حين يكون الإنسان قريباً من موقع القرار، يُصبح مطالباً بقول الحقيقة أكثر من غيره، ولكوني حفيد الأمير الراحل تحسين بك، فإنني مطالب بأن أكون صادقاً مع نفسي أولاً، ومع مجتمعي ثانياً، قبل أي شخص آخر، ولذلك، فإن ما أكتبه اليوم لا يأتي من باب التهجم على أحد، بل من باب المسؤولية والحقيقة المطلقة ، والحرص على تصحيح المسار، وفتح نقاش صريح وهادف حول ما تحقق، وما لم يتحقق لحد الان منذ ست سنوات مضت على تسلم عمي حازم تحسين بك أدارة شؤون إلامارة الإيزيدية.
الرؤية التي أطرحها هنا هي محاولة لمقارنة بسيطة بين مرحلتين من تاريخ القيادة الإيزيدية، لا بهدف التقليل من شأن أحد، وإنما لأجل مراجعة الأداء والواقع بصدق وأمان، فالمجاملة لا تُنقذ المجتمعات، والتاريخ لا يرحم من يبرر الفشل، ويجب أن لا يُعمَّم خطأ شخص واحد على عائلة كاملة.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير تحسين بك، رغم توليه الإمارة الإيزيدية لعقود، لم يكن مسؤولاً عن إدارة خيرات الإيزيديين إلا بعد عام 1992، أي بعد نجاته من محاولة اغتيال فاشلة ، كما أنه قبلها بسنوات كان منفياً إلى خارج العراق وبالتحديد إلى مملكة بريطانيا لفترة طويلة، وأثناء ذلك، كانت لجنة خاصة تستحوذ على تلك الخيرات برئاسة الأمير خيري بك حينها، دون تدخل مباشر من قبل الأمير تحسين بك، وفي بداية تسنمه لشؤون الإمارة أي قبل نفيه، لم تكن الواردات بالمستوى المطموح للحديث عنها ،نظراً للظروف الاقتصادية السيئة أنذاك.
لكن بين عامي 1992 ولغاية1997 فقط، تولّى الأمير تحسين بك إدارة خيرات لالش وهي فترة قصيرة جداً جرت في ظلها ظروف استثنائية: منها حصار اقتصادي شامل على العراق، غياب التواصل مع مناطق مثل شنگال، وإنعدام زيارات الجالية الايزيدية وايزيديي الخارج إلى لالش ، ورغم ذلك، فقط قرر الأمير تحسين بك في عام 1997 التبرع بنصف الخيرات للفقراء والمرضى والمعوزين، ثم خصصها بالكامل في عام 2011، في بادرة تكاد تكون نادرة من نوعها في تاريخ القيادات الدينية والاجتماعية.
وإحدى النقاط الجوهرية التي يُغفلها الكثيرون ،هي أن الأمير تحسين بك لم يتلقَّ يوماً دعماً حكومياً مباشراً خلال فترة إدارته لشؤون الإمارة، بل على العكس من ذلك فقد صودرت ممتلكاته من قبل نظام البعث، بما فيها منزله في الشيخان وأراضيه الزراعية، فظل هذا الوضع قائماً حتى سقوط النظام عام 2003، مما جعله يعتمد على الموارد القليلة المتاحة لخدمة المجتمع.
لنأتي في المقابل، فقد يتلقى الأمير الحالي حازم تحسين بك دعماً شهرياً من قبل حكومة إقليم كردستان مايقارب نحو 20 مليون دينار عراقي ،بالإضافة إلى خيرات لالش التي تُدار حالياً دون شفافية أو إشراف مجتمعي محايد، والتي بلغت منذ تسلّمه المنصب عام 2019، ما يقارب ثلاثة مليارات دينار عراقي، دون أن تنعكس فعلياً على وضع المجتمع أو أن تُستخدم لإنشاء مشاريع خدمية حقيقية في لالش . أما قرار تسخير خيرات لالش لخدمة الفقراء والمرضى والطلبة من الإيزيديين فقد جاء بمبادرة من الأمير تحسين بك شخصياً عام 2011، وقد أُبلغ وكلاء المزارات رسمياً بهذا التوجيه، لكن المفارقة في الأمر أن الأمير الحالي كان معارضاً وبشدة على قراره حينها، مما اضطر إلى تخصيص خمسة ملايين دينار له شهرياً من تلك الخيرات حتى عام 2019، لأجل أن لا يعيق هذا القرار! وللأسف، حينما نصب نفسه اميراً ،فقد تفرد بأدارة هذه الخيرات بالكامل، ضارباً إرادة الإيزيديين والقرارات المتخذة من قبل الأمير الراحل تحسين بك ووصيته عرض الحائط.
إذ منذ ذلك الوقت، ولوقتنا الحاضر لم يصدر أي بيان أو تقرير مالي رسمي يوضح فيهِ كيفية صرف هذهِ الخيرات، ولم يطبق أي من تلك القرارات السابقة، مثل إنشاء مجلس إيزيدي موحّد أو توسيع المجلس الروحاني، وهي مبادرات أُطلقت في عهد جدي الراحل تحسين بك، لكنها ظلت حبيسة التصريحات الفارغة لاأكثر .
عليه، فالفرق بين المرحلتين جوهري وواضح، لأن الأمير تحسين بك قد عاش في المنفى دون اي دعم مالي أو سياسي من حكومة العراق ،لكنه رغم ذلك فقد قدّم ما بأستطاعته لبني جلدته حسب امكانياته وجهوده الذاتية ،بينما الأمير الحالي نراهُ يملك كل الموارد والدعم السياسي و المالي والظروف المتاحة له ، لكنه لم يُترجم ذلك إلى نتائج ملموسة في أرض الواقع.



