الأحد, مارس 15, 2026
Homeاراءفي انتخابات مجلس النواب 2025: امال الايزيديين وقعت على ثلاث مهندسين...

في انتخابات مجلس النواب 2025: امال الايزيديين وقعت على ثلاث مهندسين شباب من ابنائهم:ب. د. خالد محمود خدر

في صباح الثلاثاء الماضي المصادف اليوم الحادي عشر من تشرين الثاني 2025، كتبت الايزيدية سطرا جديدا في تاريخها الطويل مع الالم والصمود. لم يكن فوز ثلاثة من ابنائها بمقاعد في مجلس النواب حدثا انتخابيا فحسب، بل كان حدثا اشبه بومضة ضوء شقت ظلام سنوات ثقيلة، سنوات حاولت فيها الابادة ان تطفئ وجودهم، وان تمحو من الأرض اسما عاش على ارض الرافدين منذ فجر التاريخ.

كان صباحا خطّ ابناء الايزيدية صفحة جديدة في سجل المشاركة الوطنية ، بعدما تمكن ثلاثة مرشحين من الفوز ضمن ثلاث قوائم مختلفة. كان ذلك مشهدا لم يجسد تنوع الصوت الايزيدي واتساع حضوره السياسي، قدر ما جسد حملة لقضيته الكبرى بعنوان احدى القوائم بعد ما تعرض له هذا المكون من حملة ابادة ارادت اقتلاعه من أرضه وإنهاء معتقده ووجوده. ليمكن القول بعدها أن ظهور قائمة أيزيدية تحمل اسم القضية الايزيدية وهمها علامة جديدة فارقة أسست لشعور موحد جديد يجد ان الهم والوجع لا يحمله غير من عاش وزره وتحمل تبعاته.

ثلاثة وجوه شابة، جاءت من سنجار وبوزان ، لكنها تحمل في القلب حكاية وطن كامل، وقبله حكاية مكون جرى استهدافه في جذوره وهويته وارضه وانسانه ، ومع ذلك، وقف، كما يقف الجبل حين تهب الرياح من كل صوب لتنزيل عنه اشجاره الشامخة ووروده الجميله.
وسيكون حديثي عنهم يتناول سيرتهم الشخصية والمجتمعية بعيدا عن السياسة.

فاز المهندس مراد اسماعيل، ابن سنجار، عن قائمة القضية الايزيدية، محققا ثالث أعلى الأصوات في محافظة نينوى. وهو انجاز نوعي يعكس ثقة الناس برؤيته وتاريخه ونزاهته. جاءت هذه الثقة من مواقفه منذ الايام الاولى لجريمة الابادة، إذ كان في الولايات المتحدة حينها، فترك عمله وعائلته ليكرس كل وقته لنصرة اهله المنكوبين الذين تركوا عزلا في مواجهة مصير قاس. حمل قضيتهم وثقل ابادتهم إلى المنابر الدولية، فعرف العالم ، بشعوبه وحكوماته، ما تعرض له اهل سنجار من قتل وسبي وتهجير على الهوية الدينية. واستمر في عمله الدؤوب حتى اقرت حكومات عديدة بان ما جرى للايزيديين كان ابادة جماعية. وخلال ذلك، اوصل السيدة نادية مراد الى المنابر الدولية ، بدءا من مجلس الامن ، لتكون شاهدة على الفظائع التي طالت الفتيات والامهات، واستمر معها حتى فازت بجائزة نوبل.

مراد اسماعيل، ابن سنجار، كان اول الضوء. لم يعرف الراحة منذ اللحظة التي وقعت فيها الكارثة على أهله. كان بعيدا ، كما اشرت ، فترك عمله ليعود الى الجرح، ليقف وسط الركام، وليجمع شظايا الحقيقة ونقلها إلى العالم. حمل المأساة على كتفيه، وصوت المختطفات السبايا في قلبه ، حتى عرفت حكومات الدنيا ان ما جرى في سنجار لم يكن حربا، بل محاولة طمس لارث كامل. ومع السيدة نادية مراد، سار كما اشرت في طريق طويل، حتى بلغ صوت سنجار منصة نوبل.

لم يكن ترشيح المهندس مراد اسماعيل للبرلمان سعيا الى مقعد او امتياز، بل ايمانا بان المجلس منبر تشريعي يمكن عبره الدفاع عن حقوق الايزيديين وتحقيق على الاقل الحد الادنى من العدالة التي حرموا منها.
لم يرشح مراد نفسه ليجلس تحت قبة البرلمان، بل ليواصل حمل تلك الامانة الثقيلة التي لم يضعها عن كاهله يوما منذ أيام الإبادة.
وبالمناسبة سبحسب له تشكيل قائمة أيزيدية تحت عنوان القضية الايزيدية التي استطاعت ان تجد لها مقعدا في البرلمان وهي لازالت قائمة فتية بإمكانات مالية فردية قليلة جدا. قائمة استطاعت ان تجد صدى واسعا بين الايزيديين في مختلف مناطق نينوى، خصوصا بين جيل الشباب في سنجار الذي بدأ يدرك معنى التنظيم والتمثيل الحقيقي.

اما المهندس خالد سيدو، ابن سنجار ، فقد فاز بمقعده ممثلا عن كوتا الايزيدية. وهو شاب عرفت عائلته ساحات الصمود بوجه الغزاة الدواعش قبل ان تعرفه صناديق الاقتراع.
كنت اتمنى ان لا يحصل تنافس سياسي او مناطقي على مقعد الكوتا لانه باختصار مقعد يمثل صوت مكون وقضية ابادته وآماله بالنهوض.
وبخصوص المهندس خالد ، فإن عائلته عرفت دور المقاومة قبل السياسة. فقد كان والده احد قادة المقاومة الايزيدية في جبل سنجار ضد تنظيم داعش، وصمد حين سقطت مدينة سنجار وجميع المجمعات السكنية ، وبقي مقاوما على سفوح جبل سنجار حين تراجع الكثير. قاتل مع رجال وقفوا بين الارض والعدم، وكتبوا بدمهم وصمودهم طريق العودة. ولا تزال سنجار تحفظ اسماءهم كما يحفظ الاب الأمل الأخير في قلبه.
عاش المهندس خالد هذه المأساة لحظة بلحظة، رغم انه كان طالبا جامعيا عند وقوع الابادة، لكنه اختار مع دراسته الوقوف بجانب والده واهله اجمعين ، فهو ابن الجبل الذي لم ينحن، هو ابن مقاومة قبل ان يكون ابن سياسة ، ومن هذا المنطلق يكون حديثي عنه.

وجاء الفائز الثالث المهندس بسمان سمو بوزاني عن قائمة اتحاد اهل نينوى ، ابن قرية بوزان التابعة لناحية القوش. قدم نموذجا لنجاح الشباب في الادارة عبر عمله كمدير بلدية رغم حداثة سنه، وأثبت قدرة واضحة على تحمل المسؤولية، مما دفع الكثيرين إلى انتخابه ليمثلهم في البرلمان بثقة.
المهندس بسمان يمثل نموذج لجيل جديد شق طريقه بالعمل والاجتهاد، واثبت قدرته في الادارة وتحمل المسؤولية، ودخل الانتخابات بثقة مستحقة ، واثبت ان الطاقة حين تمتزج بالاخلاص تتحول الى فعل. دخل الانتخابات ليمثل اهله بثقة النهر المحمل بماء الحياة الذي يعرف طريقه، وخرج من المنافسة ممثلا لأهله، حاملا حلما بسيطا في ظاهره، عظيما في جوهره:
أن يعيش اهله وعموم العراقيين حياة طبيعية في وطن لم يعد يعرف معنى الحياة الطبيعية منذ زمن.

ثلاثة نواب يجمعهم الشباب والطاقة والالتزام ، ولكن يحملون امانة ثقيلة لمكون اتعبته نوائب الدهر وهذه الامانة تتجسد في نقل صوت الايزيديين، بكل ما فيه من جراح وامال، الى قبة البرلمان بروح جديدة وعزم لا ينكسر.

ثلاثة نواب، يجمع بينهم انهم عاشوا الجرح لا روايته، وانهم عرفوا الوجع لا من الكتب، بل من خيام نزوح اهلهم، ومن حرقة الامهات اللواتي ينتظرن بناتهن منذ احدى عشرة سنة.
هكذا ينظر لهم المجتمع الايزيدي الذي انتخبهم

وبالمناسبة فإنه من دواعي الفخر القول ان النواب الثلاثة كانوا من طلبتي في كلية الهندسة بجامعة الموصل او جامعة دهوك، في سنوات مختلفة. كانوا مثالا للاخلاق والاجتهاد والاصالة، واستمر تواصلنا بعد تخرجهم، فازداد اعتزازي بهم.

اقول بدون مجامله رايت فيهم ما يكفي من الاخلاق والاجتهاد والاصالة لتجعلني مطمئنا ان لهذا المكون وهذا الوطن ابناء قادرين على النهوض مهما طال الليل. واليوم، وهم تحت قبة البرلمان، يزداد اعتزازي بهم، لا لانهم فازوا فحسب ، بل لانهم حملوا الامانة لينقلوها ويحققوا ما يتمكنوا منه من مطالب وآمال ، وهم كعدد يمثلون نسبة لا تتجاوز 1% من عدد اعضاء البرلمان العراقي.

هنيئا لهم وهنيئا للعراق بدخولهم كجيل جديد الى البرلمان، جيل عاش المأساة بعيونه ويحمل بالتاكيد رؤية لبناء مستقبل مختلف.

عموما يأمل المكون الايزيدي من النواب الثلاث ان يكونوا ممثلي واقع لا ممثلي مقاعد ، ان ينقلوا الحقيقة كما هي، معبرين في اي لقاء او اجتماع عن معاناة عشرات الاف الايزيديين الذين لا زالوا يعيشون في المخيمات منذ اكثر من احدى عشرة سنة، يقاسون الحر والبرد وفقدان الحياة الكريمة، ويعانون من غياب فرص العمل والتعليم والرعاية.

ويأمل منهم الدفع باتجاه تفعيل قرار اعتبار سنجار منطقة منكوبة بحق، فكارثتها ليست دمارا ماديا فحسب، بل جرحا في الانسان والتاريخ والهوية. سنجار لم تدمر فقط، بل تعرضت لاقتلاع كل ما يشير الى حضور الايزيديين فيها:
دور عبادة هدمت، منازل أحرقت، وممتلكات نهبت، ومزارع اتلفت، وبشر خطفوا، وفتيات سبين ورجال قتلوا ونزح المتبقين الذين تمكنوا من النجاة النزوح إلى محافظات اقليم كردستان.
ان نكبة سنجار مختلفة عن كل نكبات العراقيين مع داعش ، لأنها استهدفت معنى الوجود ذاته. نكبة سنجار كانت ابادة لمكون وهويته.

اليوم، والنواب الثلاثة يدخلون البرلمان، لا يدخلون كممثلين لمقاعد، بل كاصوات لمكان ومكون لا يزال جرحه مفتوحا:
سنجار، التي هدمت فيها البيوت ودور العبادة، وسبيت فيها الفتيات، واحرقت فيها الارض، وغيّبت فيها الاحلام.
سنجار التي لم يستهدفها الخراب في حجارتها فقط، بل في معناها، في تاريخها، في وجودها نفسه.

ومع ذلك، لا يزال فيها نبض يقول ان العودة ممكنة والامل بغد اجمل لا يزال يراود الأحلام.

ويبقى ايضا النواب الثلاثة ، مع ما اشرت اليه ، ليسوا فقط نوابا لاهلهم وحدهم، بل للوجدان العراقي كله. انهم شهود على مرحلة لا يشبهها زمن اخر، ذلك انهم من جيل عرف النار وعرف الخيمة، ويعرف اليوم ان المستقبل لا يكتب الا بأيادي تمتلك الشجاعة لإكمال الطريق. انهم صوت الضمير الوطني قبل ان تكونوا صوت اي شعار. فالمقعد النيابي مسؤولية اخلاقية وانسانية ، وليس وسيلة نفوذ او مكسب سياسي. حين يمنح المواطن صوته، سواء كان ايزيديا او غير ايزيدي، فهو يمنحه لمن يرى فيه الكفاءة والنزاهة والضمير، بل يمنحه للعراق نفسه. وان الايزيديين وابناء مناطقكم منحوا اصواتهم لكم لقناعتهم بانكم تملكون ارادة التغيير لا ارادة التبرير، وارادة تطوير واقعهم لا الاكتفاء بروايته.

يأمل أبناء مكونهم ان يكونوا صوت المظلوم الايزيدي، وان يعملوا على ترسيخ حقه في أن يُعامل كمواطن من الدرجة الأولى، وهو الذي تمتد جذوره في أعماق هذه الأرض.

ان مهمتهم الحقيقية تبدأ الآن تحت قبة البرلمان . نامل ان ينقلوا صوت الايزيديين و قضيتهم ومعاناتهم وآمالهم الى السلطة التشريعية وغيرها ، لإصدار قوانين تعيد لهم حقوقهم وارضهم، وتعيد فتياتهم المختطفات اللواتي لا يزال كثير منهن مجهولات المصير. يأمل الجميع ان يعملوا على إعادة اعمار سنجار من قبل الدولة وتعويض اهلها تعويضا مجديا ، ومعالجة قضايا الشباب والخريجين وتوفير فرص العمل، وضمان بقاء سنجار بعيدة عن الصراعات ، وان لا تتكرر المأساة مرة اخرى.

نعم مهمتهم بدأت الآن. فأمامهم آمال الناس، ودموعهم، وأصواتهم التي لا تزال تنتظر العدالة. أمامهم سنجار والبحث عن المفقودات والمفقودين، وسن قوانين تحمي الايزيدي، وترفع عنه شعور المواطن من الدرجة الثانية او الاخيرة . أمامهم شباب يريد فرصة ليحيا، لا ليصمت.

هنيئا لهم ، وهنيئا للايزيديين، وهنيئا للعراق بهم ، فثمة جيل جديد يدخل البرلمان اليوم، جيل يعرف معنى الفقد، ومعنى النهوض، ويعرف ان بناء الوطن يبدأ من الالتزام لا من الشعارات.

ويأمل الجميع ان يكون اختيارهم بداية الطريق نحو ما يستحقه هذا المكون الصبور، وما يستحقه العراق.

واخيرا اتمنى لهم التوفيق في اداء مهمتهم الايزيدية و الوطنية. وإن الجميع على ثقة بانهم سيبذلون قصارى ما يتمكنون وهم يشكلون نسبة قليلة ، ثلاث من اصل ثلاثمائة وتسعة وعشرون نائبا ، وحسبهم أن يقولوا كلمتهم ويثبتوا في مواقفهم وانتماىهم لمكونهم وعراقهم.

Most Popular