عند إجراء مراجعة لتأريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية من حيث إرتکاب أنظمة مارقة لجرائم ضد الانسانية وعدم محاسبتها ومحاکمة قادتها فإنه ليس هناك من نظام مارق وإستبدادي يمکن أن يرقى الى مستوى النظام الايراني.
الجرائم والمجازر المروعة التي إرتکبها ويرتکبها هذا النظام ضد الشعب الايراني ولاسيما من حيث طابعها الدموي والوحشى والافراط في ممارسة القسوة والعنف، لازالت مستمرة وحتى إنها تضع هذا النظام في مقدمة الدول التي تمارس القمع وترتکب الجرائم بحق شعوبها بل وحتى إنه لا منافس لها بهذا المضمار، لکن الذي يلفت النظر کثيرا وحتى يمکن إعتبار أمر غير مسبوق هو إفلات قادة هذا النظام من العقوبات الدولية بهذا الصدد.
الجرائم التي إرتکبها هذا النظام بحق الانسانية وإنتهاکاته الفظيعة في مجال حقوق الانسان والمرأة الى جانب عدم إجراء محاکمة لقادة النظام المتورطين بکل هذه الجرائم والانتهاکات، أمر لفت أنظار المنظمات والشخصيات الدولية المعنية بحقوق الانسان، وبهذا السياق، فقد کتب ستيفن ج. راب، الذي شغل منصب رئيس الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، ومدعي المحكمة الخاصة بسيراليون، كما عمل سفيرا متجولا للولاياتالمتحدة لشؤون جرائم الحرب من عام 2009 حتى 2015، في 24 يوليو 2025، مقالا في صحيفة واشنطن بوست، حول إرتکاب النظام الايراني للجرائم والانتهاکات بحق شعبه ودعوته المجتمع الدولي لمحاسبة ومحاکمة قادة النظام.
في مقدمة هذا المقال کتب ستيفن ج. راب:” بصفتي مدع دوليسابق، أشعر بأن من واجبي أن أرفع صوتي إزاء نمط متصاعدمن انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، نمط يثير أشد فصولتاريخ هذا البلد ظلاما ويتطلب استجابة دولية مستمرة. إن ما هوعلى المحك ليس فقط العدالة للضحايا، بل أيضا مصداقية العالمفي منع الفظائع الجماعية.“، وأضاف وهو يشير للماضي الاجرامي لهذا النظام وإستهتاره بأبسط مبادئ حقوق الانسان وقيم الحضارة والانسانية”لم تتردد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يوما في استخدام القوة المميتة ضد المعارضين. مثال صارخ علىذلك وقع في عام 2019 عندما قتل المئات من الإيرانيينبالرصاص لمجرد احتجاجهم على رفع أسعار الوقود. وعلى الرغممن التنديد الدولي، لم تكن تلك المجزرة ذروة العنف، بل كانتتمهيدا له.“.
ولفت الانظار الى إنتفاضة 2022، والجرائم المروعة التي قام النظام بإرتکابها خلالها، ذاکرا:” وبعد ثلاث سنوات، أثار مقتل الشابة مهسا أميني على يد ما يسمى بـ “شرطة الأخلاق” انتفاضة وطنية. ورد النظام آنذاك بوحشية مدروسة: قتل أكثر من750 متظاهرا، واعتقل نحو 30,000 شخص. لكن سلاح القمعطويل الأمد لم يكن الرصاص، بل الإعدامات. ففي عام 2023،أعدم أكثر من 850 شخصا. وفي عام 2024، اقترب العدد من1,000. أما هذا العام، فقد حذر مقرر خاص للأمم المتحدة من أنإيران بصدد تجاوز هذا الرقم مرة أخرى.“.
وحذر من إستخدام النظام لتهمة التجسس ضد المعارضين بعد أن تم إختراق أجهزته الامنية والاستخبارية وإستخدام ذلك لقمع وتصفية المعارضين”وأمام ما يراه النظام ضعفا داخليا بعد تلكالحرب، أصبح رده أكثر عدوانية. وبينما يمكن إرجاع بعضالإخفاقات إلى سوء الكفاءة وتسلل الأجهزة الأمنية من قبل جهاتأجنبية، فإن الغضب يوجه حاليا نحو المعارضين السياسيينالمحليين. آلاف الإيرانيين يواجهون خطرا حقيقيا، إذ يسعىالبرلمان الآن إلى تسريع إصدار أحكام الإعدام في القضايا التيتنطوي على تعاون “وهمي” مع جهات أجنبية.“، وأضاف”إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتجاوز عدد الإعدامات في إيران لعام 2025 أي رقم سجل في التاريخ الحديث — باستثناء فظائع عام1988، حين أعدم نحو 30,000 سجين سياسي في ذلك الصيف. وكانت جريمتهم الوحيدة هي “التمسك بإيمانهم” بمعارضةديمقراطية. وتشاد اليوم بتلك “لجان الموت” التي ارتكبت المجازرعلى أنها “نموذج في الحزم”.“
وإستطرد وهو يلفت النظر الى مجزرة صيف عام 1988، وکيف إن تجاهلها من قبل المجتمع الدولي جعلت هذا النظام يتجرأ ويوغل في إرتکاب الجرائم والانتهاکات”في عام 1988، حاول نشطاء إيرانيون دق ناقوس الخطر في أروقة المجتمع الدولي مع بدء تمهيد الطريق للمجازر. لكن معظم المسؤولين الغربيين اختاروا تجاهل تلك النداءات. وما يلوح الآن من موجة إعدامات واعتقالات سياسية لا يهدد فقط بارتكاب إيران مجزرة جديدة، بل أيضابتكرار العالم لفشله في منع حدوثها.“.
وأضاف”الإفلات من العقاب يغذي الإفلات من العقاب. ومن واجب المؤسسات الدولية أن تتحرك الآن. فعلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن يستخدم سلطته لإطلاق بعثة لتقصي الحقائق ترسل رسالة للنظام مفادها أن جرائم القتل القضائي لن تمر دون كشف. ويجب على الحكومات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم أن تفرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في إيران، وأن تخفض من علاقاتها الدبلوماسية معهاحتى توقف مساعيها الممنهجة للقضاء على خصومهاالسياسيين.” وإختتم المقال بقوله”يجب ألا نخدع بما يمكن أنتحققه هذه الإجراءات على المدى القريب. فقد كانت إيران معزولةبالفعل قبل مجازر 1988، ومع ذلك لا يزال النظام قائما حتىاليوم، رغم درجات متفاوتة من الإدانة لسجله السيء في حقوقالإنسان. ومع ذلك، فهذه ليست حجة للجمود. وبوصفي شخصالديه خبرة في تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة، أعلم أنالمحاسبة قد تكون بطيئة، لكنها ليست مستحيلة. قد يعول حكامإيران على الإفلات من العقاب اليوم، لكن مع جهد دولي مستمر،يمكنهم أن يواجهوا العدالة غدا — سواء أمام شعبهم أو فيمحكمة دولية لم تعقد بعد..“.




