Homeاراءشهادتي عن المرحلة الثامنة من الأنفال – إبادة بادينان : علي حاول...

شهادتي عن المرحلة الثامنة من الأنفال – إبادة بادينان : علي حاول بكو

البداية – انطلاق الحملة
في آب 1988، أي قبل سبعة وثلاثين عامًا، بدأت المرحلة الثامنة من عمليات الأنفال على غرار ما جرى في المراحل السابقة ضد شعبنا الكردي. أكتب هذه الشهادة لتبقى في ذاكرة الأجيال التي تنعم اليوم بالحرية بفضل نضال المناضلين وتضحيات الشهداء الأبرار آسفا دون ان يشعرون به” .
وقعت الكارثة بعد أيام قليلة من وقف الحرب العراقية–الإيرانية في (8/8/1988)، تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات وحصدت أرواح أكثر من مليون إنسان من خيرة شباب العراق بين قتيل وجريح ومفقود. أضف إلى ذلك مئات الآلاف من الأسرى الذين لا يزال مصير عشرات الآلاف منهم مجهولًا رغم مرور أكثر من أربعة عقود على ما سمّاه النظام “قادسية العار”. ولم تقتصر المأساة على الخسائر البشرية، بل دمّرت الحرب اقتصاد البلاد واستنزفت طاقاتها.
بعد توقف الحرب، حوّل نظام البعث جيشه وترسانته العسكرية من جميع أصنافه من جبهات القتال مع إيران إلى جبهة جديدة داخل الوطن. فحُشدت قوات ضخمة بأوامر صريحة: إبادة المعارضة الكردية والوطنية، وكل المدنيين في القرى الجبلية، التي تجاوز عددها حوالي ثلاثة آلاف قرية محررة كانت تحت سيطرة الأحزاب الكردية والوطنية.
جبهات الاجتياح
انطلقت قوات النظام من كل الجهات:
• من زاخو نحو الحدود التركية.
• من دهوك باتجاه العمادية وديرالوك.
• من شيخان صوب أتروش، مستهدفة مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي.
• من عقرة حتى مناطق الزيباري.
• ومن أربيل نحو بقية المناطق الجبلية.
سياسة الأرض المحروقة
كان الهدف واحدًا: تنفيذ ما سُمّي بتعليمات “سورة الأنفال”، أي سياسة الأرض المحروقة؛ قتل، حرق قرى وتهجير، تدمير ونهب للممتلكات، وإبادة جماعية لشعب أعزل. هكذا تجلّت سياسة وأخلاق النظام البعثي الفاشي الذي كان في المحافل الدولية يرفع شعارات حماية “شرف وماجدات العراقيات”، بينما في الواقع كان يفرّط بشرف العراقيين ويوزّعه على بعض الدول العربية مثل مصر والسودان واليمن.
. فقد كشفت لاحقًا منظمة “جاك” لحقوق الإنسان عن نقل أربع عشرة امرأة كردية قسرًا إلى مصر. وهكذا كان رأس النظام يتباهى أمام وسائل الإعلام وفي المحافل الدولية بأنه “حامي الشرف”، في حين مارس أبشع الانتهاكات بحق العراقيين عامة والكرد خاصة، عبر أوسع حملة إبادة جماعية شهدتها كوردستان في تاريخها الحديث، والتي أودت بحياة نحو 182 ألف إنسان ـــ أغلبهم من النساء والأطفال ـــ فيما جرى دفن قسم كبير منهم أحياء تحت الأرض (المصدر: وزارة الشهداء والمؤنفلين، أربيل).
هكذا أطلق على نفسه “بطل الأمة العربية”، لكنه عند الشدائد اختفى في جحرٍ تحت الأرض.

المرتزقة (الجحوش)
لم يكن الجيش وحده، بل شارك معه أكثر من 400 ألف مرتزق (جحش)، إلى جانب سرايا ما سُمّي بـ”أبي فراس الحمداني”. تقدّم هؤلاء في الصفوف الأولى مستفيدين من معرفتهم بجغرافية القرى الجبلية.
مُنحوا الحرية في القتل والنهب؛ يدخلون بيوت الأهالي، يصادرون الممتلكات، يحرقون القرى، وينفذون الأوامر باعتبارها “غنائم الأنفال”. والأدهى أنهم من أبناء جلدتنا، يقتلون إخوتهم مقابل حفنة دنانير. واليوم تراهم في المناصب، معزّزين مكرّمين، وكأن التاريخ عجز عن التمييز بين الضحية والجلاد.

القصف والنزوح
مع تصاعد القصف بالطائرات الحربية وبثّ الرعب عبر التهديد بالأسلحة الكيمياوية (كما استخدم في حلبجة 16 آذار 1988، ووادي باليسان، وقرية سوارێ وسپیندارێ بمحافظة دهوك)، بدأ الناس يفرّون.
في 23 و24 آب خرجتُ مع عائلتي الكبيرة: زوجتي وأطفالي، أبناء إخوتي، والدتي المسنّة، وأخي خضر المعاق، أكثر من ثلاثين فردًا. لم نملك سوى بغل واحد؛ خاطت النساء له أكياسًا على جانبيه، وضعنا فيها والدتي وعددًا من الأطفال. مشهد أمي تتأرجح فوق البغل، والأطفال يختبئون في الكيس الآخر، فيما الرجال والنساء يجرّون ما تبقى من مؤونة بسيطة، ما زال مطبوعًا في ذاكرتي. كنّا نسير كقافلة من الموتى الأحياء.
أما بعض العوائل التي لم تستطع النزوح فبقيت في قراها، وكان مصيرها الإعدام الفوري على يد الجيش، بلا تمييز بين طفل أو شيخ أو امرأة.

الطريق إلى كافيا
وصلنا ظهيرة 24 آب إلى قرية “سەفری خرابا” المهجورة، ومنها تابعنا إلى “سياني”، ثم عبرنا وادي “كافيا” الضيق وسط جموع هائلة. حين بلغنا قرية كافيا وجدناها خالية؛ أهلها سبقونا بالنزوح إلى إيران. هرعنا إلى ينابيع الماء نشرب بجنون، وكأننا نودّع الحياة في لحظة عطش لا تُنسى.

لحظة الحصار
فجأة ظهر عدد من مقاتلي البيشمركة مع عوائلهم هاربين من الجهة المقابلة، يصرخون: “ارجعوا! الجيش سيطر على كل الطرق وأحكم الطوق علينا جميعًا!”.
كانت أعمدة الدخان تتصاعد، وأصوات الطائرات والقصف تحاصرنا. عندها أدركنا الحقيقة: البحر خلفنا، والعدو أمامنا، والموت يحيط بنا. ارتفعت صرخات النساء، ولا سيما الشابات، وهنّ يناشدن ذويهن: “اقتُلونا قبل أن نقع أسيرات، كي لا يُحلّوننا كالسبايا بأيدي البعثيين”.
في خضم المأساة، وجّه كثير من المحاصَرين انتقادات قاسية إلى قادة المعارضة، الذين كانت عوائلهم تنعم بالأمان في إيران وأوروبا، بينما تُركنا نحن نواجه الموت. خُذلنا مرتين” ودليل على ذلك ليس هناك أي مسؤول او قائد ميداني ان فقد فردا من عائلته باستثناء المسؤولين في فوج اول للحزب الشيوعي العراقي فقط! وهم تركوا مصير عوائلهم مع مصير عوائلنا حتى اخر اللحظة التي جرى تسليم العوائل اثر ما يسمى قرار الكاذب!!:
• مرة من النظام الذي قرر إبادتنا، وهذا عدو لا عتب عليه.
• ومرة من قادة ادّعوا تمثيلنا ثم غابوا في أحلك الظروف.
وبين خيانة المرتزقة الكرد وبطش جيش صدام، لم يكن أمامنا أي مهرب.

القرار الأخير
في السادس والعشرين من آب، ومع غروب الشمس، اجتمع قادة الفوج الأول بالأنصار والأهالي، حيث طرحوا أمام أصحاب العوائل خيارات قاسية: ترك العوائل في قرية سيانێ على أن يسلّموا أنفسهم في صباح اليوم التالي للجيش والجحوش إضافة الى ترك الحرية للأنصار الذين يقررون تسليم انفسهم للنظام، ومن يرفض ذلك فليلتحق بالجبال، وإذا دعت الحاجة فستكون المواجهة مع قوات العدو سوف نقاتل الى اخر الرصاص.
حين جاء دوري للحديث مع المسؤولين والقادة العسكريين خلال الاجتماع ، شعرت بثقل اللحظة، إذ كانت القرارات المطروحة آنذاك بعيدة كل البعد عن مصلحة الناس. لم أتمالك نفسي، فقلت بوضوح:
“لن نترك عوائلنا. إن كان لا بد من الموت، فسنموت معهم.” كنت أدرك أن كلماتي ستُفهم على أنها تحدٍّ مباشر، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى صرخة ضمير، خرجت من قلب يعرف أن القرارات المنفصلة عن الناس لا تقود إلا إلى مزيد من العزلة والانكسار. غير أن موقفي بدأ أكثر تشددًا مما احتمله بعضهم، فصدر القرار بعزلي عمّا تبقى من صفوف المسلحين الذين قرروا ألّا يسلّموا أنفسهم
قمتُ بترك والدتي مع زوجات إخوتي من كبار السن وعوائلهم في قرية سيانێ، في انتظار صباح الغد لتسليم أنفسهم إلى الجيش. ثم أخذت باقي أفراد عائلتنا، كل من يستطيع السير على الأقدام، وانضممت مع عوائل المنطقة بعيدًا عن رفاقي، متجهين إلى الجبال خلف القرية.
خرجت من بينهم لألتحق بعوائلنا مع جموع الناس من مختلف المناطق، بعيدًا عن التنظيمات الحزبية والمعارضة الرسمية. هناك، بين الناس، رأيت السياسة الحقيقية: في الخوف الذي يطلّ من عيون الأمهات، وفي القلق المرتسم على وجوه الآباء، وفي إصرار البسطاء على البقاء، مهما اشتدّت المحنة.
وما بدا في ظاهره عقوبة لي تحوّل إلى انفراج صغير وسط الكارثة. فبعد أن ترك جميع المسلحين عوائلهم في قرية سيانێ، تخلّوا كذلك عن بغالهم بعدما لم يعودوا بحاجة إليها. عندها بادلتُ ما كان لدينا من حمير بتلك البغال المتروكة، وبدأت أستخدمها في حمل الأطفال والنساء وكبار السن. لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت طوق نجاة حقيقيًا في تلك الظروف العصيبة. وهكذا وجدنا أنفسنا، رغم العزلة والخذلان، قادرين على التقدّم. أصبح لدينا فائض من الدواب، مما خفّف عن كواهلنا بعض العناء، وسمح لنا بمواصلة الطريق نحو الجبال خلف قرية سيانێ. هناك، في أعالي الجبال، كان الأمل ضئيلاً، لكن مجرد أن الأمهات جلسن فوق الدواب بدلًا من السير حفاة، ومجرد أن الأطفال وجدوا مأوى على ظهورها بدلًا من البكاء في الأذرع المنهكة، كان بحد ذاته إنقاذًا صغيرًا وسط عاصفة الموت.
وفي الثلاثين من آب، التقينا برجل يُدعى محمد رشيد نسري من عشيرة المزوري، يقود قطيعًا يضم أكثر من ثلاثمائة رأس من الغنم. بدا وجهه مرهقًا كمن طحنته الأيام، لكنه لم يتردد في أن يفتح قلبه أمامنا. كان يدرك أنّ قطيعه قد يقع في قبضة قوات العدو، ولا سيّما “الجحوش”، فاختار أن ينتفع به أبناء جلدته الجائعون بدلًا من أن يُنهب ويُعتبر غنيمة. قال بصوت ممزوج بالحسرة والإيثار:
“خذوا ما شئتم من هذه الأغنام وأطعموا عائلاتكم الجائعة… أفضل أن تستفيدوا أنتم منها قبل أن يستولي عليها الجحوش ويجعلونها غنيمة لهم.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد عرضٍ لقطيع غنم، بل شهادة حيّة على مأساة أوسع: لقمة العيش التي تحوّلت إلى ساحة صراع بين البقاء والموت، بين الكرامة والنهب. في تلك اللحظة كان محمد رشيد يمثّل ضميرًا إنسانيًا وسط زمن فقد معناه، وقطيعه لم يكن مجرد أغنام، بل رمزًا لمصير الناس التي أُهدرت كما أُهدرت ممتلكاتهم وكرامتهم.
بعد ذلك احتمينا بين الصخور والوديان، وواصلنا التقدّم على سلسلة جبل كارة حتى بلغنا مشارف مقرّنا في وادي مرانێ. كانت الطريق محفوفة بالمخاطر، غير أن الخوف لم يكن أشد وطأة من صور العائلات الممزقة والقرى المدمّرة التي حملناها معنا في الذاكرة، كشاهد دائم على قسوة تلك المرحلة وظلامها!.

المصيدة – قرار العفو
لقد مارس نظام البعث خدعته المعهودة كما اعتاد طوال خمسة وثلاثين عامًا من حكمه بالنار والحديد على رقاب أبناء شعبنا العراقي. ففي السادس من أيلول 1988 أصدر ما سُمّي بـ”قرار العفو” المرقم 736، وهو في جوهره مصيدة جديدة.
سُلّمت الجماهير المحاصرة – ومن بينهم عوائلنا – إلى الجيش في منطقة گەلی أفاوكي قرب قرية سوارێ. بعدها جرى تفريق الناس ونقل كل مجموعة إلى وجهة محددة حسب المنطقة التي تنتمي إليها. نُقلت عوائلنا، مع الاف العوائل الأخرة تحمل صفة “دهوك”، إلى قلعة نزارکێ، حيث استمرّت بدايات المعاناة لأكثر من أسبوعين تحت حراسة “السرايا” التابعة لأبي الفراس الحمداني.

وهكذا وجدنا أنفسنا، رغم العزلة والخذلان، قادرين على التقدّم. أصبح لدينا فائض من الدواب، مما خفّف عن كواهلنا بعض العناء، وسمح لنا بمواصلة الطريق نحو الجبال خلف قرية سيانێ. هناك، في أعالي الجبال، كان الأمل ضئيلاً، لكن مجرد أن الأمهات جلسن فوق الدواب بدلًا من السير حفاة، ومجرد أن الأطفال وجدوا مأوى على ظهورها بدلًا من البكاء في الأذرع المنهكة، كان بحد ذاته إنقاذًا صغيرًا وسط عاصفة الموت.

لكن المأساة لم تتوقف هنا. ففي قلعة نزاركئ في دهوك، حيث جُمعت العوائل، تولّت الأجهزة الأمنية مهمّة التعرف على عوائل البيشمركة والمعارضين عبر شبكة من المخبرين والمتعاونين، بعضهم من أبناء المنطقة. شُكّلت ما سُمّيت بـ”اللجنة الأمنية”، التي أوكلت إليها مهمة تصفية الحساب مع الأبرياء، بعدما تسلّل أفرادها بين المحجوزين للتعرف على وجوه العوائل.
ومع مرور الوقت، جرى تشخيص عائلتي وعوائل أخرى، ثم نُقلوا إلى محرقة الموت. لقد كانت القلعة محطة أخيرة قبل الفناء، حيث مورست أبشع أساليب التعذيب: الضرب حتى الموت، استخدام الأحجار والبلوكات الإسمنتية لسحق الأجساد، بل وحتى جمع قناني الحليب البلاستيكية من الأمهات، في إشارة صريحة إلى أن الأطفال أيضًا محكوم عليهم بالإعدام سلفًا.
إنها صفحات سوداء لا تُمحى من الذاكرة: رجال ونساء وأطفال سلّموا للجلاد، فيما بقي المتورطون في الوشاية بأمن النظام يعيشون بين الناس معزَّزين، كأن شيئًا لم يحدث.

.
المستوى الاجتماعي–الأخلاقي
تطرح هذه الشهادة أيضًا إشكالية الخيانة الداخلية، إذ إن الكشف عن عائلات الضحايا جاء على أيدي بعض أبناء المجمعات الكردية أنفسهم، الأمر الذي جعل المأساة أكثر قسوة وإيلامًا. والمفارقة المؤلمة أنّ هؤلاء “المخبرين” ما زالوا يعيشون بكرامة وسط المجتمع، بينما العائلات التي أُبيدت ما تزال تحمل ذاكرة الفقد والمحرقة، من غير أن يُعاد حتى رفات أحبّتها إلى ذويها، ليبقى الجرح مفتوحًا في الذاكرة الجماعية” ان الغاية من هذه كتابة ليس ما يعني بانني ادعو الحكومة ان يحاسب احد من هاؤلاء العملاء ؛ لا لانني فقدت امل وايضا ليس لي امل ان هناك جه تقوم بالبحث عن عوائلنا من اجل نقل رفات شهدائنا الذي مرت عليهم 37 عاما ومنها 33 عاما حكم السلطة الشعب في العراق؛ أيضا ليس لي امل على تحقيق ذلك لانني قد غسلت ايدي الذي لا يحمل ولو بصيص من امل لان الثورة سرقت من الثوار وان هاؤلاء اقويا ومحميين تحت حماية حكومتين في بغداد واربيل ولكن شيئ الذي يؤلمني ان هاؤلاء من الخونة والمجرمين الذين تلطخ اياديهم بالدماء أبناء شعبنا سواء كان من القريب او من بعيد” وهم لا يزال امام اعيون ذوي الشهداء يسرحون ويمرحون ويتنافسون على المناصب في دوائر الحكومية وهم معززين ومكرمين وعفا الله عما سلف…

الشهادة والتحليل
تطرح هذه الشهادة إشكالية الخيانة الداخلية؛ إذ إن الكشف عن عائلات الضحايا لم يكن فقط نتيجة آلة القمع السلطوية، بل جاء – للأسف – على أيدي بعض أبناء المجمعات الكردية أنفسهم. لقد جعل هذا العامل المأساة أكثر قسوة وإيلامًا، لأن الطعنة جاءت من الداخل، ممن يُفترض أن يكونوا جزءًا من النسيج الاجتماعي ذاته.
. والمفارقة المؤلمة أنّ كثيرًا من أولئك “المخبرين” ما زالوا يتجولون في المجتمع بوجوه مرفوعة وكأن شيئًا لم يكن، بينما عائلات كاملة أُبيدت عن بكرة أبيها لم تتمكّن حتى اليوم من استعادة رفات أحبّتها. وفي قلب هذا الجرح، يطلّ حزني الشخصي: سبعة وعشرون شهيدًا من عائلتي ارتقوا واحدًا تلو الآخر، تاركين خلفهم ذاكرة مثقلة بالفقد، وجرحًا مفتوحًا في الروح الجمعية، لا يندمل مهما توالت السنين.
إنني لا أكتب هنا بدافع المطالبة بمحاسبة هؤلاء؛ فهم اليوم جزء من أجهزة الدولة، بل أقوى مما كانوا عليه في زمن أسيادهم البعثيين. وإنما أكتب لأنني فقدت الأمل في أن تبادر أي جهة رسمية او السياسية ان تبادر على محاسبة هؤلاء الخونة والعملاء، أو حتى أن تكلف نفسها عناء البحث عن رفات شهدائنا، لتعيدهم إلى ذويهم الذين ما زالوا ينتظرون منذ أكثر من ثلاثة عقود.
لقد مضى أكثر من سبعة وثلاثين عامًا على الفاجعة، منها ثلاثة وثلاثون عامًا في ظل حكم سلطات ما بعد الدكتاتورية، ومع ذلك ما زال الملف مطويًا بلا إنصاف. لقد غسلت يدي من انتظار العدالة، بعدما سُرقت الثورة من الثوار، وأصبح القتلة والخونة محميين تحت مظلة الحكومتين في بغداد وأربيل.
.
ما يؤلمني حقًا هو أنّ هؤلاء الملطخة أيديهم بالدماء، سواء من قريب أو بعيد، ما زالوا أمام أعين ذوي الشهداء يسرحون ويمرحون، بل يتنافسون على المناصب في مؤسسات الدولة، اغلبهم معززين ومكرمين وكأن شيئًا لم يكن. وهكذا يُطوى الملف بعبارة باردة: “عفا الله عمّا سلف”
إن أخطر ما في هذه الشهادة أنها تبيّن كيف تتحول الخيانة الفردية إلى أداة سياسية ممنهجة في يد السلطة. فالنظام الاستبدادية البعثي لا تكتفي بالقوة العسكرية وحدها، بل كان تعتمد على تفكيك النسيج الاجتماعي عبر تجنيد “المخبرين”
. وبذلك لا يقتصر أثر القمع على الجسد، بل يمتد ليهدم الثقة بين أبناء المجتمع نفسه، فلا تسلم منه حتى القرية الواحدة ولا العائلة الواحدة. إنّ ما هو أخطر من الجريمة ذاتها هو قدرتها على تفكيك الروابط الإنسانية وتشويه العلاقات الاجتماعية، لتبقى الندوب في أعماق الناس أكثر إيلامًا من الجراح الظاهرة.
إن استمرار هؤلاء المخبرين في التمتع بالوجاهة الاجتماعية والمناصب الرسمية بعد كل هذه العقود، يعكس عدم إكمال إعادة الحق إلى أصحاب الشأن من خلال تطبيق القانون والعدالة الانتقالية. كما يكشف عن هشاشة مؤسسات الدولة العاجزة عن مواجهة تركة الماضي أو تطهير صفوفها من الملطخة أيديهم بالدماء.
والأسوأ من ذلك، أنّ هذا العجز يعمّق شعور ذوي الضحايا بالخذلان والتقصير، ويجعل الذاكرة الجماعية، وخاصة لدى ذوي الشهداء، تنزف بلا توقف… وكأن الماضي لم يُطوَ بعدليست هذه خاتمة نهائية، ولا هي نهاية الحكاية؛ فما زالت صفحات الألم ممتدة في ذاكرة شعبنا. وبسبب طول الكوارث التي رافقت عمليات الأنفال، آثرت أن أكتفي بهذا القدر من الكتابة، على أمل أن تكون الكلمات شاهداً لا بديلاً، وصوتاً لا مختزِلاً لمعاناة لا يمكن لقلم واحد أن يحيط بها.
إن ما جرى لم يكن مجرد فصل عابر في التاريخ، بل هو تاريخ شعب بأكمله، تاريخ كُتب بالدم والدموع، وسيظل حيًّا في وجدان الأجيال مهما حاول النسيان أن يطويه. وقد جمعتُ في هذا الكتاب ما استطعت من الحوادث والكوارث التي شهدتها المرحلة الثامنة من عمليات الأنفال في بهدينان، ووثّقتها في مذكّراتي السياسية بعنوان: قلتُ لا للطغيان. وقد صدرت هذه المذكرات أولاً باللغة العربية، وستصدر قريبًا بالألمانية والكوردية، على أن تليها طبعة ثانية موسَّعة في المستقبل.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular