ليس بالضرورة أن يتهدم كل بيت بفعل الزلازل أو الحروب ، بل يتهدم احيانا بكلمة واحدة كفيلة بان تحرك الجدران من اساسها وان تفتح شقوقا في القلوب لا ترمم.
كم من علاقة نقية لوثها حكم متسرع وكم من فرصة واعدة اغتالتها نصيحة خرجت من فم بلا وعي ولا بصيرة. هناك الكثير ممن يظنون ان النصيحة واجب ، لكنهم يجهلون ان الكلمة التي لا تاتي في وقتها ، ولا بميزانها قد تكون سهما مسموما يقتل الفرح ويزرع الشك في النفس.
عليه كم من الضروري ان لا نتكلم قبل ان نفهم جوانب ما يدور في المشكلة او الموضوع الذي يتم تناوله، ذلك ان من يسارع الى اصدار الاحكام او النصائح غالبا ما يكتفي بانطباع سطحي ، ويغفل ان وراء كل تصرف قصة ، ووراء كل قرار ظروفا لا يراها احد. و قد يدعي احدهم انه يقرأ ما في قلبك بينما هو في الحقيقة يقرأ ظلال قلبه هو ونواياه وقيمه وربما عقده القديمة ولا يدرك ان كلماته تأتي بمثابة تخدير قد تسكن في روحك وتمتد اثارها حتى تغير مسار حياتك.
لتأخذ امثلة حول ذلك نقلا عن احد المهتمين بشؤون وشجون الناس
في العمل:
موظف راض بعمله ، يسمع من احدهم:كيف تتحمل هذا الراتب الضئيل؟
وسرعان ما تتسلل الفكرة الى قلبه ، فيطلب زيادة من صاحب العمل ويتلقى الرفض، فيغادر اثر ذلك ، وبعد اسابيع يجد نفسه بلا عمل وبلا ما كان يملك من رضا ومال يدبر امر عائلته.
في الزواج:
ام تسأل ابنتها التي انجبت: ماذا قدم لك زوجك بمناسبة الولادة؟.
فتجيب لا شيء. فترد الام : امعقول , اليس لك قيمة عنده؟.
فيبدأ الشك في قلب البنت ، وتتحول الايام الى خلافات ثم الى طلاق.
في العائلة:
جار يقول لرجل مسن : لماذا لا يزورك ابنك كثيرا؟.
فيفسد الصفاء الذي كان يعيشه ويزرع في قلبه احساسا بالجفاء.
في الحب:
صديقة تقول لصديقتها: يبدوا ان حبيبك غير صادق في علاقته معك ، ويستغلك بكلمات غرامية ليحقق امنيات شخصية على حساب اسرتك الغنية.
فيفسد الود مع الحبيب ويتحول الامر الى خلاف وابتعاد ثم ينقلب الى كابة وخيبة.
كلها كلمات تبدو عابرة، ولكنها تبقى الغام مزروعة في الطريق.
يقول مارك توين: ان حياة يقودها عقلك افضل بكثير من حياة يقودها كلام الناس.
وهنا يشير توين الى اهمية تحمل المسؤولية عن أفعالنا وقراراتنا بدلا من الانسياق وراء اراء الاخرين.
كلام الناس هو بمثابة عقل جماعي وهو ما يعبر عنه بالحكم الاجتماعي العام هذا العقل الجماعي قد يكون موجها ومشكلا وقد لا يعتمد على اساس منطقي او تجربة حقيقية بل مجرد تقليد لما توارثته الاجيال.
بينما يمثل العقل الفردي خلاصة التجربة الشخصية وهو ما يجعله قابلا للخطأ والصواب.
بعض الاوجاع لا ترى لانها ترتدي ثوب الصمت وتعيش في زوايا القلب كانها لم تغادر يوما. حين نؤجل الحكم ونستبدل الظن بالفهم فاننا نحمي قلوب الاخرين مثلما نحمي قلوبنا من ان تتحجر.
من جانب آخر ، نجد كثيرا ما يمر في حياة الانسان اناسا من النوع الذي يطلق عليهم عباقرة ما بعد الحدث. وجل هؤلاء من الذين لا يحضرون حين تحتاجهم , لكنهم يظهرون دائما بعد ان تنتهي المعركة ليقولوا بثقة الم نقل لك؟. ان نجحت ادعوا انهم كانوا يرون فيك شيئا مميزا وان فشلت تراجعوا خطوة وقالوا: كنا نعلم.
هم لا يخسرون ابدا لانهم لم يشاركوا اصلا، ولم يدفعوا ثمن كلمة او موقف وهم في كل هذا وغيره يشبهون رجال الاطفاء ، كما عبر عن ذلك أحد المهتمين، الذين غالبا ما يصلون بعد ان يكون البيت قد أصبح رمادا ، ليشرحوا لك اسباب الحريق كخبراء في التحقيق.
كم هو امر مطلوب أن نختار كلماتنا بعناية والا نلقي بها في وجه الناس كالحجارة
ان ظروف الناس مدفونة في اعماقهم. واذا لم نعرفها ، فواجبنا ان نكرمهم بحسن الظن. ليس علينا ان نفتش عن عيوب الاخرين ، فلكل انسان زوايا مظلمة لا يود ان يراها احد حتى هو نفسه. عليه يمكن لحسن الظن ان يبني جسرا من المودة والمحبة بين القلوب. وكم يكون التجاهل في حالات كهذه من ضرورة وكما قال دوستويفسكي: تجاهل فإنك إن وقفت على كل موقف ستكره الجميع.
بالمقابل ، نجد ان العالم مزدحم بالاقنعة , لكن طريق الصدق والصراحة بات عند الكثير مهجورا لا يمر به الا القليل , ليبقى هؤلاء الصادقون معنا بوجوههم وقلوبهم هم الاجدر بالمقاعد الاولى في حياتنا.
لقد اصاب جبران خليل جبران الحقيقة حين قال: كل شيء يمكن ان يتغير الا الصادقون في مشاعرهم.
نعم فالصدق قد لا يكسبك الكثير من الناس لكنه يكسبك افضلهم كما عبر الروائي ماركيز.
عليه كم من الضروري أن لا تدمر حياة احد بكلمة، ولا تتدخل في أمور احد ، الا اذا طلب منك ، مثلما مطلوب منك أن لا تحكم على شيء ، الا اذا عرفت القصة كاملة.
تقول مي زيادة هناك اشياء بالحياة العبث بها لا يغتفر ، كأن تعبث بالضوء في قلب احدهم فتطفئه.
تبقى الكلمة الطيبة تحيي قلبا ، والظن الحسن يحفظ بيتا ، ويكون الصمت في الوقت المناسب احيانا ابلغ من الف خطبة او وصية.
في كل صباح لا نولد من جديد، ولكن في كل صباح تُمنح لنا فرصة لاعادة التوازن وبث النقاء والحرية في دواخلنا.
خراب البيوت لا يأتي من بعيد : ب. د. خالد محمود خدر
الاشتراك
0 Comments
الأقدم



