❝أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان… أن يعيش عمرًا كاملاً مع شخص لم يختره قلبه.❞
هذه المرة، أضع القلم جانبًا عن السياسة، الصراعات، والبيانات، لأتوجه إلى جراحٍ صامتةٍ تنزف في زوايا البيوت دون أن يسمعها أحد.
مشكلة اجتماعية شائعة في العراق وإقليم كردستان، بل في عمق المجتمع الشرقي عامة، ولكنها لا تُناقش بما يكفي.
رأيت من حولي أصدقاء، وأبناء عائلة، وأناسًا طيبين يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها بقلوبهم، بل فُرضت عليهم بعصا العادات وسوط “ماذا سيقول الناس؟”
فقررت أن أكتب هذه الكلمات، لعلّها تضيء طريقًا، أو توقظ وعيًا، أو على الأقل تُشعر من يعاني أنه ليس وحده.
ليس الموت أن تغمض عينيك، بل أن تعيش بلا معنى، بلا حب، بلا اختيار.
وليست كل المقابر تحت التراب، فبعضها يُبنى في البيوت… بين جدران صامتة، وأرواح مقهورة، وقلوب لا تنبض إلا بالوجع. نعم، هناك مقابر تمشي على قدمين، ترتدي ثياب الفرح لكنها محشوة بالحزن، تضحك أمام الناس لكنها تبكي من الداخل بصمت مرير.
حين يُجبر الرجل على الزواج من امرأة لا يحبها، لا لأنه اختار، بل لأن العادات أقوى من رغبته، والضغط العائلي أعلى من صوته… حينها تبدأ جنازته البطيئة.
يعيش معها، لكنها ليست شريكة قلبه، بل شريكة فرضها عليه الواقع.
يتظاهر بالسعادة، لكنه يُدفن كل يوم، وكلما نظر إلى وجهها شعر بالغربة، وكلما سمع ضحكة أطفاله شعر بالحيرة: “أأفرح لأنهم أولادي؟ أم أحزن لأنهم قيد جديد في حياتي المكسورة؟”
هكذا… تصبح حياته سلسلة تنازلات، وسجنًا بلا قضبان.
لكن الرجل ليس وحده في هذا الجحيم.
فالمرأة أيضًا تُساق أحيانًا إلى الزواج كما تُساق النعاج، بلا سؤال عن قلبها، بلا اعتبار لحلمها، فقط لأن “العريس مناسب” و”الوقت حان”.
وحين تستيقظ على صباحات لا روح فيها، وتنام بجوار رجل لا ترى فيه شيئًا من الأمان أو الحب، تدرك أنها في متاهة لا مخرج منها.
تحمل فوق ظهرها أثقال الأمومة والحياء والخوف من الطلاق، وتدفن أنوثتها، وشبابها، وابتسامتها.
وهذه هي مقبرة المرأة.
ثم يأتي الموت…
يموت أحد الزوجين، ويظن الناس أن الطرف الآخر “تحرر”، لكن الحقيقة أنه وقع في قيدٍ جديد.
فالمجتمع لا يرحم، واللسان لا يغفر، والعين لا تكفّ عن المقارنة.
الرجل إن تزوج بعد وفاة زوجته، قد يُبتلى بامرأة لا تشبه الراحلة، لا في الوفاء ولا في الحنان… فيندم.
والمرأة إن أرادت الزواج مرة أخرى، تصطدم بجدران العيب والعار والشك، أو برجل لا يحمل من طيب الراحل شيئًا… فتبقى حائرة، ممزقة، يتجاذبها الماضي والحاضر.
وهكذا نموت مرتين:
مرة حين يُوضع التراب على الجسد،
ومرة حين يُوضع القلب في علاقة لا حياة فيها.
وتاتي دور الأرامل والمطلقات… ألم فوق ألمحين تفقد المرأة زوجها، لا يرحمها المجتمع، بل يقيّدها: “كيف تتزوجي مرة أخرى؟!”
“ماذا سيقول الأولاد؟!”، “عيب، عيب!”
فتختنق بين الحزن و”الخجل الاجتماعي”، وربما ترتبط بشخص لا يناسبها فتعيش حياة ثانية أكثر ألمًا من الأولى.
والرجل كذلك، إذا فقد زوجته، قد يدخل تجربة زواج جديدة فقط لإسكات الوحدة، لكن إن كانت الزوجة الجديدة لا تناسبه، تبدأ المقارنة القاتلة بين من كانت ومن جاءت، وقد يتحوّل الحنين إلى ماضٍ لا يعود إلى موتٍ بطيء في الحاضر.
المجتمع يجب أن يحتضن من فقد شريكه أو انفصل، لا أن يعاقبه أو يُحرجه.
من حق الأرملة أو الأرمل أن يبدأ من جديد دون وصمة، دون خجل، دون أن يشعر أنه “يخون” ذكرى الماضي.في مجتمعاتنا، لا بد أن نعيد تعريف الاحترام:والاحترام لا يعني أن تُدفن الأرملة حيّة في الحزن.والاحترام لا يعني أن يُمنع الأرمل من الحب مرة أخرى. الاحترام هو أن نمنحهم فرصة حياة جديدة، كريمة، بدون أحكام مسبقة.
الخلاصة:
إلى كل من يعيش في زواج بلا حب… وإلى كل أرملة وأرمل، مطلقة ومطلق…أنتم لستم ضعفاء، بل أنتم أبطال تحملتم ما لم يتحمله الآخرون.لكن لا تسمحوا للحياة أن تُغلق أبوابها في وجوهكم بسبب نظرة مجتمع… فأنتم تستحقون السعادة من جديد، ويجب أن نكافح جميعًا لأجل كسر الصمت، وتغيير هذا الواقع. فلنحترم الحب، ولا نُجبر أحدًا على أن يعيش داخل مقبرة اسمها “زواج”، بينما روحه تتوسل الحياة خلف القضبان.الزواج بدون حب… ليس بناء أسرة، بل هدم بطيء للإنسان.
وإلى الأهل، والأصدقاء، والمربين، أن يدعموا أبناءهم في اختياراتهم العاطفية بما يضمن الاستقرار الحقيقي، وليس المظاهر فقط. لا أجبركم أن تختاروا من تحبون، لكن لا تجبروا أحدًا أن يدفن نفسه حيًا باسم الزواج. ❞
كاتب وصحفي المانيا

