بمناسبة الذكرى الحادية عشرة على جينوسايد الإيزيديين في الثالث من آب عام 2014:خلو خلاني

سأنشر اليوم واحدة من أقدم وأغلى اللوحات التي رسمتها في حياتي لوحة تحمل بين خطوطها وجع السنين وأثر الذاكرة لوحة لم أكن أعلم يوم رسمتها أنني سأراها تتحقق أمامي كما هي
رسمتها في عام 1987 عندما كان عمري ستة عشر عاما فقط كنت حينها لا أزال يافعا لكني كنت ممتلئا بصور القهر التي سمعتها من جدي وأبي عن ما جرى للإيزيديين في الفرمانات  السابقة.

 كنت أقول لنفسي عندما أكبر وعندما أدخل معهد أو كلية الفنون الجميلة سأحول هذه اللوحة إلى تمثال أو منحوتة سأجعل منها نصبا يذكر الأجيال القادمة بما جرى لنا لأنني كنت أدرك أن لا أحد وثق تلك الإبادات ولا أحد حفظ وجوه الضحايا في ذاكرته كما يجب رسمت هذه اللوحة وسميتها (الفرمانات).

 أردت أن تكون صرخة أردت أن أقول للعالم أن الإيزيديين مروا من جحيم لم يكتب عنه شيء بعد أن أنهيت اللوحة أرسلتها إلى مجلة ألف باء كنت أأمل أن تنشر هناك كي تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس لم أتلقَ ردا ومرت سنة تقريبا وفي أحد الأيام تفاجأت عندما رأيت اللوحة منشورة فعلا لكن ليس في المجلة التي أرسلتها لها بل في مجلة أخرى اسمها (حراس الوطن) لم يكن اسمي موجودا تحت اللوحة بل كتب اسم شخص آخر وقد أُجريت عليها بعض التغييرات الطفيفة لكنني عرفتها فهي لوحتي خطوطي فكرتي وذاكرتي سرقت لوحتي كما سرقت ذاكرتنا كما سرقت أرواحنا في الفرمانات حتى الألم لم يسمح لنا أن نرويه بطريقتنا.

 مرت السنوات وحل عام 2014 وكأن اللوحة التي رسمتها في 1987 كانت نبوءة فرمان جديد لكن هذه المرة لم أكن أسمع عنه فقط كنت فيه كنت شاهدا عليه رأيت اللوحة تتحول إلى حقيقة رأيت الناس يهربون رأيت المقابر الجماعية رأيت الألم نفسه الذي رسمته بعين خيالي يُعاد من جديد أمام عيني.

 اليوم بعد مرور أحد عشر عاما على جينوسايد سنجار أشعر أن الوقت قد حان لأشارك هذه القصة ليس لأني أريد استرجاع حقي في اللوحة ولا لأني أبحث عن شهرة أو اعتراف بل لأني أريد للأجيال القادمة أن تفهم أن ما مر بنا لم يكن وهما أن كل ما جرى لنا لم يكن قدرا عابرا بل كان سلسلة مستمرة من الاستهداف والخذلان والتجاهل.

 اللوحة التي رسمتها وأنا طفل تحولت إلى حياة كاملة من الحزن والفقد لكني ما زلت أؤمن ان الفن يوثق ما لا توثقه الكتب وأن الذاكرة لا تسرق اذا حفظناها في اللون والخط والرمز وفي هذه الذكرى اشارككم لوحتي واشارككم قصتي معها عسى ان تبقى في ذاكرة احدكم كما بقيت في داخلي كل هذه السنين.

 

اللوحة:


هذه اللوحة الرمزية والتشكيلية تعبر عن معاناة الايزيديين خلال الابادات الجماعية عبر الزمن وهي مليئة بالرموز التي تتداخل باسلوب تعبيري قوي ومشحون بالعاطفة، اليك تحليلا تفصيليا.

 

الرموز:

1- النجوم والشمس – الليل والنهار: يرمز تواجد النجوم والشمس في طرفي اللوحة الى تعاقب الزمن، مما يعكس استمرارية المأساة الايزيدية عبر ليلها ونهارها، كأنها لا تتوقف، بل ترافق الزمن نفسه.

2- الليل المعتدي:  يظهر كقوة غاشمة، معتدية، ترمز الى العدوان  المفروض على الايزيديين .

3- النهار المعتدى عليها: تمثل رمز الحياة والنقاء في العقيدة الايزيدية، لكنها هنا في موقع الضحية، مما يعبر عن انتهاك النور نفسه.

 

4- المزار لالش: لالش ليس فقط مزارا دينيا، بل مركز للروح والهوية، ووجوده هنا دليل على التشبث بالجذور رغم كل المآسي.

 

5- پەرى الالوان المقدسة الاصفر، الاحمر، الاخضر: ترمز للاطياف المقدسة السبعة، وتمثل الملائكة والنور، وهي رغم غيابها البصري في اللوحة، حاضرة بمعناها الروحي العميق.

6- الحصان: في هذا الرسم، يرمز الحصان الى القوة والسلطة الجبارة، التي يمكن ان تعبر عن الهيمنة، الصراع، وربما حتى فرض الارادة او التغيير الجذري، خاصة عند اقترانه بعناصر اخرى ذات دلالات عميقة كالعنف او المصير.

6- الفتاة المذبوحة: تمثل آلاف الضحايا من النساء الايزيديات. الثديان المقطوعان رمز لفقدان الانوثة، والحياة، والكرامة.

7- الشعر كرمز للاعتداء: الشعر الطويل، المشتت، يروي حكاية اعتداء صامت، يتحرك مع الريح كشاهدة على الاغتصاب.

8- الاسلحة القديمة والحديثة: من السيف الى البندقية، مرورا بالقوس والفأس، يظهر تسلسل زمني للعنف المتكرر على الايزيديين عبر العصور.

 

9- القضبان الحديدية: ترمز الى السجن الفكري والاجتماعي والديني الذي فرض على الايزيديين، اكثر من كونه ماديا.

10- العين الدامعة: رمز للحزن العميق على الماضي والحاضر، ومأساة لم تنته.

 

11- حبل المشنقة: طريقة اخرى من طرق الابادة، تظهر وحشية القتل حتى في اكثر اشكاله قسوة.

12- حبل المشنقة: طريقة اخرى من طرق الابادة، تظهر وحشية القتل حتى في اكثر اشكاله قسوة.

13- الدم المسفوك: الدم كاشارة الى ان كل شبر من الارض روته دماء الايزيديين.

14- السنبلة النابتة من الدم: رغم كل شيء، تظهر الحياة. رمز للامل المتجدد حتى من قلب المأساة.

 

15- الجبل – الحامي الابدي: الجبل كان الملجأ في كل فرمان، وشكل حضن النجاة لكل من هرب من الموت.

 

16- الكهوف السوداء: تمثل قدم الايزيديين في الارض، وارتباطهم العميق بالجغرافيا.

17- البيت الحجري: رمز للتطور من البدايات القاسية الى بناء الحضارة رغم الحصار والمآسي.

 18- الشمس :  تمثل الضوء والحقيقة والحياة، وهي رمز شائع في الثقافة الايزيدية تجسد الالهية والنور والخلاص والخلود. وجودها في اللوحة يشير الى الامل والبقاء رغم كل الظلام والمآسي.

19 – الغيوم  : تغطي جزءا من الشمس، ما يرمز الى الحزن والظلم والاضطراب والذكريات المؤلمة التي غطت نور الحقيقة لبعض الوقت لكنها لم تطفئه. فهي تمثل التاريخ المظلم والمأساوي المرتبط بالمقابر الجماعية، حيث غطي نور الضحايا بسحب النسيان او القمع، ولكن الشمس ما زالت حاضرة، اي ان الحقيقة لا تمحى.

20– المرأة العارية :

– المرأة كضحية رئيسية في الإبادة:  المرأة العارية والمجروحة تجسد الضحايا من النساء الإيزيديات، اللواتي تعرضن للاغتصاب، الخطف، والسبي، خاصة في الفترات الحديثة مثل ما حصل في فرمان 2014. الجسد العاري ليس إباحية، بل هو صرخة رمزية للانكشاف القسري وانتهاك الجسد والكرامة.

 

 – الثديان :  يرمزان إلى فقدان الأنوثة، والكرامة، والأمومة. هو تعبير عن نزع الحياة والهوية من الجسد الأنثوي، وتحويله إلى أداة ألم.

 

 – الشعر الطويل والمبعثر:  يرمز إلى الاعتداء الصامت، الشعر المتطاير يعكس معاناة لا يمكن قولها بالكلمات، لكنه حاضر في الذاكرة الجماعية مثل الريح التي تحرك الشعر لتروي القصة.

  – التجرد الكامل:  المرأة تظهر عارية تمامًا، وكأنها تمثل الروح الإيزيدية المجردة من الحماية، العارية أمام العالم، بلا درع، ولا دولة تحميها، ولا عدالة تنصفها. هي الإنسانية المنتهكة.

 

الرسالة اللوحة  :


اللوحة  تسرد، من خلال رموزها، تاريخ الابادة الايزيدية كجزء من الزمن نفسه، وتربط الماضي بالحاضر، حيث يعاد انتاج الالم في اشكال مختلفة. ومع ذلك، فهي تؤكد على التشبث بالامل، والهوية، والروح التي لا تنكسر.

 

 

الخلاصة:
اللوحة ليست مشهدا بصريا فحسب، بل سرد روحي وتاريخي عن شعب قاوم الموت وحول الدم الى سنابل والمأساة الى ذاكرة خالدة
تصور اللوحة مأساة الايزيديين في بعديها الزمني والرمزي، حيث تجسد استمرارية الالم والمعاناة عبر تعاقب الليل والنهار، وتظهر رموزا متعددة تتحدث عن العنف الديني والاغتصاب والابادة والسجن الروحي والثقافي
في المقابل، تتجلى رموز الامل كالشمس والمزار والسنبلة والجبل، لتعكس بقاء الروح الايزيدية وصمودها رغم وحشية التاريخ
انها لوحة تجمع بين الموت والحياة، بين الجرح والهوية، وتظهر كيف تنبت الكرامة حتى من دماء الضحايا.

 المرأة العارية  في هذه اللوحة ليست فردًا، بل هي كل امرأة إيزيدية وقعت تحت نير العنف الجنسي والجسدي والروحي عبر التاريخ. وهي في الوقت نفسه، رغم الجرح، رمز الصمود والذاكرة، لأنها تبقى مرسومة، حاضرة، تنظر، وتتحدث من دون صوت.

 

خلو خلاني

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت