أشقاء الزيف… لصوص العراق الحقيقيون : حامد الشريفي*

في زمن يختلط فيه العدو بالصديق، ويبيعك “الأخ” قبل الغريب، حان الوقت لنواجه الحقيقة المرة: من الذي خنق العراق حقًا؟ من الذي سرق ماءه، وخنق أنفاسه البحرية، ونهب نفطه، وأذل شعبه؟ الإجابة قد تصدم الكثيرين.
العراقي اعتاد أن يُلقَّن أن إسرائيل هي العدو الأول. منذ حرب 1967 ارتبط اسمها بـ”إسرائيل الكبرى” التي هزمت ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام وضمّت القدس والضفة وغزة وسيناء والجولان. منذ ذلك الحين ظل العرب يرفعون الشعارات ويخسرون الأرض والهيبة. أما العراق، فظل أسير هذه العداوة الموروثة دون أن يسأل نفسه: ماذا فعلت إسرائيل بنا نحن العراقيين؟
دعونا نضع الأمور في نصابها:
الكويت: بعد 1991 فُرض على العراق ترسيم حدود جديد أفقده 240 كيلومترًا مربعًا برًا و11 كيلومترًا مربعًا بحرًا. لم تكتفِ الكويت بذلك، بل استولت لاحقًا على خور عبد الله، شريان العراق البحري الوحيد، وخنقت موانئه.
السعودية: ابتلعت “المنطقة المحايدة” بمساحة 7,000 كيلومتر مربع. بدت صحراء بلا قيمة وقتها، لكنها بلا شك ستتحول يومًا إلى حقول نفط وغاز ومعادن، تمامًا كما حدث مع ألاسكا التي باعها الروس بثمن بخس قبل أن تتحول إلى كنز تريليوني. العراق خسرها لأن أحد طغاته تبرع بها لمصالح ضيقة ومؤقتة.
إيران: فرضت اتفاقية الجزائر 1975 التي قلّصت سيادة العراق في شط العرب، ثم بعد 2003 تغوّلت، غيّرت مجاري الأنهر، قطعت الكارون والوند، وسيطرت على حصص العراق المائية، فأغرقت الجنوب بالعطش والتصحر. فوق ذلك، ملأت البلد بالمخدرات والميليشيات.
تركيا: أقامت سدودها العملاقة على دجلة والفرات، تحجز المياه وتطلقها بالقطّارة، فيما الملايين في الموصل والأنبار والجنوب يعيشون العطش. كما أنشأت أكثر من 30 قاعدة عسكرية في شمال العراق، تحت ذريعة مطاردة حزب العمال الكردستاني. وها هي اليوم تساوم على نفط العراق عبر أراضيها، وغدًا قد تفرض معادلتها: ماء مقابل نفط.
سوريا: قديمًا وحديثًا لم تتوقف عن المساومة على الحدود وملف النفط، واستغلت ضعف العراق لابتزازه. فالعراق، بموقعه الجغرافي البائس، يحتاج دول الجوار لتصدير نفطه. واليوم، كما تركيا، سوريا لن تفوّت فرصة لابتزاز العراق عبر أنبوب النفط المار بأراضيها، لتقتطع حصتها منه.
الولايات المتحدة: بينما كانت دائمًا تفتح أبوابها وتقف إلى جانب غيره، لم تقف يومًا مع العراق في المحافل الدولية، ولم تسند مطالبه العادلة أمام دول الجوار: لا مع تركيا التي عطّشته وحجزت مياهه، ولا مع الكويت التي خنقته بحره وحدوده، ولا مع إيران التي استباحت أرضه وماءه، ولا مع سوريا التي ساومته على نفطه. لماذا؟ لأن العراق تابع لإيران، سبحان الله، ومن سلّم العراق إلى إيران غيركم أنتم يا أمريكان؟
والسؤال الكبير هنا: أين إسرائيل من كل هذا؟
هل استولت على خور عبد الله؟ لا.
هل اقتطعت 7,000 كيلومتر مربع من أرضك؟ لا.
هل حبست دجلة والفرات والكارون والوند حتى عطشت؟ لا.
هل زرعت الميليشيات وأغرقتك بالمخدرات؟ لا.
إسرائيل لم تسرق منك شبراً، ولم تمنعك من قطرة ماء، ولم تحاصرك في بحرك. بينما من يسمّون أنفسهم “أشقاء” فعلوا كل ذلك وأكثر.
انظر إلى عرب إسرائيل: يعيشون بكرامة، يدرسون في أفضل الجامعات، ويعملون في وظائف متقدمة. بينما العراقي في وطنه بلا كهرباء، ولا ماء نظيف، ولا أمن، ولا فرص عمل.
وأذكّرك بجرحك اليومي: التأشيرات. كم مرة وقفت ذليلًا أمام أبواب السفارات العربية والإسلامية تستجدي فيزة، ويُعامل جوازك كأنه قصاصة مهملة؟ أما لو تحالف العراق مع إسرائيل، فستُمنح الفيزة إلكترونيًا وأنت في بيتك خلال عشر دقائق، وتصبح كغيرك من شعوب الخليج المرفهة، هذا هو الفرق بين من يحتقرك ومن يحترمك.
من يتباكى اليوم على غزة ويصرخ ضد “إسرائيل الكبرى” هو نفسه من سرقك بالأمس وخنقك اليوم. يرفع شعار “المقاومة” ليغطي خيانته ونهبه. فلا تنخدع به.
إسرائيل قوة عالمية صاعدة، بيدها عظمة القرار الأمريكي كأنه صك مفتوح، تضرب في طهران وغزة ودمشق وبيروت بلا خوف وتخرج دائمًا منتصرة، ولم تخذل حليفًا عقد معها اتفاقًا يومًا. بينما أشقاؤك باعوك في أول صفقة.
إذن يا عراقي… لماذا تعادي إسرائيل لأجل منفعة الأشقاء اللصوص؟ خالفهم، فإن الرشد في خلافهم.
*حامد الشريفي دبلوماسي عراقي سابق ومدير مشروع المسلمون الليبراليون
الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت