تشكل خيرات (معبد لالش) أحد الركائز المالية والرمزية الأساسية في حياة المجتمع الإيزيدي، إذ تُعد هذه الخيرات، وهي التبرعات النقدية والعينية التي يقدمها الزوّار إلى معبد لالش والمزارات الدينية الأخرى، مصدراً تمويلياً، كان يفترض أن يُستخدم لدعم المحتاجين، والمرضى، والطلبة، والمشاريع الخدمية داخل المجتمعات الإيزيدية، فضلاً عن ترميم وصيانة المعالم الدينية.
وللخيرات بعد روحي واجتماعي مزدوج، إذ تُمثل وسيلة تواصل بين الفرد والمقدس، وتساهم عملياً في تعزيز التضامن المجتمعي داخل المجتمع الإيزيدي، لاسيما في ظل الظروف القاسية التي واجهها الأيزيديون مؤخراً، مما دفع لإبراز أهمية ترسيخ هذه الخيرات كمؤسسة خدمية مجتمعية شفافة ومستدامة، تكفل حقوق الفئات المهمشة وتعزز من صمود الهوية الدينية الإيزيدية.
في عام 2012، اتخذ الأمير الراحل تحسين سعيد علي بك خطوة تاريخية في اجتماع موسّع عقد في قضاء الشيخان بحضور جمع كبير من رجال الدين والوجهاء الأيزيديين، حيث أعلن تنازله الكامل عن جميع خيرات لالش والمزارات الإيزيدية، بما في ذلك واردات السناجق، لصالح المجتمع الإيزيدي دون استثناء، ودعا إلى توظيفها حصرياً في النفع العام، وقد وثّق هذا القرار بعبارة محفورة على لوح حجري نُصِب على جدار من جدران معبد لالش، ليُصبح وثيقة دينية وأخلاقية تُعد مرجعاً رسمياً لا يمكن تجاهله أو تعطيله.
لكن، مع انتقال الإمارة إلى نجله حازم تحسين بك عام 2019، بدأت تتعالى الانتقادات الواسعة من داخل المجتمع الإيزيدي بسبب ما وُصف بأنه استغلال شخصي لهذه الخيرات، وغياب شبه تام للشفافية في إدارة الأموال وتوزيعها، ولأجله أعربت جهات مدنية ومجتمعية عن قلقها من انحراف إدارة خيرات لالش عن المسار الذي حدده الأمير تحسين بك، لاسيما وأن المساعدات لم تعد تصل إلى شرائح المجتمع المستحقة بشكل منتظم، كما لم تُنشر أي تقارير مالية رسمية تبيّن الإيرادات والمصروفات بدقة، ولم تؤسس لجنة رقابية لمتابعة اليات صرف هذه الخيرات التي تتجاوز مئات الملايين سنوياً.
إذ يشير عدد من النشطاء والمراقبين إلى عدم احترام الأمير حازم لوصية والده، سواء من حيث الالتزام بمبدأ النزاهة أو من حيث توجيه هذه الأموال نحو مشاريع تخدم عموم الأيزيديين، ويتساءل كثيرون عن مشروعية استمرار التصرف بهذه الموارد الدينية المشتركة من دون تفويض واضح أو آلية رقابية نزيهة، وهو ما يُمهّد، من وجهة نظر قانونية، لإمكانية إقامة دعاوى قانونية ومجتمعية بحقه بتهمة الإخلال بالواجب الائتماني واستغلال المال العام لمصالح شخصية.
وبناءً عليه، بات من الضروري التفكير بإنشاء هيئة مستقلة تحت إشراف ديني ـ مدني مشترك، تُعنى بإدارة خيرات لالش بشفافية، وتقديم كشوف مالية سنوية، وضمان التزام المؤسسة الدينية بوصية الأمير تحسين بك، وبما يحفظ قدسية المعبد وحقوق المجتمع الإيزيدي على السواء.



