احمد الشرع في العقل الاستراتيجي الاسرائيلي : عن الهواجس المتنامية حول الناجي الوحيد من الثقب الأسود السوري الذي ابتلع واستنزف الاسد ونصر الله وسليماني وبوتين والبغدادي !!
في علوم المخابرات يُتداول مبدأ دقيق وخطير خلاصته:
اذا جرى تنفيذ عملية تصفية جماعية على مجموعة كانوا يجلسون على مائدة واحدة ، ولم يخرج من تلك العملية الا شخص واحد حي ، فإن هذا الشخص تحديداً يمثل اخطر تهديد محتمل في المستقبل القادم .
السبب ببساطة ان نجاته لم يكن صدفة كما تقول التحليلات المخابراتية انما استطاع التلاعب بالجهة المنفذة ونجا من التصفية وهذا يعني أنه يمتلك مستوى استثنائياً من الدهاء والخطورة يجعله عدواً اصعب بكثير في المستقبل !!
هكذا تنظر إسرائيل للشرع !!
احمد الشرع : وفق منطق العلاقات الدولية يمثل حالة نادرة من المفارقة الاستراتيجية : حيث قدم لإسرائيل خدمة جيوسياسية عظمى حينما قطع الجسر الإيراني نحو لبنان ، لكنه في اللحظة ذاتها فتح أمامها افاق تهديدات جديدة لا يمكن ضبطها .
اسرائيل التي قامت عقيدتها الامنية على فرضية السيطرة المطلقة على محيطها تواجه الان معضلة جديدة وهي وجدود زعيم خرج من الثقب الأسود السوري كـناجي وحيد من نصف فرصة منحت له ،لهذا تعتقد إسرائيل انه يمتلك قدرة على إعادة بناء دولة قوية من رماد الحرب .
هنا يبرز السؤال : هل إسرائيل قادرة على التعايش مع سوريا مركزية يقودها رجل تشكل في المطحنة الدموية ذاتها التي ابتلعت خصومها جميعاً ؟ ام ان خيار التصفير سيعود مجدداً ليعيد إنتاج الفوضى بدل الاستقرار؟ وفق هذه التساؤلات لا يمكن التسليم لفرضية جاهزة تقول ان الشرع هو رجل إسرائيل المرحلي وننهي النقاش من الدقيقة الأولى علينا ان نغوص قليلاً لنفهم ماذا يجري .
اذا كنت لا تريد ان تحاول تصديق هذه الفرضية او على الأقل اختبار قدرتها على اقناعك لا تكمل المقال لأنه مصمم للعقول الديناميكية النقدية وهو غير مصمم للعقول التي لا تستطيع النظر من زوايا مختلفة لنفس المشهد .
علينا ان نتفق بدايةً ان الشرع امام امتحان عسير واسئلة إسرائيلية صعبة تتعلق بـ :
مفارقة القوة : الإسرائيليين ينظرون لقوة الشرع التي اسقط فيها خصومه قد تستخدم في أي لحظة ضدهم ، بالتالي تقودهم الى ضعف الثقة فيه مستقبلاً.
معضلة الامن : اي ان اي محاولة لبناء سوريا قوية يقدمها الشرع ستفسر إسرائيلياً كتهديد وجودي.
لهذا تجد إسرائيل نفسها الان امام معضلة امنية مركبة :
•فهي مستفيدة مرحلياً من اضعاف إيران وحزب الله بعد صعود الشرع.
•لكنها تدرك ان اي مشروع سوري مركزي يعيد بناء الدولة سيعيد معها تهديد الجبهة الشمالية.
بهذا المعنى إسرائيل الان تعيش اليوم حالة التفكير بالسيناريو الاسوء اي ان الرجل الذي يخدمها اليوم قد يتحول إلى خصم اخطر من الاسد غداً !!
على ذلك ، في هذا المقال سنتجاوز فكرة الحديث عن ماضي الشرع وتراثه الراديكالي المعروف ، هذا واضح للجميع وليس من الضروري تكراره كل مرة لكي نحاول اثبات وجهة نظر ما لمشكك ما ، احمد الشرع جاء من تراث دموي سوري اشترك فيه الجميع وهو لا ينكر ذلك ويضعه ضمن خانة انه كان يدافع عن بلده والاخرين يضعوه ضمن خانة الإرهاب . نحن هنا نريد ان نناقش مشهد استراتيجي اكبر بكثير من هذه التصورات المحدودة . البقاء عندها طويلاً سيعطلنا من فهم المشهد السوري والمشهد الشرق اوسطي .
بالعموم :
احمد الشرع وضعه محير بالنسبة لإسرائيل ، هو من جهة قوض نفوذ حزبالله كثيراً واسقط مشروع التماس الجغرافي الايراني مع اسرائيل عبر الاراضي السورية وانهى ما يعرف بالجسر البري مع الحزب وعزله جغرافياً عبر قطع حبله السري المرتبط بإيران ، ووفر لإسرائيل خدمة الانفراد المريح والمباشر بكل خصومها بدون ان يكون هناك ربط جغرافي مباشر بين هؤلاء الخصوم وايران ، كل هذا فعله احمد الشرع بمجرد سيطرته على دمشق وهذا يخدم اسرائيل بكل تأكيد من الناحية الاستراتيجية .
بيد ان نجاحات الشرع في نفس الوقت شكلت هاجساً ارتدادياً مركباً على إسرائيل وسرعان ما تحولت خدمته الاستراتيجية الكبرى اعلاه في السيطرة على الجغرافية السورية وازاحة خصوم إسرائيل الى مصدر قلق كبير لإسرائيل نفسها حيث انها تدرك جيداً انها تتعامل مع نفس منهجيات التهديد الوجودي الراديكالي الاسلامي الموجه ضدها والتي كانت موجودة في السابق لكن بنسخة مذهبية مختلفة حتى وان تم تجميد هذه العقيدة الان.
قد يقول البعض ان احمد الشرع هو جزء من مخرجات مشوهة لمشاريع متقاطعة ظهرت في سوريا عبر ادوات مخابراتية مختلفة بعد عام 2011 ! سأقول لك ان هذا اخطر ما في المشهد ، الشرع هو الناجي الوحيد تقريباً من مطحنة ومجزرة حدثت في سوريا سقط فيها البغدادي وبوتين ونصرالله وسليماني والاسد ولم يحققوا النصر المطلوب . الشرع في النهاية هو من ابتلع سوريا وتصدر المشهد الختامي واخذ الاوسكار عن دوره الذي لعبه في هذه المجزرة حيث يقول عنه ترامب انه دور بطولي وحفر طريقه عبر الصخور !!
وهذا بحد ذاته يخيف إسرائيل … شق الطريق وسط الصخور يخيفها ويقلقها لأن الشرع في عيون الكيان غير مسيطر عليه بالكامل كما تسيطر إسرائيل على الدول الأخرى المحيطة بها !!
حيث ان إسرائيل لا تؤمن ولا تثق بضمانات امريكا لها ولا تكتفي بتطمينات تقول بان الشرع دخل في منظومة المنطقة وتم تمدين سلوكه وتنقيته من الفعل الراديكالي وانه لن يقدم على شيء خارج الحسابات المرسومة ضد اسرائيل لان الولايات المتحدة ستضمن ذلك فقط .
طريقة التفكير الاسرائيلي لا تتعامل ببساطة وعفوية مع هذه الفرضيات او الضمانات الامريكية ، لا بل لا تثق بها كثيراً ، لهذا نلاحظ ان هناك اختلافات كثيرة في وجهات النظر الامريكية والاسرائيلية حول ملفات عدة في المنطقة.
لنعود قليلاً ونتحدث عن اسباب اخرى حول قلق اسرائيل من سوريا !! واحد من اهم الاشياء المختلف عليها بين الولايات المتحدة واسرائيل هو احمد الشرع نفسه .
احمد الشرع يمثل خياراً مثالياً جيداً للولايات المتحدة والخليج وتركيا في المدى القريب والمنظور ، كون هذا الشخص استطاع عبر دعمهم ان ينهي نفوذ الد اعدائهم في سوريا وهم نظام الاسد وايران وروسيا وحزب الله ، بالتالي هو الشخص المثالي الانتقالي الذي يمكن ان يقود سوريا من وجهة نظرهم على المدى المنظور، وهذا لا يعني ان الشرع القوي الذي انتصر على كل هؤلاء وهو على رأس فصيل مسلح يمكن ان يكون قوي وهو على رأس قيادة دولة مثقلة بالأزمات مثل سوريا. هذه الفرضية تحتج بها الولايات المتحدة امام الكيان لإقناعهم ان الشرع مروض ومثقل بمهمة كبيرة جدا ولن ينقلب عليكم.
الولايات المتحدة تقول للكيان ان قوته كقائد فصيل ليس بالضرورة ان تترجم على شكل قوة في إدارة الدولة السورية . هو ضعيف في قيادة سوريا حتى الان رغم نجاحه الكبير في اسقاط الأسد.
بيد ان وجهة نظر اسرائيل مختلفة جذرياً عن الاخرين حيث ينظر الاخرين لدور وظيفي يمكن ان يلعبه احمد الشرع في عقولهم الاستراتيجية ، بينما تنظر اسرائيل لسوريا من زوايا تتقاطع مع طموحات الاتراك والامريكان والخليجيين والشرع نفسه لان نظرتها مرتبطة بالأمن القومي والتهديد الوجودي الذي لا يمكن ان يخضع لفكرة الدور الوظيفي الذي تتحدث عن الولايات المتحدة والاخرين والممنوح للشرع .
لهذا اسرائيل لا تريد سوريا مركزية ، تريدها مقاطعات وطوائف وفيدراليات عرقية ودينية ومذهبية ، بينما الاخرين يردونها دولة مركزية تقاد من دمشق والشرع.
اسرائيل لا تريد ان يظهر نظام سياسي قوي في سوريا قادر على بناء اقتصاد قوي او جيش قوي في المستقبل ، طموح الشرع الان هو ارساء نظام سياسي ومشروع مركزي لبناء دولة قوية بالتالي بناء منظومة قوية شاملة قوية تشمل الجيش والاقتصاد .
وهنا نقول ان الدول القوية او التي تريد ان تصبح قوية تخيف اسرائيل ، فكيف اذا كانت لصيقة بها جغرفياً.
كما ان عقيدة الشرع وتراثه الراديكالي الجهادي لا يشكل تحدي لتركيا والولايات المتحدة والخليج بعد تمدينه وتنقيته ، بل على العكس تماماً تمثل عقيدة الشرع الحالية المنقاة والمفلترة واحدة من اهم المضادات الحيوية الفكرية والايديولوجية التي تمنع نمو نفوذ ايران من جديد في هذه الجغرافية وتكافحه .
بنفس الوقت تمثل هذه العقيدة المرحب بها امريكياً وتركياً وخليجياً واحدة من اكثر الهواجس التي تجعل إسرائيل لا ترغب بمجاورة شخص يحكم سوريا خاض تجارب راديكالية كبيرة ووصل الى سدة الحكم في بلاده عبر مطحنة دموية سقط فيها فاعل إقليمي ودولي مثل ايران وروسيا فضلاً عن عشرات الفصائل المسلحة الأخرى وانتصر عليها وعلى رأسهم داعش . هذا خطر غير مرغوب به ولا يمكن لإسرائيل الوثوق به مهما حاول اثبات العكس .
لهذا ، نتنياهو يشعر بان ملف سوريا اعقد من وجهة نظر هذه الدول – أمريكا وتركيا والخليج – بالتالي سوريا لا يجب ان تدار من قبل شخص ضعيف حالياً يمكن ان يكون قوي في المستقبل .
اسرائيل تريد ان يقود سوريا شخص ضعيف حالياً ويبقى ضعف في المستقبل ، وهذا غير متوفر بالشرع كونه شخص ذو طموح كبير بحسب الفهم الإسرائيلي له .
لتوه حجم الروس وطرد ايران واسقط الاسد وانهى دور حزب الله في بلاده وانتصر على داعش واجبر الغرب على الاعتراف به ، وهذا الطموح لا يمكن ان تتسامح معه إسرائيل فقط لان الولايات المتحدة تضمنه الان ، اعني تضمن عدم اقدام الشرع على افعال غير مسيطر عليها اتجاهها.
مشكلة أخرى تواجهها اسرائيل تخص الشرع تكمن في انه ليس سريع النمو والتطور فحسب ، بل قد يكون قادر فعلاً على توحيد سوريا الضعيفة والممزقة حالياً وهذا يتقاطع مع رؤية إسرائيل سوريا الجديدة والتي يجب ان تكون ممزقة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً .
الشرع في حسابات الغرب قهر الروس والايرانيين وحزبالله والاسد وواجه داعش وبقي صامداً حتى ابتلع دمشق من ثم كل سوريا بإمكانيات محدودة ، لا نقول هنا بانه استطاع فعل ذلك دون يد امتدت اليه من السماء ، لكن ليس من السهل ان يفعل ذلك اي شخص اخر كان في مكانه حتى وان توفرت لديه امكانيات مضاعفة وظروف اكثر مثالية . هو فعل ذلك من نصف فرصة ونصف ثقة منحت اليه !!
هذا يقلق اسرائيل كثيراً ولا يمر لديها مرور الكرام … كله يوضع في ميزانه وحساباته . لهذا يعتقد نتنياهو انه قد يكرر نجاحه الذي حققه كقائد فصيل في إدارة سوريا وتوحيدها ، وهذا مؤشر خطر لدى الكيان .
بالعموم :
اذا كان الشرع هو مشروع اسرائيلي ، لماذا سحقت اسرائيل خلال الايام العشرة الاولى من سيطرة الشرع على سوريا اكثر من 90% من البنى التحتية العسكرية السورية ؟ قصفت المطارات والمعسكرات والموانئ وكل منشأة يمكن ان تكون نقطة قوة لشيء اسمه الدولة السورية.
اذا كان الشرع مشروع اسرائيلي لماذا تتقاطع رؤية الشرع في بناء سوريا مركزية بقيادة دمشق ، بينما ترفص اسرائيل سيادة دمشق على مجموعة كبيرة من مناطق درعا والسويداء جنوب سوريا وتطالبه بتطبيق فكرة اللامركزية والمناطق منزوعة السلاح ،اذا كان مشروعهم لماذا يرفض لهم هذه الطلبات ؟
الشرق الاوسط الذي يريده نتنياهو هو شرق اوسط مفتت ومقسم ، الى دويلات غارقة بانقسامات داخلية مزمنة . هذه الانقسامات من المفضل ان تكون طائفية ودينية بشرط ان لا تُكرر معها فكرة وجود جماعات مسلحة جديدة ذات قوة مفرطة بحيث حينما تنتهي من صراعاتها الداخلية ،تلتفت لمحاربة اسرائيل ،او على الاقل الحديث عن رغباتها لمحاربة اسرائيل والدخول في محاور ضد هذا الكيان .
احمد الشرع يطرح مشروع كبير في سوريا ، في سوريا فقط وليس كل المنطقة ، مشروع وحدة سوريا ضمن اطار مركزي او شبه مركزي ، جيش وطني جديد جغرافية متماسكة من جديد ،مجتمع يجب ان يخضع للدولة ومؤسساتها ويترك الهويات الفرعية .
هذا الطرح مزعج لإسرائيل وغير مقبول ، اسرائيل لا تريد دول محيطة بها فيها انظمة سياسية قوية وفيها تنمية مستدامة .هذا ما يحاول ان يفعله الشرع الان . ركز على مقولة يحاول ، لم اقل انه فعل ذلك ، قلت يحاول لأنه ودولته يمران بحالة ضعف وتهديد كبيرين ولا يستطيع تهديد اياً من جيرانه حالياً .
نوع احمد الشرع الضعيف حالياً يمكن ان يكون سريع النمو مستقبلاً هكذا يظن الإسرائيليين . الاسرائيليين قيموا ما فعله الشرع من 2011 حتى الان وتحولاته الجوهرية التي توجت بهزيمة ايران وحزب الله وعشرات الفصائل المسلحة الاخرى وكذلك داعش من ثم حجم الروس ، هذا ما تراه اسرائيل بالشرع.
لهذا اسرائيل تريد ان تقضم اكبر قدر ممكن من المكاسب الجغرافية والامنية والاجتماعية داخل العمق السوري .
هي تسيطر على جبل الشيخ امنياً وعسكرياً .
هي تنسق مع الدروز وقسد بقوة لإضعاف مكونات سوريا الاجتماعية والتدافع مع القوى الاقليمية الاخرى.
هي تعمق توغلها في درعا والسويداء وقد تبني مستوطنات وتريد ان تتوغل اكثر وتصل الى المثلث العراقي السوري الاردني .
هي تريد نظام سياسي غير متماسك غير مركزي مشتت عكس الشرع .
هي تريد جغرافية ممزقة عكس الشرع .
هي تريد مجتمع متفكك بدون هوية عكس الشرع .
هي تريد جيش متهالك للطوائف والمذاهب عكس الشرع .
هي تريد تطبيع مع معها بدون تنمية عكس الشرع .
من يعتقد ان التطبيع قد يجعل الشرع جهة موثوقة اسرائيلياً فهو واهم ، لم تعد اهداف اسرائيل الكبرى في المنطقة بان تصطف الدول على بابها لكي تطبع معها وتوقع اتفاقيات سلام . انتهى هذا الزمن يا سادة .
هذه هي رغبات ومطالب اسرائيل من سوريا والشرع الذي قد يقبل بجزء ويرفض جزء اخر !!
لهذا قد يكون الشرع متعب لإسرائيل كونه غير موثوق وقد ينقلب في اي لحظة مهما قدم من تنازلات حتى الان .
على ذلك نقول ان إسرائيل غير مرتاحة له ولا لتنازلاته ولا لضمانات ترامب والاخرين ، اسرائيل لا تريد الشرع الذي يمكن ان ينمو ويقترب من تركيا والخليج ،لذا قد تغتال إسرائيل الشرع في اي لحظة وتصفر الوضع السوري من جديد من اجل تفتيت سوريا.
الدكتور علي اغوان




