1
انعقدت فعاليات مؤتمر الحوار الإيزيدي ـ الإيزيدي على مدار يومي السبت والأحد، المصادفين للثالث عشر والرابع عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، وقد توزعت الأعمال على عدة محاور تناولت قضايا تمسّ المجتمع الإيزيدي في الأوطان والمهاجر. واختُتم المؤتمر بتشكيل كيان إيزيدي يعمل على لمّ شمل الإيزيديين وتمثيلهم بصورة رسمية في المحافل الدولية والأممية والمحلية، بخاصة في دول الغرب (أوروبا، الولايات المتحدة، وسواها من بلدان الشتات).
المبادرة وإطلاقها :
المبادرة صاغها الدكتور خليل جندي رشو، الباحث الإيزيدي والدبلوماسي العراقي السابق. وعند عرضه تصوّره على اللجنة، اقترح أن يشمل المشروع الأوطان والمهجر معا، غير أن اللجنة التحضيرية رجّحت أن يقتصر العمل على المهجر وحده. وبعد مداولات، وافق الدكتور خليل على تعديل الصيغة المقترحة.
اللجنة التحضيرية:
تشكّلت اللجنة التحضيرية منذ اكثر من سنتين بناء على دعوة الدكتور خليل، وضمت ناشطين وأكاديميين ووجوها اجتماعية من إيزيديي العراق وسوريا وتركيا وأرمينيا وبلاد القوقاز، من المقيمين في أوروبا بخاصة ألمانيا، هولندا، الدنمارك، بريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة ودول أخرى.
الأعمال التحضيرية والاختلافات:
امتد التحضير الواعي لما يزيد على سنتين. وكأي عمل جماعي، لم يخلُ وبكل صراحة من اختلافات وشد وجذب، بل تخللته أحيانا خلافات في الرؤى أدّت إلى انسحاب بعض الأعضاء لأسباب إجرائية أو شخصية أو متصلة بأسلوب إدارة المرحلة التحضيرية، وربما حزبية وأقول ربما لكوني لم استشعر على المستوى الشخصي أي نزاع سببه نزعة حزبية. كما شهدت اعمال التحضير انضمام أعضاء جدد، وعزوف آخرين عن المشاركة أو تعليق فعاليتهم دون انسحاب رسمي.
وقد وُجهت أحيانا ملاحظات على البيانات الصادرة، بدعوى عدم انسجامها، أو على تصريحات إعلامية بدت غير متناغمة. ومع ذلك ظل الهدف الأساسي منذ البداية واضحا، والغاية ظهرت جليّة ، تجمع بين من واصلوا العمل حتى النهاية.
وبتعبير ادق:
قد أنضم وسواي من المحضِّرين إلى تبنّي ملاحظات ورؤى وآراء ومؤاخذات يبديها أي مراقب أو حتى معارض على التحضير للمؤتمر، ولا سيما ما يتعلق منها بأسلوب الإعداد وشكله ومضمونه ومستواه، والتمثيل في اللجنة والمؤتمر والكيان المزمع إنشاؤه وطريقة توجيه الدعوات، وشكل التواصل مع النخب الإيزيدية، ومع الأمير والمجلس الروحاني، والجمعيات والشخصيات والناشطين الإيزيديين، وطبيعة العلاقة مع جامعة لايبزيغ بوصفها جهة راعية ـ متنصلة، وطريقة دعوة ضيوف المهجر والأوطان، والنظام الداخلي، وبرنامج المحاور وموضوعاتها وإدارتها، و”الخطوط العريضة”، وسواها من شؤون كثيرة لا تُحصى. قد ندخل في نقاشات حول هذه القضايا، فتتفوّق حجج المنتقدين علينا نحن المحضِّرين، فتُربكنا وتُبطل مبرراتنا كلها لكن :
خصوصية الهوية:
لم تتبنَّ أي ورقة صادرة باسم اللجنة التحضيرية أو بياناتها أو مقابلاتها الإعلامية ما يشير إلى المساس بالهوية الإيزيدية أو الخصوصية التي تميز المجتمع الإيزيدي. ولم تُطرح مطلقا دعوة إلى خرق النظام الطبقي ـ الكهنوتي المتوارث. بل ركّز المحضِّرون على وجع الهوية الإيزيدية في المهاجر، وسعوا بما يملكون من أدوات ومعرفة إلى تشخيص محن الواقع واقتراح الحلول.
والسؤال الملّح: ما الذي عقد العزم عليه؟
1 ـ الكيان الإيزيدي التمثيلي المرتقب:
أجمعت المداولات على أن يفضي المؤتمر إلى تشكيل “كيان تمثيلي جامع” عابر للحدود، يشمل الإيزيديين في أوروبا والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها. ويُتفق على اختيار مسمى مناسب له، وتناط به مهام أساسية أبرزها: تعزيز الهوية الإيزيدية في المهجر، الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، مساعدة أبنائهم على الاندماج المتوازن، إعداد خطط وبرامج تحول دون ذوبانهم، والدفاع عن قضيتهم في المحافل الدولية والأوروبية والأممية. كما يُنتظر أن يساهم في دعم إعادة إعمار شنكال والمناطق الإيزيدية الأخرى المنكوبة بالإبادة، وقيادة إصلاحات داخلية ملحّة.
لكن أي إصلاحات ؟.
الإصلاحات المنشودة:
رغم ان مفردة “الإصلاح” أثارت جدلا واسعا بل قوبلت بحساسية كبيرة، إذ عدّها الرافضون مدخلا للتشكيك في نوايا المؤتمر والمحضرين والمؤتمرين غير أن الأوراق الختامية وما يسبقها من اصدارات أوضحت أن الإصلاح يعني:
ـ توسيع المجلس الروحاني ليشمل ممثلين من شنكال وسوريا وتركيا وأرمينيا وسائر مناطق الوجود الإيزيدي.
ـ حثّ الإيزيديين على العمل المؤسساتي للتخلص من الفردانية والعشوائية وفوضى تعدد المرجعيات.
2 ـ مجلس أو هيئة دينية في المهجر:
ناقشت التحضيرات أيضًا فكرة تشكيل هيئة دينية ـ أو روحانية ـ تُعنى بشؤون الإيزيديين في المهجر، وتعمل على إيجاد حلول مناسبة بالتنسيق مع المجلس الروحاني في الوطن (العراق) .
والسؤال المُلّح ههنا:
هل في كل ما سبق أي إشارة صريحة أو ضمنية إلى النيل من الهوية الإيزيدية أو خصوصيتها المميّزة؟ وهل يمكن استنباط مقاصد ـ ولو عابرة ـ لإلغاء النظام الطبقي المتوارث منذ قرون؟ أم أن إشاعة ذلك لم تكن سوى صناعة مفتعلة تقف وراءها غايات لا يعلمها إلا مروّجوها؟
ما الذي حدث إذن؟ ولماذا انتفض المنتفضون بهذه الحدّة التي اقترنت بالعنف ضد مؤتمر الحوار الإيزيدي؟
في الواقع والتفاصيل:
اختلطت الأيديولوجيا هنا بالمصالح الشخصية، وتداخل القلق على الوجود مع نزعة التسقيط ، فيما لعب المزاج الفردي دورا بارزا في تأجيج ما وقع:
ـ فقد بادر بعض دعاة ما يُصطلح عليه بـ”التيار القومي الإيزيدي” إلى رفض الدخول في الحوار ما لم تتقدّم النزعة القومية على سواها، فأطلقوا “حروبا تيك-تُوكية”، وأجّجوا “عداوات فيسبوكية”، وألهبوا “معارك دونكيشوتية” راحت تتأرجح بين الدين والدنيا منذ اللحظة الاولى لانطلاق اعمال اللجنة التحضيرية.
ـ كما ساهمت الخصومات الشخصية مع بعض أعضاء اللجنة التحضيرية في اذكاء الصراع ؛ إذ وجد خصومهم ضالتهم في الطعن المباشر او بالوكالة في شخصياتهم ومؤهلاتهم، بل وحتّى في أعراضهم، وقد تفنن هؤلاء ببهلوانية غير مسبوقة في قلب الحقائق وتشويهها، بقصد تعبئة المجتمع الإيزيدي وتأليب الرأي العام ضد المؤتمر. ولأجل ذلك استندوا إلى بعض الهفوات الشكلية أو الموضوعية التي شابت أعمال التحضير او الى أفكار لم تُعتمد أصلا ليحولوها الى مدخل لحربهم الشعواء.
ـ وجاهر بعضهم بالخصومة لمجرّد عدم إشراكهم في الأعمال التحضيرية أو دعوتهم إلى المؤتمر.
ـ كما جرى التغرير ببعض الشرائح المجتمعية، وإقناعها على خلاف الحقيقة بأن المؤتمر يستهدف “الإصلاح”، وقد فُسِّر الإصلاح تجنيا هنا على أنه نسف للنظام الطبقي الكهنوتي. واستطاع المناوئون ان يوهموا فئات كثيرة من الايزيديين عبر التدليس والدسائس الاحتيالية ويستعينوا ببعض من ذوي السوابق الجنائية، والمشرّدين (Penner)، والمهمّشين، بل ومدمني الكحول والمخدّرات من الإيزيديين المقيمين في ألمانيا، للانخراط في المظاهرة المناهضة.
لكن، ورغم كل ما أُثير او قد يثار من ملاحظات عديدة بشأن مضامين الجلسات الحوارية في يومَي الثالث والرابع عشر، سواء ما تعلق بضعف إدارتها أو بعدم العدالة في استغلال الوقت أو بسوء توزيع فقرات البرنامج، فإنني أعتقد أنّ المؤتمر قد نجح، في نهاية المطاف، في إرضاء جمهوره ومتابعيه عبر الشاشات وأدّى، بوجه من الوجوه تاليا، رسالته المتوخّاة.
يتبع <<
اشارة@ : الفصل القادم في مظاهرة هانوفر والمعارضة



