كنت قد وعدت ان كتب عن كل معلم من معالم مدينتي ئينسفني وها انا اعود اليكم ثانية لاقارن الحقيقة بالاسطورة واستحضر تاريخ تلك المعالم واثرها في الذاكرة والوجدان
في كل مدينة ذاكرةوفي كل ذاكرة عبق من حنين لا يشيخ غير ان هناك مدنا تبقى استثناء في حضورها وخلودها لانها تتجاوز حدود الجغرافيا لتغدو اسطورة حية تنبض بين الحلم والحقيقة ومن بين تلك المدن تبرز ئيسفنى المدينة التي تتعانق فيها الشمس بالارض وتمتزج فيها الحقيقة بالاسطورة في لوحة تمتد بين الضوء والظل بين الماء والسماء بين الذاكرة والوجدان
في ئيسفنى معالم مندثرة واخرى شاخصة هي فصول من حكايات واساطير من معالمها ( كرى كرخى )(وكرمبارك ) ربوتان تلوحان كصفحتين من كتاب قديم لا يمل القارى تامله فـ كرى كرخى واسطورة الاهالى حول المدينة المطمورة
بين الأسطورة والحقيقة يبرز (كرى كرخى) الاسم مركب من مقطعين يعني الربوة القديمة اذ تشير كلمة (كرخ )في اللهجاتنا المحلية إلى القِدم اذ يقال (كرخبو) والكلمة كرخ وهو امتداد لجذور عريقة في اللغة الاراميه القديمة حيث تعني كلمة كرخا (المدينة المسورة)ربما احتضنت گرێ کرخی في الماضي مدينة صغيرة مطمورة بينما تحكى روايات الأهالي المستمدة من الاسطورة القديمةعن مدينة مطمورة تحت الأرض في موضع كري كرخى المدينة كانت عامرة بالحياة والعمران حتى طمرتها الارض فجاة بفعل قوة غامضة أو عقاب سماوي كما تقول الحكاية ان بين أنقاضها دافئن يحرسها ديك ذهبي لا يظهر إلا في الليالي معينة حين يسود السكون فيذكر الناس بما اندثر من مجد تلك المدينة الغابرة
ويرى كبار السن ان هذه القصة ليست مجرد خيال بل فيها شيء من الحقيقة التي تناقلتها الاجيال لتبقى جزءا من ذاكرة المكان واساطيره شاهدة على عمق الموروث الشعبي وسحره في تفسير ما تخفيه الارض من أسرارايضا تاركة شواهد ودلائل مادية من فخاريات وبقايا أساسات مباني ما زالت تقاوم النسيان الى اليوم فيما لم تمتد إليها يد التنقيب ليبقى (كرى كرخى ) شاهدا صامتا على زمن غابر تتداخل فيه الذاكرة بالحلم والأسطورة بالحقيقةومن معالم ئينسفنى كرمبارك
اما كرمبارك فهي الأخرى تحمل في اسمها قداسة الحكاية
فالاسم بحسب الجذر الارامي يتكون من مقطعين (گر)اي الربوة و(بارك)اي المبارك المقدس او المحمي ومن هنا فان معناها الكامل في الاراميه هي ( الربوة المقدسة المحمية) أو المباركة اختصارا
ويروي اهل المنطقة عبر حكاياتهم ان طوفانا عظيما اجتاح المنطقة منذ ازمان بعيدة انبعث من كاني مهركا – وهو ينبوع ماء في ئيسفنى ذلك الينبوع الذي ارتبط اسمه بقصة سفينة النبي نوح عليه السلام ومنها استمد ئيسفنى اسمها وتضيف الحكاية ان فتاة باكرة حين غمرت المياه الارض صعدت الو تلك الربوة تتضرع إلى الله قائلة
كرمبارك … مبارك
فكانت كلما رددت كلماتها ارتفعت التلة قليلا حتى أنقذها الله من الغرق لتبقى شاهدة على الإيمان والخلاص وعلى لحظة جمعت بين الخوف والرجاء
مدينتى
ئيسفنى ذاكرة الخلاص هكذا هي مدينة تختلط فيها الاسطورة بالحقيقة تتعانق فيها الارض مع الشمس تروى حجارتها قصص الأجداد بصمت مهيب مدينة لا تعرف الفناء لان روحها ممتدة في كل من احبها
ولانها حملت في اسمها معنى الحياة وبدايتها منها أبحرت سفينة الخلاص ومن ينابيعها تفجرت الحكايات الاولى للانسان والارض وكانها تقول للاجيال ان في هذا التراب سر الوجود وفي هذه المدينة الصغيرة عالما من السحر والقداسة والخلود انه ئيسفنى مدينة الأساطير التي تظل تنبض في القلب وتستحق ان تروى للابد

