Homeاراءالمثقف الحقيقي والإصلاح الثقافي الإيزيدي بعد الإبادة ح2 والأخيرة : د. خليل...

المثقف الحقيقي والإصلاح الثقافي الإيزيدي بعد الإبادة ح2 والأخيرة : د. خليل جندي

رغم أني لا أميل كثيراً إلى استخدام كلمة (الحقيقي والحقيقة) كونها (أي الحقيقة) مسألة نسبية، فلا توجد حقيقة مطلقة، وان الشيء الذي أعتبره حقيقة، ربما تكون عند شخص آخر نصف الحقيقة، أو الباطل بعينه. لذا أحبذ استخدام: المثقف المُتَزِن، أو الواقعي، أو ضمير المجتمع، بدل المثقف الحقيقي.

فالمثقف الايزيدي المُتَزِن (ضمير المجتمع) في الوضع الإيزيدي الحالي، هو أحد المفاتيح الجوهرية لعملية الإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي بعد الإبادة، لأن المجتمع الايزيدي المثقل بـ (الفرمانات)، النزوح، التهجير والاغتراب، يحتاج اليوم إلى نخبة مثقفة تمتلك الوعي النقدي والمسؤولية الأخلاقية، وليس إلى أصوات تسعى وراء الشهرة أو النفوذ. ولا تكون وظيفة هذا المثقف تمجيد المرؤوسين وتبرير أخطائهم وظلمهم. إجمالاً المثقف اضمير المجتمع، هو الذي لا ينفصل عن هموم الناس اليومية، بل يسعى إلى ترجمة أفكاره إلى مشروع تنويري وعملي لبناء وعي مجتمعه.

من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تعريف دور المثقف الإيزيدي بوصفه فاعلاً نقديًا وتنويريًا يعمل على تفكيك النفايات الثقافية والاجتماعية التي تراكمت عبر القرون من العزلة، ويسهم في بناء هوية جديدة تتوازن فيها مع الحداثة.

فالإصلاح الحقيقي يبدأ من تحرير العقل الإيزيدي من الخوف ومن سلطة التقاليد المتصلبة، والتخلص من عقدة التشبث بالماضي، وعدم معاداة العلم، حيث إن كل شعب يريد أن يرسم له مكاناً على خريطة العالم المعاصر، لا بدّ له أن يحترم أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به. والتفكير العلمي، كما يقول الدكتور فؤاد زكريا، “ليس فقط حشد المعلومات العلمية، أو معرفة طرائق البحث في ميدان معين من ميادين العلم، وإنما هو طريقة في النظر إلى الأمور تعتمد أساساً على العقل والبرهان المقنع بالتجربة أو الدليل..” فلا سلطان على العقل غير العقل نفسه. وان تاريخ العقل هو تاريخ إزاحة الأساطير والسحر والشعوذة عن العالم. وهذا العقل هو الذي يقودنا إلى تأسيس فضاء فكري مفتوح للحوار والتجديد والإبداع وهذا العقل يجب أن يكون مرجعنا نحن جميعاً.

يقف المثقف الايزيدي في وقتنا الحالي بين نارين؛ فهو وريث لتراث محمل بالخوف والرعب والخرافة والاسطورة من جهة، ومطالب منه أن يواكب تطورات العصر، والتحولات الفكرية والاجتماعية ما بعد العولمة، وما بعد الإبادة من جهة أخرى.

نعم يقف المثقف الايزيدي عند مفترق تاريخي، تجاذبه قوتان متناقضتان؛ الأولى: الذاكرة الجماعية/أو الجمعية التي تشكلت عبر قرون من المعاناة والفرمانات، والثانية: الحداثة والعولمة بما تمثلانه من قيم الحرية والعقلانية والتفكير النقدي. ولهذا تراه يعيش في دوامة أزمة تتأرجح بين الوفاء لذاكرته الجمعية التي تعتبر خزان هويته وخصوصيته الدينية والثقافية، ترفض التغيير وتمنع التجديد، وبين السعي ومواكبة التحديث، بحيث إن الاندفاع غير المنضبط نحوها قد يؤدي إلى اغتراب ثقافي يفقد الفرد جذوره.

لذلك، فإن التحدي الذي يواجه المثقف الإيزيدي ليس في الانتماء إلى الماضي أو القطيعة معه، بل كيف يمكن أن يعيد بناء العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الأصالة والحداثة؟ وكيف يبني “جسراً” من المعرفة والوعي يصل بين التاريخ الماضي والراهن، لا “جداراً” يحتمي خلف الأسطورة والتقاليد البالية؛ بمعنى أن تكون وظيفة المثقف الايزيدي الأساسية هي تحويل الذاكرة المثقلة بالآلام والمظالم إلى طاقة للنهضة ومنبع للوعي الجماعي والإبداع.

يجب أن يدرك المثقف الإيزيدي المؤمن بالتطور، أن مقاومة الإبادة لا تكون فقط بالسلاح أو السياسة، بل أيضًا بالمعرفة وتنمية الوعي والنقد البناء. وان كل محاولة لتفكيك أسس الخوف والاسطورة والعادات المعرقلة للتطور والتي عفا عليها الزمن، تمثل خطوة نحو مقاومة “الإبادة الرمزية” التي تلت الإبادة الجسدية.

من هنا فإن مشروع الإصلاح الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والإداري.. الخ، الذي دعا، ويدعو، اليه العديد من المثقفين الإيزيديين المعاصرين، يقوم على فكرة محورية: أن التحرر يبدأ من الوعي، وأن الوعي لا يتشكل إلا في الفضاء الثقافي الحرّ الذي يكرس النقد والمساءلة بدلاً من التبجيل والانغلاق والبكاء على الأطلال. بمعنى إن مشروع إصلاح الواقع الإيزيدي، سواء في الداخل أو في المهجر، لا يمكن أن يتحقق من دون تحرر الوعي الثقافي وإعادة بناء دور المثقف بوصفه الضمير النقدي للمجتمع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من المؤسسات الدينية أو السياسية فحسب، بل من إعادة تشكيل العقل الجماعي وتحريره من “النفايات الثقافية” التي تحدث عنها الكاتب مراد علو سليمان، أي من أنماط التفكير التقليدي، والانتماء إلى تبعية عمياء.

يحتاج المجتمع الإيزيدي اليوم إلى مثقف جديد؛ مثقف يؤمن أن المعرفة فعل ومقاومة وتحدي، وأن الكتابة ليست ترفاً، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. مثقف يوازن بين الوفاء لهويته الروحية والانفتاح على القيم الإنسانية الكونية. فبينما تعرّض الجسد الإيزيدي للإبادة في معقلها شنكال، فإن الخطر الأكبر الآن هو الإبادة الرمزية، أي محو الذاكرة والوعي. من هنا، يصبح المثقف “ضمير المجتمع” هو من يقاوم النسيان بالوعي، والتقليد بالتجديد، والفرقة بالحوار.

إن الإصلاح الاجتماعي والسياسي لا ينفصل عن الإصلاح الثقافي والمعرفي، فهما وجهان لعملية تاريخية واحدة تهدف إلى إعادة الاعتبار للإنسان الإيزيدي كفاعل ومالك لمصيره، لا كضحية فقط. لذلك، فإن أي مشروع نهضوي مستقبلي يجب أن ينطلق من قاعدة فكرية واضحة تؤكد أن المجتمع لا يُبنى إلا بالعقل، والعقل لا يُثمر إلا في مناخ من الحرية والنقد والمسؤولية المشتركة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular