Homeاراءتورن فيلم سينمائي قصته تنبض بذاكرة الايزيديين : ب. د. خالد محمود...

تورن فيلم سينمائي قصته تنبض بذاكرة الايزيديين : ب. د. خالد محمود خدر

مساء يوم الاثنين 29 ايلول 2025، وبدعوة خاصة من المخرج السينمائي نوزاد شيخاني، تشرفت بحضور العرض الخاص لفيلمه “تورن: العودة للجذور”، النسخة النهائية 2025 في قاعة مديرية الثقافة والفنون بقضاء سيميل ، التابع لمدينة دهوك، بحضور نخبة من المهتمين بالشأن الفني والايزيدي.
وقبل هذا العرض للفيلم ،عرض مرتين ، الاولى في قضاء سنجار /ناحية الشمال/ سنوني ، يوم الخميس المصادف 2025/9/25 على المسرح الروماني -بيت التعايش ، والثانية يوم الأحد المصادف 2025/9/28 في مدينة عين سفني ، مركز قضاء الشيخان ، قاعة مركز الشباب.

الفيلم كان بحق لوحة انسانية صادقة، جسد فيها المخرج معاناة الايزيديين عبر تاريخ مثقل بالابادات المتكررة، وكشف في الوقت ذاته حجم الخطر الذي يهدد وجودهم اليوم، لا بالمجازر وحدها، بل بذوبان الهوية في مجتمعات الاغتراب والهجرة.

يروي الفيلم قصة الناجين الإيزيديين الذين فرّوا من المجازر ليبحثوا عن أوطان بديلة تحميهم، ويركز على قصة ثلاثة أجيال: “تورن”، الجد، والإبن، وتورن الحفيد من عائلة إيزيدية لجأت إلى جورجيا بعد نجاتها من مذبحة الأرمن على يد القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، يتتبع الفيلم رحلة “تورن” الحفيد، رسام شاب ممزق داخليا، يصارع مرضا خطيرا وهوية متصدعة.

قصة حب مع الطبيبة “إيكا” تمنحه ملاذا نفسيا من عزلته القاسية. مستلهما من حكايات أجداده، وقوة صمودهم، يبدأ تورن في إدراك أثر صدمة الإبادة الجماعية في ذاكرة عائلته، لينطلق في رحلة للبحث عن الذات والانتماء، والرغبة في العودة إلى الجذور عبر الفن والحب.

مع اشتداد المرض، يتعمّق صراعه الوجودي بين الحياة والموت، مما يجعله نسخة معاصرة من هاملت في رواية شكسبير: “أكون أو لا أكون”.

لكن حين تقرر العائلة العودة إلى أرض الأجداد، تنقلب الرحلة إلى مأساة، إذ يواجهون موجة جديدة من الإبادة الجماعية، هذه المرة على يد داعش.

لقد اراد الفيلم ان يقول للاجيال ان التمسك بالجذور هو صمام الامان للهوية، وان الانسان بلا جذور يفقد ملامحه ووجوده.

كم تألمت امام قسوة الحقيقة التي حملها الفيلم، لكنني في الوقت نفسه شعرت بفرح غامر لعمق رسالته. لقد استطاع المخرج الكبير نوزاد ان يقدم للعالم، بلغة سينمائية راقية ورسالة انسانية مؤثرة، قضية باكملها: قضية الاقليات الدينية والقومية ، وضرورة الحفاظ على الهوية في مواجهة الاندثار.

ويزداد اعتزازي بالاخ العزيز نوزاد، وهو يحصد ثمار جهده بجوائز وشهادات تقدير مرموقة في مهرجانات سينمائية عالمية من امريكا، إلى الدول العربية واسيا وافريقيا مرورا بأوروبا، حيث يحضر تارة كمخرج مشارك، وتارة اخرى كمحكم للافلام في المهرجانات السينمائية الدولية. وقد اكد من خلال مسيرته ان السينما قادرة ان تكون صوت المقهورين وذاكرة الشعوب.

ولا غرابة في كل ما اشرت اليه ، والمخرج الكبير نوزاد هو نجل الكاتب والباحث بالشأن الايزيدي والقامة الثقافية الاخ والصديق المرحوم محمود شيخاني ابو آزاد الذي كرس سني حياته ، منذ بداية السبعينات وحتى هجرته إلى ألمانيا أواسط التسعينيات ، لتوثيق التراث الايزيدي ، في مدينته عين سفني وبقية المناطق الايزيدية ، من عادات وتقاليد وتراث مجتمعي وديني عبر صور وفيديوهات اعدها وأشرف عليها بنفسه عدا ما كان يمتلكه من مكتبه بهذا الخصوص وغيره تحوي الكثير مما يفتقر إليه الباحثون والمهتمون حاليا بالشأن الايزيدي.

اللافت ان نوزاد شيخاني بدأ مسيرته كمهندس مدني قبل ان يشق طريقه نحو الاخراج السينمائي، فقد كان احد طلابي في قسم الهندسة المدنية بجامعة صلاح الدين – اربيل في منتصف الثمانينات، قبل ان يقرر ان يحمل هموم شعبه وقضاياه الى الشاشة الكبيرة.

ولذلك فان حضوري لهذه الامسية السينمائية لم يكن مجرد تلبية لدعوة، بل كان وقوفا امام تجربة فنية تشعرنا بالفخر، خاصة ان هذا العمل جاء بتمويل شخصي كامل من المخرج، الذي انفق مالا ضخما كان من الممكن أن يستبدل الفيلم بقصور له، من دون ان يتلقى اي دعم لا من مؤسسات ايزيدية ولا من جهات فنية داخل العراق او خارجه.

لقد كان تورن اكثر من فيلم؛ كان شهادة بصرية، ورسالة وفاء للجذور، ونداء للاجيال بان الهوية لا تشترى ولا تستعار، بل تصان بالذاكرة والتمسك بالجذور من ارض و مقدسات.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular