني التابع لقضاء سنجار. لا يمكن الحديث عن مأساة سنجار دون التوقف عند سيرة صبر السيدة داي شمي النبيلة ، لأنها باختصار أمّ الشهداء ، وأمّ الجميع.
اجل انها ام شهداء الإبادة ، فقد فُجعت هذه المرأة الجبل داي شمي ، في حملة ابادة الدواعش هذه ، بفقد اثنان وثلاثين شهيدا من أحبّ الناس إلى قلبها من أبناؤها، أحفادها ، و من بينهم الشهيدة جيلان ، أيقونة الطهر والبطولة ، جيلان التي قتل الدواعش 7 أشخاص من أسرتها أمام عينيها، من بينهم والدها واثنان من أشقائها احدهم كان طالبا بكلية الطب / جامعة الموصل . بعدها تم اقتيادها هي واثنتين من شقيقاتها، غالية وشيلان، مع فتيات أيزيديات أخريات إلى مبنى مدرسة في مجمعها السكني تل عزير الواقع جنوب سنجار لتوزيعهن كسبايا على المسلحين. أجبرت جيلان كرها على دخول أحد حمامات المدرسة لكي تغتسل وتعدّ نفسها لما يسمى بأمير المجموعة الإرهابية الذي كان ينتظر أن تنتهي جيلان من الاستحمام. ولكن انتظاره طال ، بعد ذلك تبين بأن جيلان أنهت حياتها داخل الحمام بعد أن قطعت شرايين يدها بشفرة حلاقة.

رغم اتساع الوجع وضراوة الفقد على داي شمي ، فإنها لم تنكسر، بل وقفت، بصبر قلّ نظيره، لتعلن للعالم أن النساء الأيزيديات من معدن لا يُهزم، وأن الألم يمكن أن يُعاد تدويره ليصبح نورا للآخرين.

إن داي شمي ليست فقط أمّ الشهداء، بل هي أمّ الصبر ومعلّمة الصابرين. بعد فاجعة الإبادة الجماعية للايزيديين واولهم افراد عائلتها ، لم تستسلم لليأس، بل استجمعت شتات روحها وقررت أن تحوّل الحزن إلى طاقة للحفاظ على ما تبقى من أحفادها وتربيتهم والعناية بهم بعد أن فقدوا والديهم.

فأي بطولة أعظم من هذه ، واي موقف اعظم من هذا الموقف؟
لقد فهمت بحدس الأم ووعي الإنسانة أن الغرق في البكاء وتذكر المأساة لن يعيد أبناءها، وأن الانهزام هو ما يريده العدو الجبان ، فقاومته بما تملكه: بالعقل، والصبر، والتمسّك بما تبقى من الحياة من اجل ان تحيي ما تبقى من احفادها وتدير شؤونهم وترعاهم وتتابع حاجتهم.

اختارت أن تتعزى بالصبر وان تكون ناطقة بأسم من رحلوا شهداء او مختطفات (سبايا بعرف الدواعش) ، وأن تسرد وجعهم للزائرين الشعبيين منهم والرسميين، كي لا يضيع حقهم في الزحام. صارت حارسة لذاكرة سنجار، تحفظ أسماء الشهداء، وملامحهم، وساعات فراقهم، كي لا تُنسى.
وبفعلها هذا، شاركت في معركة أخرى، لا تقلّ ضراوة عن معركة المقاومة التي قادها مجاميع لرجال من اهلها اهل سنجار. هي معركة الكلمة والكرامة والذاكرة في وجه عدوّ لم يعرف من الإنسانية سوى نقيضها ، عدو أراد أن يُمحى وجود مكون ديني بأكمله، فجاء صبر أمّ كداي شمي ليقول له: نحن باقون. مثلما رددها بلغة السلاح رجال المقاومة على سفوح جبلهم جبل سنجار.

إنها اليوم تُحيي الأمل في نفوس أحفادها ومن حولها، وتغرس فيهم حبّ الحياة ، لا رغبة في النسيان، بل إصرارا على محبة الحياة رغم كل شيء ، لأن وجدت ان العيش بعد الإبادة هو شكل من أشكال المقاومة ، ولأن الأمل في ذاته قيمة تُرعب أعداء النور والحياة.

في زمن تتشظّى فيه القيم، كانت ام الشهداء داي شمي ، وما تزال، مرآة ناصعة لصبر الأنبياء، وكرامة الأمهات اللواتي يُجبلن الأمل من رماد الخسارة ، ويُعلّمن أن التمسك بالقيم مثل الحق والعدالة والوفاء للضحايا هو طريق طويل ، لكنه وحده القادر على أن ينقذ ما بقي من إنسانيتنا كبشر اجمعين.

تحية اعتزاز وتقدير لموقف أم شهداء الإبادة ، داي شمي، رمز الصبر والإباء في سنجار الجريحة، وهي تقترب من الذكرى الحادية عشرة للإبادة الجماعية التي لم تندمل جراحها بعد.

في زمن خذل فيه العالم الضمير، وقفت داي شمي شامخة كجبل سنجار، تودّع أبناءها وبناتها واحفادها عن بعد واحدا تلو الآخر، لا بعين دامعة فقط، بل بقلب نابض بالإيمان والكرامة والتمسّك بالحق. لم تكن أماً لضحايا الإبادة فحسب، بل كانت أماً لقضية، لحكاية شعب أراد له الاشرار الدواعش أن يُمحى، فأعادت مع غيرها من الابطال بصبرها الحياة لذكراه، والكرامة لدمه المسفوح.

المجد لداي شمي
التي أعطت للعالم درسا خالدا في معنى الصبر، الصبر الذي لا يرضى بالانكسار، بل الصبر الذي يصوغ من الألم طريقا للكرامة، ومن الغياب نداء للحياة.
علمتنا داي شمي أن الأم ليست فقط من تنجب، بل من تبقى واقفة على رماد الخيام، تحرس ذاكرة أبنائها، وتورّث للأجيال معنى البقاء والوفاء.

في ذكرى حملة الابادة الحادية عشر ننحني إجلالا لكل شهداء سنجار الذين ذهبوا ضحية الدواعش وفكرهم المتطرف.
وننحني اجلالا لقضيتهم قضبة الابادة
ونرفع الصوت عاليا:
لن ينسى اهل سنجار قضيتهم
ولن يسكتوا عن حقهم
فما زال في حكاية الإبادة صبر لم يُكتَب بعد، وما زال في قلب داي شمي نورٌ يُضيء الطريق لكل من يريد أن يفهم معنى أن تكون ايزيديا سنجاريا ضحية ومعنى ان تكون إنسانا مغبونا…

ب. د. خالد محمود خدر

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت