شهدت الساحة السياسية السورية تطورًا لافتًا في الآونة الأخيرة، مع زيارة أحمد الشرع، الرئيس المؤقت للقصر الجمهوري في دمشق، والتي اعتُبرت من قبل االكثيرين "زيارة تاريخية". ولكن هل فعلاً يمكن وصفها بهذا الشكل؟ وهل تتعدى هذه الزيارة كونها مجرد حدث سياسي عابر، أم أن لها دلالات أعمق تشير إلى تغييرات جذرية في السياسة السورية والعلاقات الدولية؟
أحمد الشرع، الذي كان يُعتبر في الماضي من المعارضين للنظام السوري، ومطلوبًا دوليًا بسبب ارتباطاته بتنظيمات
إرهابية واتهامه بارتكاب جرائم حرب، وجد نفسه في فترة معينة في موضع تفاوضي مع القوى الدولية. فبعد أن كان الشرع ملاحقًا من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، التي وضعت مكافأة بقيمة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، نجد اليوم هذا الرجل يقبل شروطًا أمريكية تُعتبر من وجهة نظر البعض تنازلًا كبيرًا
في تطور غير متوقع، يقبل أحمد الشرع بأن يُرفع اسمه من قوائم الإرهاب، وهو ما يعكس تحولًا في موقفه السياسي بشكلٍ لافت. وقد بات من الواضح أن الشرع يتبنى الآن سياسة مرنة، قد يُنظر إليها على أنها خطوة تكتيكية لضمان بقائه في اللعبة السياسية، أو ربما محاولة للبقاء على رأس السلطة في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية المعادلة التي تطرحها زيارة أحمد الشرع قد تكون معقدة. فهل هي مجرد قبول لشروط وضغوط أمريكية من أجل الحصول على الشرعية الدولية والبقاء في السلطة؟ أم أن هناك حسابات سياسية أعمق تلعب دورها في هذه التغيرات؟ ما هو واضح أن الشرع قد وافق على التنازل عن الكثير من مواقفه السابقة، وهو ما يعكس واقعًا مريرًا في السياسة السورية، التي لم تعد تحكمها المبادئ الأيديولوجية بقدر ما تحكمها الاعتبارات التكتيكية التي تفرضها القوى الدولية والإقليمية إذاً، زيارة الشرع قد تكون خطوة على الطريق نحو إعادة تأهيله دوليًا، خاصة في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدتها السياسة الأمريكية تجاه النظام السوري في الآونة الأخيرة. ولكن السؤال الأهم يبقى: هل سيُثمر هذا التنازل عن قوة سياسية في الداخل السوري، أم أنه سيكون مجرد خطوة سياسية لتهدئة الأوضاع مع الخارج دون أي تأثير حقيقي على الواقع السوري؟ من الجوانب الأكثر إثارة للدهشة في هذه الزيارة هو غياب أي اعتراض روسي، وهو أمر يُعتبر غير تقليدي بالنظر إلى الدور التاريخي الذي كان تلعبه روسيا في دعم النظام السوري السابق. روسيا، التي لطالما استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية النظام السوري من أي تدخلات دولية، لم تتخذ أي خطوة معارضة للمفاوضات المتعلقة برفع اسم الشرع من قوائم الإرهاب
هذا الصمت الروسي قد يثير تساؤلات حول تغيرات في استراتيجية موسكو تجاه الأزمة السورية، أو ربما يكون جزءًا من تنسيق أكبر في إطار تفاهمات دولية جديدة. قد يكون هذا الصمت مؤشرًا على توافق ضمني بين روسيا والولايات المتحدة أو حتى توافق مع بعض القوى الإقليمية الأخرى حول مستقبل سوريا، على الرغم من التناقضات الواضحة بين هذه الأطراف في الماضي في النهاية، يصعب الجزم تمامًا بما إذا كانت زيارة أحمد الشرع حقًا "تاريخية" بالمعنى التقليدي للكلمة، أم أنها مجرد محطة ضمن سلسلة من التنازلات والمساومات التي أصبحت السمة الرئيسية للسياسة السورية في السنوات الأخيرة. ما هو مؤكد أن هذه الزيارة تكشف عن تحولات عميقة في العلاقات الدولية، وتحمل في طياتها إشارات على أن الساحة السورية قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة، رغم أن كثيرًا من المعطيات تبقى غامضة الواقع السياسي السوري اليوم لا يمكن فصله عن التغيرات في النظام الدولي، فكل خطوة سياسية تتخذها دمشق، سواء كانت قبولًا بشروط أمريكية أو توافقًا مع موسكو، ليست إلا جزءًا من رقعة شطرنج أكبر. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون هذه التحولات مفيدة للشعب السوري، أم أن النظام سيظل أسيرًا للعبة السياسية التي تفرضها القوى الكبرى؟
حسين سينو
12.11.2025

