هيروشيما وناغازاكي… بعشيقة وبحزاني، شعبان نهضا من بين القنبلة والإرهاب بأدب : خيري بوزاني

في شهر آب ولكن من عامين متغيرين، قد اراد للإنسانية أن تمتحن صبرها وصلابتها بالفتك والنهب والنار والرماد. ففي شهر آب 1945 قد انشق السماء عن جحيمين ذريين أُسقطا بدم بارد وضمير ميت فوق رؤوس ساكني مدينتي هيروشيما وناغازاكي الأبرياء والعزل، حينها وجد اليابانيون أنفسهم أمام قدر يائس: إما أن يغرقوا في مستنقع اللعنات والانتقام، أو أن يتقاذفوا الاتهامات فيما بينهم كما تفعل الأمم التي ينكسر عمودها الفقري في الحروب. غير أن ما حدث كان مختلفا عن المألوف، فقد اختاروا الصمت عن الحقد، والتسامي على الغضب، ووجهوا كل ما تبقى من أنفاسهم نحو لملمة شظايا الحياة. الناجون الذين سُمّوا بالهيباكوشا لم يرفعوا أصواتهم باللعن، بل انحنوا على الأرض الملطخة بالرماد وجعلوا من تنظيفها طقسا لتطهير الروح قبل أن يكون ترميما للحجر. الصحفيون والكتّاب لم يحولوا أقلامهم إلى سيوف للثأر، بل جعلوا منها أداة لإعادة بناء الضمير الجمعي، يكتبون عن معنى أن تنهض مدينة من رمادها لا عن نزعة إلى جلد الذات أو تقريع القادة. ومن هنا وُلدت فلسفة جديدة قوامها أن العمل أجدى من الكراهية وأن الأمل أصلب من الانتقام

وفي آب آخر من عام 2014 اجتاح داعش الإرهابي كل من بلدتي بعشيقة وبحزاني والقرى الأخرى في مناطق سهل نينوى، حينها اجبر الأهالي على النزوح نحو المناطق الآمنة في كردستان، تاركين ورائهم بيوتا مهدمة ومزارات وقبب مقدسة فُجرت بلا رحمة، ومعامل وحقولا غطاها الخراب. سنوات مرت والعتمة تبتلع تفاصيل الحياة، لكن حين انكسر سيف الإرهاب ورجع الناس إلى ديارهم، لم يُسمع صراخ باللعن، ولم يتورط أحد في تسقيط الآخر أو تعييره بما جرى. بل عادوا بصمت هادئ أشبه بنداء داخلي، وانكبوا على إعادة بناء مزاراتهم، يرممون الحجارة كما لو كانوا يرممون جراح الروح. لم يحملوا في حقائب العودة غير إرادة صلبة بأن تستعيد الأرض هيبتها، وأن ينهض التراب من جديد

بين هيروشيما وبعشيقة خيط غير مرئي، خيط يربط التجربة الإنسانية حين تختار الشعوب أن تهزم الموت بالصبر لا بالثأر وتقسيط البعض. فكلاهما أُحرق بالخراب، وكلاهما عاد ليقول إن الغضب لا يبني وطنا، وإن الشتيمة لا تُقيم ركاما. اليابانيون جعلوا من هيروشيما مدينة للسلام، وأهالي بعشيقة وبحزاني جعلوا من العودة درسا في الصمود وقمة في الادب، كلاهما علّم الإنسانية أن الانضباط والإيمان بالعمل المشترك أجدر على صنع مستقبل منير من كل صرخة حقد. لم يهزموا العدو بالقنابل ولا بالشعارات، بل بصبرهم العجيب حين قرروا أن يبنوا من الرماد بيوتاً وحارات وشوارع أقوى من النار.
نعم، بنوا مدنهم بهدوء.. لم يشتموا احداً، ولم يتبادلوا الاتهامات، ولم يقوموا بتسقيط بعضهم لبعض..
حقاً أهالي بعشيقة وبحزاني جديرون بالتقدير والثناء، وقد برهنوا انهم ذو أخلاق حميدة، فمرحى لهم، ومرحى لأقرانهم اليابانيين، وكل من كانوا على غرارهم.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت