وميض في العتمة : كفاح الزهاوي

أربع قصص قصيرة جًدا
مقدمة

فبرك، يبقى للكتابة دورها في كشف ما وراء الصورة.

في زمٍن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، وُتروى القصص كما ُت
هذه أربع ومضات، ال تطلب من القارئ تصديقها، بل تأملها. فيها من الشجن ما يالمس الحب حين يخفت، ومن
السخرية ما يفضح الزيف، ومن الرجاء ما يتشبث بالحياة ولو بقشة، ومن األلم ما يفضح خيانة الوطن حين ُيباع
وُيدفن.
ليست هذه القصص إجابات، بل إشارات. وميض في عتمة الواقع، حيث ال ينطفئ الضوء تماًما، لكنه ال ُينقذ أحًدا من
الظالم.

.1 قشة الحياة

ا يتشبث به القلب وسط العواصف.
ًط
حين يصبح األمل خي
كانت العواصف المتوارية تجتاح مدينة أفكاره دون استئذان، فتغرق قصائد آماله بمياه الحزن، مه ًًمّدا جدران أفقه،
حاجًبا عنه مديات رؤيته، كأن ضباب الليل يخفي حقيقة زيارة الريح؛ وفي غمرة الفوضى المفتعلة، تنتفض التعاسة
من جوف الذكريات، فتطفو آنّيها على هامات القدر، ممسًكا بقشة الحياة كي ال تهوي في هاوية النسيان.

.2 عتمة وردية

بقايا الحب حين يخفت النور وال تنطفئ الذكرى.
تالشت هالة الشوق تدريجًيا، حتى ابتلعتها دوامة النسيان؛ وفي األفق، بدأت عتمة وردية تتسلل بخفة، تشوش صفاء
السماء دون أن تطفئه. لم تكن تلك العتمة وليدة فراغ، بل امتداًدا لخبو نو ٍر كان يوًما ساطًعا، ذلك النور، الذي حمل
ا، لم يكن سوى ظالل ذكرى تتشبث بما تبقى

مكامن الشوق والعاطفة، أبى أن ينطفئ بالكامل. فترك خلفه توهًجا خافًت
من الضوء.

.3 الصفعة األخيرة

حين ُتصفع الحقيقة، ال الوجه
حدث هذا في الخيال، والطائرة ما زالت جاثمة على أرض المطار.
صفعتها المضيفة، فاهتزت الكاميرا. ال صراخ، فقط نظرات تتبادل االتهام، واألغرب: لم يعترض أحد.
ثم قيل إنها قصة حقيقية، وأن الراكبة تملك الطائرة.

لكن أحًدا لم يسأل:
كيف صعدت بال تذكرة؟
كيف جلست بال إذن؟
كيف صمت الكابتن؟
وكيف بقيت المضيفة في وظيفتها.
الصفعة لم تكن على الوجه، بل على المنطق.
وفي زمن القصص المفبركة، كل شيء ممكن…
إال الحقيقة.

-4 غروب الوطن المحترق

في قيلولة الشفق، رأيت الحرائق تمتد بال نهاية. الذكريات طفت على بحٍر من األلم، والحلم تسّلق كتفي كالشبح.
ناداني صوٌت من جوف الفراغ: “هل نسيتهم؟”
نظرت إلى قدمي المغروستين في األرض، كأنهما ترفضان الرحيل. الصدى يخجلني.
نعم ــــ تضحياتهم ذهبت هباًء، واللصوص يتربعون على العدالة.
حينها فقط، أدركت أن الوطن ال ينزف… بل ُيدفن.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت