الطموح بالتقدم للأمام والحصول على حياة ينعم فيها الانسان بالخير والرفاهية هو ما تسعى إليه معظم
شعوب العالم ولاسيما وإن العالم يشهد عصرا يبرز في التقدم العلمي والتکنلوجي حيث تترسخ المفاهيم
الانسانية والحضارية أکثر من أي وقت آخر، وليس هناك من شعب يريد العودة الى الخلف والتخلي عن
التقدم للأمام، فذلك ما يعني بالضرورة تناقض صريح وصارخ مع السنن الحضارية والتأريخية.
الشعب الايراني الذي ثار على النظام الملکي وأسقط نظام الشاه بعد أن ذاق منه صنوف القمع والاستبداد
والحرمان ومن أجل أن ينعم بحياة حرة کريمة، لکنه وفي غفلة من الزمن ولأسباب وعوامل وظروف
وأوضاع متباينة، فقد سنحت الفرصة للتيار الديني المتطرف في الثورة الايرانية في أن يستلم زمام
الامور ويٶسس نظاما لا يختلف عن نظام الشاه إلا بجعل العمامة مکان التاج، ولذلك فإن الاوضاع
السلبية التي عانى منها الشعب الايراني في ظل النظام السابق، عادت مجددا ولکن بشکل أسوأ ولذلك فقد
عاد الشعب الايراني الى معارضة الدکتاتورية الدينية ولم ينخدع بمظهرها الواهي ولاسيما وإن منظمة
مجاهدي خلق التي کانت من ألد معارضي نظام الشاه عادت مجددا لمعارضة هذا النظام لأنها ترفض
الدکتاتورية مهما کان شکلها وهو ما جعل القاعدة لمعارضة للنظام أکثر قوة وصلابة.
المثير للسخرية والتهکم هنا، إنه وبعد کل ما عاناه الشعب الايراني من الدکتاتورية الملکية ومن بعدها
الدينية، فإن هناك ثمة أصوات مشبوهة تشير الى عودة دکتاتورية الشاه من أجل إنهاء محنة الشعب
الايراني في حين إن محنة الشعب الايراني کان ولازالت من الدکتاتورية السائدة ومن إنها من تحول بينه
وبين الحرية والتقدم والحياة الحرة الکريمة.
وحقيقة إن دکتاتورية الشاه لا تمثل خيارا صحيحا للشعب الايراني بل وحتى إنه يعتبر أمرا مشبوها لا
يجب الإطمئنان له أبدا ذلك إنه يعيد النظام من وضع سئ الى أسوأ بما يمکن وصفه بالدوران في حلقة
مفرغة، وبهذا الصدد وتحت عنوان"يجب على إيران ألا تستبدل العمامة بالتاج" نشرت صحيفة
“إكسبرس” اللندنية (في 4 يوليو) مقالا تحليليا يطرح سؤالا جوهريا: "لماذا لا يمثل ابن الشاه حلا؟"
ويبدأ المقال بالإشارة إلى "كابوس العيش تحت حكم الملالي القروسطي"، مؤكدا على أن الشعب الإيراني
يستحق الحرية. لكنه سرعان ما يكشف عن وجه آخر للمعاناة، فبعد وقف إطلاق النار في الحرب
الأخيرة، شن النظام الإيراني موجة قمع ووحشية لم يسبق لها مثيل. تقول الصحيفة إن الولي الفقيه علي
خامنئي وشبكته الواسعة من الشرطة السرية القاتلة، ينتقمون من إهانتهم عبر إطلاق نسخة معاصرة من
"عهد الإرهاب"، مما يجعل حياة المواطنين العاديين في خطر دائم.
وتضيف الصحيفة من إنه"ورغم هذه الظروف المأساوية، لم يتردد رضا بهلوي، الذي يصف نفسه بولي
العهد، في دعوة هؤلاء المواطنين للتضحية من أجله. وتقتبس الصحيفة بسخرية تغريدته الأخيرة: "الآن
كل ما يتطلبه الأمر هو انتفاضة وطنية لإنهاء هذا الكابوس… أتمنى أن أكون معكم قريبا". وتعلق
"إكسبرس": "يا لها من تضحية عظيمة!".
وتتعمق الصحيفة في تاريخ عائلة بهلوي، فتصف والد رضا بهلوي، الشاه المخلوع، بأنه كان “دمية في
يد بريطانيا وأمريكا” في الخمسينيات، تم تنصيبه للحفاظ على مصالح النفط البريطانية بعد أن أممت
حكومة الدكتور مصدق، أول حكومة ديمقراطية في تاريخ إيران، شركة النفط البريطانية، وهو ما لم
يرق للندن وواشنطن.
منذ انقلاب عام 1953 وحتى ثورة 1979، أسس الشاه واحدة من أفظع أجهزة الشرطة السرية في
العالم (السافاك)، التي مارست التعذيب ضد المعارضين والمواطنين العاديين باستخدام الأسياخ المحمّاة
والصعق الكهربائي والاغتصاب، بالإضافة إلى الإعدامات. واليوم، يسعى ابن هذا الرجل “الوحشي
والقاتل” للعودة كقائد. هذا الملكي البالغ من العمر 64 عاما لا يزال يمجد والده، ويحتفظ بعلاقات مقلقة
مع الحرس الثوري الإيراني.
لهذا السبب، لم يكن مستغربا أن يهتف الشعب الإيراني في آخر انتفاضة له بشعار: "الموت للظالم، سواء
كان الشاه أو خامنئي". فهو يرفض كل أشكال الديكتاتورية. تتساءل الصحيفة: "من الصعب فهم لماذا قد
يرى الشعب الإيراني أي شخص له تاريخ عائلي من الديكتاتورية الفاسدة قريبا من السلطة".

