خرجت القوى المدنية من هذه الانتخابات بلا أي مقعد، في واحدة من أشد الهزائم التي تتعرض لها منذ تأسيسها، ورغم امتلاكها خطابًا إصلاحيًا وبرامج تحمل نَفَس الدولة الحديثة، إلا أن السياسة لا تكافئ الفكرة، بقدر ما تكافئ القدرة على التنظيم والوجود الميداني. هذا الفشل لم يكن مفاجئًا، بل كان نتيجة تراكم خلل بنيوي وسلوكي داخل هذه القوى، جعلها تفقد صلتها بالشارع وتخسر تأثيرها السياسي بالكامل. 1. اغتراب كامل عن المجتمع والحضور الشعبي أصبحت القوى المدنية تتحدث إلى نفسها أكثر مما تتحدث إلى الجمهور، بقي خطابها في فضاء النخب، بينما المواطن يبحث عن حلول ملموسة لمشكلاته اليومية، الفجوة توسّعت حتى لم يعد المواطن يرى في هذه القوى ممثلًا حقيقيًا لهمومه. 2. التقوقع داخل دائرة عمرية واحدة اعتماد القوى المدنية على شريحة عمرية محددة، غالبًا من كبار السن أو الوجوه التقليدية، جعلها عاجزة عن جذب الأجيال الشابة، رغم أن الشباب هم الأكثر حضورًا في الحراك الاجتماعي الانتخابي، غياب القيادات الشبابية الجديدة أبقى هذه القوى جامدة وغير قابلة للتجدد. 3. الغرور السياسي والثقة المفرطة بالنفس تصوّر بعض القادة المدنيين أن حضورهم الإعلامي، أو خطابهم الفكري كافٍ لكسب الأصوات، متجاهلين أهمية النزول الميداني، هذا الغرور جعلهم يبالغون في تقدير حجمهم الحقيقي، ويقللون من وزن القوى التقليدية التي تعمل يوميًا بين الناس. 4. التعالي على الجمهور في ذهنية جزء من التيار المدني، هناك نظرة وصائية تجاه المجتمع، يظهر الخطاب أحيانًا وكأنه يتعامل مع المواطنين باعتبارهم أقل وعيًا أو بحاجة إلى إرشاد، هذا التعالي خلق نفورًا واضحًا، لأن الناخب يريد ممثلاً قريبًا منه، لا من يضع نفسه في موقع الأستاذ أو المعلّم. 5. غياب التنظيم الحزبي الحقيقي لم تستطع القوى المدنية بناء تنظيم قوي يمتلك كوادر، مكاتب، وشبكات محلية، أو حضورًا داخل الأحياء والأسواق، دخلت المعركة الانتخابية بخطاب جيد، لكن من دون آلة انتخابية، بينما خصومها يمتلكون إمكانات مالية وتنظيمية متماسكة. 6. ضعف التمويل والقدرة على المنافسة الانتخابات معركة تحتاج إلى موارد، القوى المدنية اعتمدت بشكل كبير على التمويل الذاتي، ما قلل من قدرتها على إدارة حملات فعالة، أو إيصال رسائلها إلى الجمهور على نطاق واسع، في حين أن القوى التقليدية تمتلك مصادر تمويل ثابتة وواسعة، خصوصا الجهات التي تمتلك السلطة وسخرتها لحملاتها الانتخابية. 7. الانقسام وتشتت الأصوات الدكاكين السياسية الصغيرة والانشقاقات الداخلية، أدت إلى تشتيت الأصوات المدنية، بدل بناء قائمة قوية موحدة، تنافست الشخصيات المدنية فيما بينها، فتوزعت الأصوات القليلة أصلًا وتبخرت. 8. خطاب بلا نتائج الناخب يريد من يملك القدرة على التأثير وتحقيق نتائج، القوى المدنية لم تبنِ سجلًا سياسيًا مقنعًا خلال الدورات السابقة، ولم تُظهر فاعلية داخل مؤسسات الدولة، ما جعل وعودها تبدو غير قابلة للتحقق. تاسعاً. انضمام المدنيين إلى قوائم الإسلاميين أحد العوامل المؤثرة في تقويض الثقة الشعبية، هو انتقال بعض الوجوه المدنية إلى قوائم إسلامية، هذا التحوّل اعتبره الجمهور دليلاً على هشاشة الهوية المدنية لدى بعض الشخصيات، ورأى فيه تنازلاً مصلحيًا يفرغ الخطاب المدني من مضمونه، مثل هذه الخطوات رسّخت انطباعًا بأن المدنيين غير متماسكين، وأن بعضهم يستخدم الخطاب المدني كجسر للوصول، لا كقناعة سياسية راسخة. فشل القوى المدنية لم يكن نتيجة خطأ عابر، بل حصيلة مسار طويل من الاغتراب، الانعزال، وغياب التنظيم، وتضخم الذات، وفقدان القدرة على مخاطبة الناس بلغتهم. هي قوى تملك الفكرة لكنها تفتقر إلى الأدوات، وتملك البرنامج، لكنها تخسر الشارع، وتملك الخطاب لكنها لا تملك الحاضنة. ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية ٢٠٢٥/١١/٢٠ في الأحد، ١٦ تشرين الثاني، ٢٠٢٥، ١٢:٣١ م مهند داخل كزار الزيدي <[email protected]> كتب:
السوداني بين الفيتو والفرصة: معركة الولاية الثانية داخل البيت الشيعي
مهند ال كزار
تتجه المرحلة التي تلي انتخابات 2025، نحو إعادة تشكيل توازنات السلطة داخل البيت السياسي الشيعي، وهو ما يجعل مستقبل رئاسة الوزراء أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح، ورغم أن المؤشرات الأولية تُظهر تراجع قدرة الإطار التنسيقي على الظهور ككتلة صلبة كما كان في الأعوام الماضية، تبقى عملية اختيار رئيس الوزراء مرتبطة بحسابات تتجاوز لغة الأرقام، وتقترب أكثر من شبكة المصالح والضمانات والمواقف الداخلية.
أولاً: ألارقام لا تحسم المعركة
يمتلك ائتلاف السوداني نحو 46 مقعداً، مقابل أكثر من 120 مقعداً لبقية قوى الإطار، وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبدو في غير صالحه، إلا أن التجربة السياسية في العراق تثبت أن تشكيل الحكومة لا يعتمد على حجم الكتلة البرلمانية وحده، بل يستند إلى لتزكية داخل البيت الشيعي، إذ يُحسم اسم رئيس الوزراء داخل الغرف السياسية قبل الذهاب إلى البرلمان.
وكذلك يستند إلى التحالفات العابرة للمكوّنات،
والتي يمكن من خلالها ضمان 166 صوتاً عبر أصوات الكتل الكردية والسنية، وبذلك تصبح الأرقام مؤشراً مهماً لكنها ليست العامل الحاسم.ثانياً: الإطار التنسيقي… التماسك المفقود
الإطار لم يعد كتلة موحدة كما كان بين عامي 2022–2023، العلاقات بين أطرافه اليوم قائمة على التنافس الصامت أحياناً والصراع المباشر أحياناً أخرى، خصوصاً بعد النتائج الانتخابية الأخيرة، هذه المعطيات تمنح السوداني مساحة للمناورة عبر التحالف مع بعض قوى الإطار على حساب أخرى، والاستفادة من التباينات الداخلية، والظهور كخيار “حل وسط” إذا احتدم الخلاف بين منافسيه.
ثالثاً: الأوراق التي يمتلكها السوداني
رغم صعوبة الطريق لا يدخل السوداني المعادلة خالياً من الأدوات. فهو يمتلك:
1. قبولاً إقليمياً ودولياً معتدلاً يجعله خياراً مطروحاً لدى القوى المؤثرة دولياً وإقليمياً.
2. علاقات متينة مع القوى الكردية والسنية
وهذه القوى غالباً لا ترفض التجديد له إذا ضمنت استمرار التفاهمات والمكاسب.3. رصيداً عملياً داخل الشارع
قد لا يكون رصيداً انتخابياً ضخماً، لكنه يُستخدم داخل المفاوضات كدليل على قدرة الرجل على إدارة التوازنات من دون هزات.رابعاً: الاستحقاق السياسي… إطار عام لا يحسم التفاصيل
الاستحقاق السياسي في العراق يضع رئاسة الوزراء في يد المكوّن الشيعي، لكن هذا الاستحقاق لا يحدد الشخص، بل يترك الاختيار للتفاهمات الداخليةوهذا يعني أن حصول السوداني على التزكية داخل الإطار يجعل طريقه إلى البرلمان ممكناً، أما فقدان التزكية فيجعله بلا حظوظ، حتى لو امتلك دعماً خارجياً واسعاً.
خامساً: دولة القانون… العقدة الأصعب في طريق السوداني
يمثل موقف ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، أحد أهم العوامل التي تعيق أو تسهّل الطريق أمام السوداني، فدولة القانون لا يمتلك وزناً انتخابياً مؤثراً فقط، بل يشكّل محور ثقل داخل الإطار، ويمتلك القدرة على تعطيل أي توافق لا يمر عبره.
1. تحفظات تراكمت خلال المرحلة السابقة
ورغم عدم وجود قطيعة علنية مع السوداني، فإن العلاقة بين الطرفين ليست على درجة عالية من الانسجام، وأن أبرز أسباب تحفظ دولة القانون على السوداني تتخلص :
– شعور الائتلاف بأن السوداني بدأ يكوّن مشروعاً سياسياً مستقلاً.
– الخشية من أن استمرار السوداني قد يقلّص من نفوذ دولة القانون داخل السلطة التنفيذية.
– قراءة بعض قيادات الائتلاف بأن المرحلة المقبلة تحتاج شخصية أخرى لضبط توازنات الإطار، والحيلولة دون بروز زعيم جديد في الوسط الشيعي.
2. تأثير دولة القانون على ترشيح رئيس الوزراء
دولة القانون يمتلك عملياً حق الفيتو داخل الإطار، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة، فغيابه عن أي توافق يعني انقساماً كبيراً داخل البيت الشيعي، وصعوبة تمرير أي مرشح، واحتمال إعادة إنتاج تجارب الانسداد السياسي السابقة.
3. هل يمكن تجاوز موقف دولة القانون؟
نظرياً يمكن ذلك إذا دعمت قوى شيعية أخرى التجديد للسوداني، لكن عملياً تجاهل دولة القانون يهدد وحدة الإطار، ويجعل أي حكومة مقبلة غير مستقرة أو قصيرة العمر، وبهذا يصبح موقف دولة القانون العقبة الأكثر حساسية في مسار الولاية الثانية.
سادساً: أين تقف فرص التجديد؟
تبدو حظوظ السوداني موجودة لكنها غير مضمونة، ويتوقف نجاحه على ثلاثة عوامل رئيسية:
١. القدرة على بناء توافق داخل الإطار أو جزء مؤثر منه.
٢. استمرار القبول الكردي–السني به.
٣.ثبات البيئة الإقليمية وعدم دفعها باتجاه تغيير جذري في السلطة.
تحقق عاملين من هذه العوامل الثلاثة يكفي لفتح الطريق أمام ولايته الثانية.المشهد السياسي لا يحسمه حجم المقاعد فقط، بل شكل الاصطفاف داخل البيت الشيعي، وتوازنات القوى العابرة للمكوّنات، وقدرة السوداني على تقديم نفسه كخيار للاستقرار فرصه ليست سهلة… لكنها أيضاً ليست بعيدة.
ماجستير علاقات دولية
٢٠٢٥/١١/١٦:
الاتفاق المائي بين العراق وتركيا: بين شراكة الضرورة وموازين النفوذمهند ال كزارمنذ عقود شكّل ملف المياه بين العراق وتركيا أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية, فالعراق الذي يعتمد بنسبة تتجاوز 70% على المياه القادمة من تركيا ظلّ يواجه انخفاضات حادّة في مناسيب نهري دجلة والفرات نتيجة المشاريع التركية العملاقة, ما أدّى إلى أزمات بيئية وزراعية واجتماعية خانقة، خصوصًا في المحافظات الجنوبية كذي قار والمثنى والبصرة, لكنّ توقيع الاتفاق الجديد بين البلدين فتح صفحة مختلفة عنوانها التعاون المائي وإن كان مشوبًا بميزان مصالح غير متكافئ.أولاً: مكتسبات تركيا – نفوذ بغطاء التعاونرغم أن الاتفاق جاء بلغة الشراكة والإدارة المشتركة إلا أن تركيا استطاعت أن تحقق جملة من المكاسب المهمة:-1. شرعنة مشاريعها السابقة:- الاعتراف العراقي العملي بالسدود التركية وإنهاء لهجة الاعتراض يمنح أنقرة غطاءً قانونيًا وسياسيًا لاستمرار تشغيل منشآتها دون ضغط دولي.2. استثمارات بضمان نفطي:- الشركات التركية حصلت على عقود طويلة الأمد لبناء سدود ومشاريع مائية داخل العراق، بتمويل مرتبط بعائدات النفط العراقي، أي ربح مضمون بلا مخاطرة مالية.3. تعزيز الدور الفني والإداري:- تأسيس لجنة إدارة مشتركة يعني مشاركة تركية دائمة في القرار المائي العراقي، ما يرسّخ نفوذها الفني داخل مؤسسات الدولة العراقية.4. مكسب سياسي وإقليمي:- أنقرة قدّمت نفسها من جديد كشريك لا خصم، وأعادت تموضعها في العراق بوجه منافسين إقليميين.5. أمن الحدود والمشاريع:- المشاريع في شمال العراق تمنحها مبرراً لتواجد تقني وأمني مستمر ويعزّز مصالحها في المناطق الحدودية.ثانياً: مكتسبات العراق – فرصة لتصحيح المسار المائيرغم أن أنقرة خرجت بمكاسب كبيرة إلا أن العراق هو الآخر حصل على امتيازات يمكن أن تتحوّل إلى فرصة استراتيجية حقيقية إذا أُحسن توظيفها:-1. زيادة مؤقتة في تدفق المياه:- تركيا وافقت على رفع التصريف إلى نحو 420 متر مكعب/ثانية خلال فترات الجفاف، وهي خطوة رمزية لكنها أول التزام كمي علني من الجانب التركي.2. مشاريع بنية تحتية مضمونة التمويل:- الاتفاق يتضمن بناء ثلاثة سدود ومشاريع استصلاح أراضٍ داخل العراق، ما يعزز الأمن المائي والزراعي خاصة في المناطق المتضررة.3. اعتراف تركي بحاجة العراق:- للمرة الأولى تعترف أنقرة رسمياً بأن العراق “بلد متضرر من التغيّر المناخي وشحّ المياه”، وهو مكسب سياسي وقانوني يمكن استثماره دولياً.4. نقل الخبرات التقنية:- الاستفادة من التجربة التركية في إدارة السدود والريّ الحديث قد يسهم في تحديث المنظومة العراقية المتقادمة.5. تحسين العلاقات السياسية:- الاتفاق أخرج ملف المياه من دائرة التوتر إلى مسار تفاوضي منتظم ما يُعدّ بداية لإعادة بناء الثقة بين البلدين.ثالثاً: تأثير الاتفاق على العلاقات العراقية – التركيةيُمكن القول إن هذا الاتفاق أسّس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تتسم بـ التقاطع المتوازن لا الصدام, فالطرفان وصلا إلى قناعة بأنّ الماء أصبح قضية أمن قومي لا يمكن حسمها بالضغط فقط, تركيا أدركت أن الجفاف العراقي سينعكس عليها أمنيًا واقتصاديًا عبر الهجرة والفوضى الحدودية، بينما فهم العراق أن المواجهة السياسية وحدها لا تكفي دون مشاريع واقعية لإدارة الموارد.مع ذلك، لا يمكن إغفال حقيقة أن الاتفاق منح أنقرة نفوذاً اقتصادياً وفنياً طويل الأمد داخل العراق، وأن النجاح الحقيقي للعراق سيُقاس بقدرته على تحويل التعاون إلى تنمية داخلية ملموسة لا إلى تبعية فنية جديدة.الاتفاق المائي بين العراق وتركيا يمثل شراكة ضرورة أكثر من كونه شراكة متكافئة, فتركيا نجحت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية بثوب التعاون، بينما كسب العراق نافذة أمل لمعالجة أزمته المائية عبر مشاريع ملموسة وتمويل مضمون, غير أن مستقبل هذا الاتفاق سيُحدّد على الأرض:-هل سيُترجم إلى استصلاح الأراضي وإنقاذ الأهوار ودعم الزراعة؟ أم سيبقى نصوصاً جميلة تُستخدم لتلميع العلاقات دون أثر فعلي؟الإجابة تتوقف على قدرة الدولة العراقية على المتابعة والمساءلة، والربط بين الاتفاق الوطني والحاجات المحلية خصوصًا في الجنوب، حيث يختبر المواطن يوميًا معنى “الأمن المائي” الحقيقي.بين الضغط الدبلوماسي والسيادة الوطنية: حقيقة الدور الأميركي في تشكيل الحكومة العراقيةمهند ال كزار خلال الأيام الماضية، انتشر في بعض وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي خبرٌ مثير للجدل، مفاده أن الولايات المتحدة الأميركية أبلغت بغداد بأنها ستختار وزارات في الحكومة المقبلة ومن يشغلها. هذا الخبر أثار ضجة كبيرة، وتخوفاً لدى الرأي العام من احتمالية تدخل خارجي مباشر في القرار العراقي، غير أن التحقق من المصادر الرسمية والبيانات الصادرة عن الخارجية الأميركية والسفارة في بغداد، يُظهر أن هذا الادعاء يفتقر إلى أي دليل موثوق أو تصريح رسمي، وأن ما يجري فعلاً يندرج ضمن إطار الضغوط الدبلوماسية والسياسية المعتادة لا أكثر. أولاً: سياق العلاقة العراقية – الأميركية منذ عام 2003، تشكلت بين بغداد وواشنطن علاقة معقدة، تجمع بين التعاون الأمني والاقتصادي من جهة، والتجاذب السياسي من جهة أخرى، وتنظم هذه العلاقة اتفاقيات رسمية، أبرزها الاتفاق الإطاري الإستراتيجي الذي يحدد مجالات التعاون العسكري والاقتصادي والثقافي، وفي ظل هذه الشراكة، تؤكد الولايات المتحدة وفق تصريحاتها الرسمية على "دعم حكومة عراقية مستقلة ومستقرة"، لكنها في الوقت ذاته تمارس ضغوطاً سياسية لضمان تشكيل حكومة لا تخضع لتأثير الفصائل أو القوى الإقليمية. ثانياً: الفرق بين الضغط الدبلوماسي والتدخل في السيادة من المهم التمييز بين الضغط الدبلوماسي والتدخل في الشأن الداخلي، الضغط الدبلوماسي يُعد أداة مشروعة في العلاقات الدولية، تمارسه الدول عبر رسائل أو شروط أو مساعدات مشروطة لتوجيه السياسات العامة، أما التدخل المباشر فيعني فرض قرارات أو أسماء داخل حكومات أخرى، وهو ما يُعد خرقاً واضحاً للسيادة الوطنية وميثاق الأمم المتحدة. وفي الحالة العراقية، تمارس واشنطن ضغوطاً متكررة على بغداد في ملفات محددة، منها ضبط السلاح خارج الدولة، وتنظيم العلاقات مع إيران، وإدارة الموارد النفطية، لكن لم يصدر أي تصريح رسمي يشير إلى نية الولايات المتحدة اختيار وزراء أو تحديد وزارات بعينها، ما يجعل الخبر المتداول فاقداً للمصداقية. ثالثاً: التحليل السياسي لانتشار الخبر انتشار مثل هذه الأخبار في فترات ما قبل تشكيل الحكومات ليس جديداً، فالأطراف السياسية عادةً ما تستخدم الورقة الأميركية أو الإقليمية كورقة ضغط متبادلة لتشويه الخصوم أو كسب التعاطف الشعبي، ويُضاف إلى ذلك أن ضعف الثقة بالإعلام الرسمي، وتعدد المنصات غير الموثوقة على وسائل التواصل، ساهما في تضخيم الخبر حتى تحوّل من "تقدير موقف سياسي" إلى "خبر يقيني" في نظر الجمهور. رابعاً: البعد الوطني والسيادي إن سيادة العراق لا تُقاس بالشعارات بل بالقدرة على اتخاذ القرار الوطني المتوازن، فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه، يحتاج إلى علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران وجيرانه العرب، من دون أن يكون تابعاً لأي محور، وهذا يتطلب دبلوماسية حذرة، توازن بين التعاون الدولي والتمسك بالقرار الوطني، من أجل التصدي لأي محاولة لتضخيم النفوذ الخارجي أو تصوير العراق كدولة فاقدة للسيادة. الضغوط الأميركية على العراق حقيقية في بعض الملفات الأمنية والسياسية، لكنها لا ترقى إلى اختيار وزراء أو تشكيل الحكومة، وما يُتداول في هذا السياق هو جزء من حرب إعلامية تستهدف زعزعة الثقة بين المواطن والدولة. المطلوب اليوم وعي سياسي وإعلامي مسؤول، وتحرك رسمي لتفنيد الأخبار المضللة، بما يعزز احترام سيادة العراق ويحصن المجتمع من التأثير الخارجي. ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية 2025/10/28العقوبات الأمريكية على موسكو: ضربة اقتصادية أم خطوة نحو حرب باردة جديدة مهند ال كزار في خطوة وُصفت بأنها الأشد منذ بداية الحرب الروسية–الأوكرانية، أعلنت الولايات المتحدة، فرض حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، استهدفت هذه المرة عمق الاقتصاد الروسي المتمثل في قطاع النفط والغاز، ورغم أن العقوبات ليست جديدة في هذا الصراع، إلا أن هذا التصعيد الأمريكي يحمل مؤشرات عميقة ترتبط بتوازنات القوة الدولية، وبمحاولات واشنطن إعادة ضبط قواعد اللعبة في مواجهة موسكو. تضمنت العقوبات الأخيرة إدراج شركتي Rosneft وLukoil، وهما من أكبر الشركات الروسية المنتجة والمصدّرة للنفط، ضمن قوائم العقوبات الأمريكية، وهذا يعني حظر التعامل المالي والتجاري معهما من قبل المؤسسات الأمريكية، وتجميد أصولهما في الولايات المتحدة، وفرض قيود صارمة على أي شركة أو دولة تتعامل معهما، ضمن ما يُعرف بـ"العقوبات الثانوية". هذا وقد تزامنت الخطوة الأمريكية مع حزمة أوروبية موازية، تضمنت حظر واردات الغاز الروسي المسال، واستهداف ما يُعرف بـ"أسطول الظل" الذي تستخدمه روسيا للالتفاف على القيود النفطية. أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه العقوبات إلى تحقيق عدة أهداف منها : ١. إضعاف القوة المالية الروسية التي تموّل الحرب في أوكرانيا. ٢. إعادة ترميم الجبهة الغربية بعد التباينات السابقة بين واشنطن وبروكسل بشأن الموقف من روسيا. ٣. إرسال إشارة سياسية بأن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات التأثير الكبرى في النظام الدولي خاصة في سوق الطاقة العالمي. اللافت للنظر أن توقيت العقوبات يأتي في ظل تصاعد التوتر في أسواق النفط العالمية، ما يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة الغرب على تحمّل ارتدادات اقتصادية قد تمس المستهلكين أنفسهم؟ الموقف الروسي الرئيس فلاديمير بوتين وصف العقوبات بأنها "عمل عدائي خطير"، مؤكداً أن روسيا لن تغيّر سياساتها الخارجية تحت الضغط، ورغم اعترافه بوجود "خسائر مؤقتة"، فإن موسكو تراهن على التقارب مع الصين والهند لتجاوز العقوبات عبر عقود طاقة طويلة الأمد، واستخدام الأسواق البديلة في آسيا وأفريقيا، وكذلك توسيع شبكة التبادل بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار. هذا النهج يعكس ثقة موسكو بقدرتها على امتصاص الصدمة، كما فعلت خلال العقوبات السابقة منذ 2014. التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية على روسيا من المرجح أن تُحدث العقوبات ضغطاً على الموازنة الروسية، خصوصاً مع تراجع العائدات النفطية وتقييد حركة الشركات الكبرى، إلا أن الاقتصاد الروسي أثبت مرونة نسبية في التعامل مع الأزمات بفضل احتياطات الذهب والعملة الصعبة. تداعيات العقوبات على الأسواق العالمية شهدت أسعار النفط ارتفاعاً فور إعلان العقوبات، ما يشير إلى قلق الأسواق من تراجع الإمدادات الروسية، وهذا بدوره قد يُعمّق أزمة الطاقة العالمية، خصوصاً في أوروبا التي لا تزال تعاني من تبعات الحرب الأوكرانية. تداعيات العقوبات على التوازن الدولي هذه العقوبات قد تعيد رسم خريطة التحالفات العالمية، فكلما شددت واشنطن القيود على موسكو، كلما اقتربت روسيا أكثر من الصين وإيران، وهو ما يفتح المجال أمام تشكيل محور موازٍ للغرب اقتصاديًا وسياسيًا. قراءة تحليلية من الناحية التحليلية يمكن القول إن واشنطن تسعى لاستخدام سلاح الاقتصاد كسلاح استراتيجي بديلاً عن التصعيد العسكري المباشر، إلا أن نجاح هذه السياسة يعتمد على مدى التزام الحلفاء الأوروبيين بالتنفيذ، وعلى قدرتهم على تحمّل التبعات الداخلية. العقوبات قد تُضعف روسيا مؤقتاً، لكنها في الوقت ذاته تدفع النظام الدولي نحو مزيد من الاستقطاب والاصطفاف الجيوسياسي، وهو ما يجعل العالم أمام مرحلة جديدة من “الحرب الباردة الاقتصادية”. انعكاسات العقوبات على العراق والمنطقة نرى أن هذه العقوبات ستنعكس بشكل غير مباشر على الشرق الأوسط والعراق تحديداً من خلال: ١. ارتفاع أسعار النفط ما قد يعزز إيرادات العراق لكنه يزيد في المقابل من تكاليف الطاقة المستوردة. ٢. تراجع الاستثمارات الروسية في المنطقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تمدد الشركات الأمريكية. ٣. تعزيز موقع العراق كمصدر بديل للطاقة إذا أحسن استثمار اللحظة لصالحه. العقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا تُظهر أن واشنطن ما زالت تراهن على الضغط الاقتصادي لإعادة صياغة التوازنات العالمية، لكن؛ ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتبدّل التحالفات، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة تعدد مراكز النفوذ، حيث لم تعد العقوبات وحدها كافية لفرض الإرادة الأمريكية كما في السابق. إنها معركة طويلة الأمد بين الاقتصاد والسياسة، بين الدولار والنفط، وبين واشنطن موسكو على من يملك مفاتيح النظام الدولي الجديد. ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةالتناحر الانتخابي والتعايش المجتمعي: معركة الوعي في العراق
يشهد العراق منذ عقود حالة من التذبذب بين التناحر والتعايش، وكأن المجتمع يعيش على خطين متوازيين لا يلتقيان إلا عند لحظات الانفجار أو الأمل، هذه الحالة لم تنشأ من فراغ، بل هي انعكاس لتاريخ طويل من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي رسمت ملامح الواقع العراقي المعاصر.
التناحر صناعة السياسة وتغذية المصالح، لم يكن يوماً سلوكاً شعبياً خالصاً، بل هو نتاج هندسة سياسية ممنهجة، بدأت منذ تأسيس الدولة الحديثة وتكرست بعد عام 2003 مع نظام المحاصصة، هذا النظام جعل الانتماء الطائفي أو القومي هو المعيار الأساسي لتقاسم السلطة والمناصب، فتمزقت هوية “المواطنة” وتحولت إلى “هويات فرعية” متنافسة.
وقد لعبت الأحزاب السياسية والإعلام الموجه، دوراً مركزياً في تكريس الانقسام، من خلال خطاب التخويف المتبادل، وتقديم الآخر باعتباره تهديداً لا شريكاً، فبدلاً من أن تكون السياسة أداة لإدارة التنوع، تحولت إلى سلاح لإثارة المكونات وإشعال النزاعات لتحقيق مكاسب ضيقة.رغم كل ما سبق، فإن التعايش في العراق ليس طارئاً، بل هو الوجه الحقيقي للمجتمع العراقي، الذي عاش قروناً بين تنوعاته القومية والدينية والمذهبية دون أن يفقد توازنه، في الحياة اليومية، تجد العراقيين يتشاركون المناسبات، ويتزاورون، ويتضامنون في الأزمات، وهو ما يعكس عمق القيم الإنسانية والاجتماعية الراسخة في الشخصية العراقية.
هذا التعايش الطبيعي تجلّى بأوضح صوره في المواجهة مع قوى الشر “داعش” التي جمعت العراقيين على كلمة واحدة “الوطن”، هناك سقطت الأقنعة الطائفية وبرزت الهوية الوطنية الجامعة، التي توحدت في مواجهة الفساد والظلم.
التناحر الانتخابي واستثمار الانقسام
مع كل دورة انتخابية يعود إلى الواجهة كأداة لإثارة العواطف والانقسامات بين الناخبين، إذ تسعى بعض القوى السياسية إلى استغلال التعدد الطائفي كوسيلة لحشد الأصوات، لا كفرصة لبناء مشروع وطني موحد، يُعاد فيها إنتاج خطاب “نحن وهم”، وتُغذّى المخاوف من الآخر، في محاولة لإحياء الانقسام بدل تجاوزه.هكذا تتحول الانتخابات التي يفترض أن تكون ممارسة ديمقراطية راقية، إلى ساحة تناحر سياسي تكرّس الانقسام الاجتماعي بدلاً من التنافس على البرامج والرؤى، إنّ أخطر ما في هذا النهج أنه يُضعف ثقة المواطن بالديمقراطية، ويجعله يرى العملية الانتخابية مجرد معركة مصالح لا وسيلة للإصلاح، الأمر الذي يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي معاً.
العراق اليوم أمام مفترق طرق فإما أن يستمر في دوامة الصراع التي تُبقيه رهينة للمصالح الخارجية والداخلية، وإما أن ينتصر لصوته الوطني الحر، الرهان الحقيقي يكمن في وعي الأجيال الجديدة، التي باتت أكثر رفضاً للخطابات الطائفية، وأكثر إيماناً بأن المستقبل لا يبنى إلا بالتعايش والعدالة والمواطنة.
إنّ تجاوز التناحر لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بالثقافة الجديدة التي تزرع في العقول فكرة أن الاختلاف ثراء لا تهديد، وأن التعايش ليس ضعفاً بل قوة حضارية.
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةشرم الشيخ… حين جلس العراق على طاولة لا يؤمن بقواعدها.
جاءت مشاركة العراق في قمة شرم الشيخ، التي خُصصت لإطلاق خطة غزة للسلام لتثير تساؤلات عميقة حول التحول في الموقف الدبلوماسي العراقي من القضية الفلسطينية، فبينما حافظت بغداد لسنوات على موقف ثابت يرفض “حل الدولتين” بوصفه تنازلاً عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، نجدها اليوم تجلس إلى طاولة المفاوضات التي تُعدّ جوهرًا لتكريس هذا الحل برعاية أمريكية، ومشاركة دولية واسعة، هذه المفارقة تفتح الباب أمام نقاش سياسي حول التوازن الدقيق بين الثوابت العقائدية والواقعية الدبلوماسية في السياسة الخارجية العراقية.
أولاً: الخلفية التاريخية للموقف العراقي
منذ منتصف القرن العشرين، شكّل العراق أحد أبرز الأصوات الرافضة للتسويات الجزئية مع إسرائيل، تبنّى مبدأ “تحرير كامل الأرض الفلسطينية” واعتبر أن أيّ حل يقوم على تقسيم الأرض هو اعتراف ضمني بشرعية الكيان الصهيوني، هذا الموقف ارتبط بعقيدة قومية وإسلامية متجذرة، وأيضاً بتوازنات داخلية تحرص على عدم إثارة الشارع العراقي ذي الحسّ القومي العالي تجاه فلسطين.
لكن منذ 2003، ومع تغيّر النظام السياسي، دخلت السياسة الخارجية العراقية مرحلة جديدة اتسمت بالتذبذب بين الخطاب المبدئي والاعتبارات الإقليمية والضغوط الدولية، خصوصاً في ظل تأثيرات واشنطن وطهران المعارضة.ثانياً: رمزية الحضور العراقي في قمة شرم الشيخ
لم تكن مشاركة العراق مجرد حضور بروتوكولي، بل خطوة محسوبة ذات أبعاد سياسية، إذ أرادت بغداد أن تؤكد وجودها في المعادلة الإقليمية كطرف فاعل، لا كدولة متلقية للقرارات، حضورها مثّل محاولة لإظهار توازن بين محورين متناقضين:
المحور الأمريكي العربي الداعم لحل الدولتين ووقف إطلاق النار في غزة، ومحور المقاومة بقيادة إيران الذي يرفض أي تسوية قبل إزالة الاحتلال.
بذلك، بدا العراق كمن يسعى إلى التموضع الوسطى، الحفاظ على علاقاته الإقليمية المتنوعة دون القطيعة مع أي محور.ثالثاً: حسابات بغداد بين الداخل والخارج
تدرك القيادة العراقية أن التحديات الداخلية الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، تفرض عليها الابتعاد عن أي صدام خارجي، لذلك، فإن المشاركة في القمة كانت خيارًا براغماتيًا يهدف إلى تجنّب عزلة دبلوماسية، خصوصاً مع تزايد الحديث عن اصطفاف عربي جديد بعد اتفاق غزة.
في المقابل، تحاول بغداد أن تطمئن حلفاءها في محور المقاومة بأنها لم تتخلَّ عن ثوابتها، وإنما تسعى إلى الحوار والموازنة، لا الانحياز، وهذا ما ظهر بوضوح في التصريحات الرسمية التي أكدت على “حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم” دون الإشارة المباشرة إلى حل الدولتين.رابعاً: التحدي القادم الموقف من التطبيق
يبقى السؤال الأهم: كيف سيتعامل العراق مع مرحلة تطبيق اتفاق غزة في حال تمضي الأطراف الأخرى قدماً؟ فإذا انخرطت دول عربية كبرى في التطبيع السياسي والاقتصادي، فهل يملك العراق قرار الانسحاب أو الاعتراض؟ أم أنه سيختار البقاء في دائرة التوازن الرمادي؟
الراجح أن بغداد ستسعى إلى الحفاظ على خطابها المبدئي دون ترجمة عملية للرفض، أي أنها ستتحدث بلغة التضامن مع فلسطين، لكنها لن تصطدم مع الإجماع العربي أو الأمريكي.مشاركة العراق في قمة شرم الشيخ ليست تنازلاً عن المبدأ بقدر ما هي رسالة سياسية مزدوجة للداخل بأنها دولة متوازنة ومسؤولة، وللخارج بأنها قادرة على المشاركة في صناعة القرار لا الوقوف على هامشه.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في قدرة الدبلوماسية العراقية على الموازنة بين خطاب المقاومة وضغوط التحالفات الإقليمية، في لحظة تاريخية يُعاد فيها تشكيل خريطة الشرق الأوسط.
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةالتحولات الجيوسياسية في جنوب آسيا:
أثر الاضطرابات الباكستانية – الأفغانية على التوازن الإقليمي والتحالفات الدولية
تشهد الحدود الباكستانية – الأفغانية منذ أسابيع توترات متصاعدة وصلت إلى حدّ الاشتباكات المسلحة وتبادل الاتهامات، بشأن دعم جماعات مسلحة وتنفيذ هجمات عبر الحدود، هذه الأزمة رغم طابعها الأمني الظاهر، تحمل في عمقها تحولًا استراتيجيًا مهما في موازين القوى الإقليمية، وتعيد رسم خطوط النفوذ في جنوب آسيا بما يتجاوز حدود البلدين. أولًا: اهتزاز الدور الباكستاني التقليدي منذ سيطرة حركة طالبان على كابل عام 2021، اعتقدت باكستان أنها كسبت حليفًا مضمون الولاء لها في مواجهة الهند، إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت العكس تمامًا، إذ بدأت طالبان تتصرف كسلطة مستقلة عن النفوذ الباكستاني، وترد على أي تدخلات حدودية أو سياسية بحدة واضحة، فقد فقدت إسلام آباد تدريجيًا نفوذها في كابل، بينما بدأت قوى إقليمية أخرى كالهند والصين وإيران بملء الفراغ الذي خلّفته هذه الخيبة الاستراتيجية. ثانيًا: صعود الهند كقوة موازنة جديدة الهند وجدت في هذا الشرخ بين طالبان وباكستان فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، فقد أعادت فتح قنوات دبلوماسية مع كابل، وبدأت بتقديم مساعدات إنسانية ومشاريع تعاون اقتصادي، وهو ما انعكس في بيان مشترك بين الجانبين أكد على "مكافحة الإرهاب" و"تعزيز التعاون المشترك". هذا التقارب أثار استياء باكستان، التي ترى في أي وجود هندي قرب حدودها الغربية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وبهذا بدأت نيودلهي تتحرك على جبهتين في آن واحد: كشمير من الشرق، وأفغانستان من الغرب، مما يعيد رسم الخريطة الأمنية في جنوب آسيا. ثالثًا: الموقف الصيني – الحذر والحسابات الاقتصادية تراقب الصين الوضع من زاوية مصالحها الاقتصادية والأمنية، فمشروع "الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)" أصبح مهددًا بالاضطرابات، خاصة في المناطق الحدودية، وفي الوقت نفسه ترى بكين في أفغانستان مصدرًا للثروات المعدنية وموقعًا استراتيجيًا ضمن مبادرة الحزام والطريق، ما يجعلها تمارس دبلوماسية صامتة هدفها الحفاظ على الاستقرار دون انخراط مباشر في الصراع، وبينما تبقي قنواتها مفتوحة مع طالبان، فإنها تضغط على باكستان لضبط الحدود وتأمين مشاريعها الاستراتيجية. رابعًا: إيران وروسيا… بين الحذر والانخراط إيران التي تشترك مع أفغانستان بحدود طويلة، تتعامل مع الأزمة بواقعية سياسية، فهي تخشى من تدفق اللاجئين ومن تنامي نشاط تنظيم داعش – خراسان، لكنها في الوقت نفسه ترى في تراجع النفوذ الباكستاني فرصة لتعزيز حضورها في غرب أفغانستان. أما روسيا، فتتابع التطورات بعين القلق خشية امتداد الفوضى إلى دول آسيا الوسطى، لذلك أعادت موسكو تنشيط تعاونها الأمني مع طاجيكستان وأوزبكستان، وحاولت عبر "منظمة شنغهاي للتعاون" الدفع نحو تهدئة ميدانية بين كابل وإسلام آباد. خامسًا: التحالفات الدولية وإعادة توزيع النفوذ الولايات المتحدة والدول الغربية تنظر إلى هذا الصراع من زاوية المصلحة الباردة، فكلما ازداد التوتر بين طالبان وباكستان، تضاءلت فرص تشكل جبهة موحدة مناوئة للنفوذ الغربي، واشنطن تستفيد من هذا الانقسام دون الحاجة إلى التدخل المباشر، فيما تستخدمه كأداة ضغط سياسية في ملف العقوبات على حكومة طالبان. في المقابل، تقترب الصين وإيران وروسيا من بناء تحالف مرن في مواجهة المحور الهندي – الأمريكي، لتتجه المنطقة نحو تعدد مراكز النفوذ بدل الهيمنة الثنائية التقليدية. سادسًا: قراءة في التوازن الإقليمي الجديد ما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره أزمة عابرة، بل هو بداية مرحلة إعادة تموضع كبرى في جنوب آسيا، باكستان تخسر تدريجيًا أوراقها الاستراتيجية القديمة، طالبان تحاول فرض نفسها كفاعل مستقل لا تابع، الهند تحقق مكاسب دبلوماسية وأمنية مؤقتة، الصين وروسيا وإيران تتعامل بحذر لتأمين مصالحها دون الاصطدام المباشر. نحن أمام توازن هشّ ومتعدد الأقطاب، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الهيمنة الكاملة، بل تُدار المنطقة عبر شبكة مصالح متقاطعة ومتناقضة في آن واحد. الاضطرابات الباكستانية – الأفغانية ليست نزاعًا حدوديًا فحسب، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية التحالفات الإقليمية. إنّ جنوب آسيا يدخل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على النفوذ بدل التحالفات الثابتة، وتعدد الأقطاب بدل الثنائية القديمة بين الهند وباكستان. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المنطقة مقبلة على توازن مضطرب طويل الأمد، سيؤثر حتمًا في حسابات القوى الدولية الكبرى وملفات الأمن الإقليمي لسنوات قادمة. مهند ال كزار ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
خطة ترامب لغزة: بين الطموح السياسي والقيود الميدانية
في خضم الحرب على قطاع غزة، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة تتكون من عشرين بندًا تهدف إلى وقف القتال وإعادة هيكلة الواقع السياسي والأمني هناك، ورغم الاهتمام الواسع الذي حظيت به الخطة، تكشف ردود الفعل المتباينة عن عمق الصعوبات التي تواجهها قبل أن تتحول من أفكار إلى واقع قابِل للتنفيذ.
تركّز الخطة على وقف فوري لإطلاق النار، وتبادل الأسرى والرهائن، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط محددة داخل القطاع، ونزع سلاح حماس، ثم إدارة انتقالية بقيادة تكنوقراط فلسطينيين تحت إشراف دولي، تليها مرحلة إعادة إعمار واسعة بمشاركة دولية.
ترى إدارة ترامب في الخطة فرصة سياسية لقطع حلقة مأساوية طويلة، لكن نجاح هذه الرؤية يعتمد على قدرة واشنطن على إيجاد توازن بين الضغوط والضمانات، فلا يكفي طرح بنود على الورق من دون أدوات تنفيذية قابلة للتطبيق على الأرض.
في المقابل؛ تقف الحكومة الإسرائيلية بين ضغوط دولية تدعو إلى تهدئة ورغبة داخلية متباينة، فهناك من يطالب بسرعة إنهاء التهديد المسلّح، وهناك من يرفض أي حل يترك لحماس وجودًا أو تأثيرًا، فالمؤسسة الأمنية قد تقبل خطوات مرحلية (كالهدنة وتبادل الأسرى)، لكن فكرة إدارة دولية أو انتقالية تُثير مخاوف جدية بشأن الأمن طويل الأمد.حركة حماس أبدت استعدادًا للتفاوض حول الهدنة وتبادل للأسرى، لكنها تصرّ على عدم قبول نزع السلاح أو خسارة مواقعها السياسية بشكل كامل، قبولها كان مشروط بعدم تقوّيض وجودها، الذي يعني مخاطرة كبرى بالنسبة إليها، ورفضها يزيد من احتمالات استمرار المواجهة.
الموقف العربي والدولي.
تلعب دول مثل مصر وقطر دور وسيط، وتراقب دول خليجية أخرى الملفّ بحذر، اما المجتمع الدولي يفضّل وقف العنف ويؤيّد إجراءات إنسانية، لكنه متردد حيال آليات فرض إدارة انتقالية أو نزع سلاح بصورة آمنة ومقبولة لجميع الأطراف.تأثير الخطة على مسار حل الدولتين.
الخطة لا تقدم صيغة واضحة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل تركز على الجانب الأمني والإنساني لقطاع غزة، وهذا قد يؤدي عمليًا إلى مزيد من الانفصال بين غزة والضفة، وهو ما يضعف المسار التقليدي لحل الدولتين.
في المقابل، إن نجحت الخطة في تأمين هدنة طويلة وتحسين الأوضاع الإنسانية، فربما تفتح نافذة لاحقة لمفاوضات سياسية أوسع، لكن على نحو مختلف عمّا اعتُبر سابقًا “حل الدولتين”.الحلول المتوقعة.
نجاح جزئي: تبادل أسرى وهدنة مؤقتة تُخفف من التوتر، بينما تبقى النقاط الشائكة (نزع السلاح والإدارة الانتقالية) عالقة.
تعطيل كامل: رفض أحد الأطراف أو ضغوط داخلية يؤديان إلى انهيار المبادرة ومواصلة العمليات.
تطبيق تدريجي: بدءًا بخطوات إنسانية وإعمارية، وإذا توفّرت إرادة دولية وإقليمية، تتحول المبادرة إلى مسار تفاوضي أوسع.برأينا أن الخطة تحمل عنصراً من الطموح السياسي أكثر من كونها حلًا نهائيًا للمشكلة، فهي محاولة لإدارة أزمة لا لحل جذورها، معوقات التنفيذ كبيرة، أبرزها شرط نزع سلاح حماس ورفض قطاعات إسرائيلية لأي شكل من أشكال الوجود المؤسسي للحركة عمليًا، الأرجح حدوث تقدم محدود (هدنة وتبادل أسرى)، بينما تبقى البنود الأكثر حساسية مرهونة بمساومات سياسية وإقليمية طويلة.
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةالمظاهر المسلحة وأثرها على العملية السياسية في العراق
تمثل ظاهرة انتشار السلاح خارج إطار الدولة، إحدى أبرز الإشكاليات التي تعرقل استقرار العملية السياسية في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم، فهي ليست مجرد قضية أمنية فحسب، بل هي أزمة سياسية ومجتمعية تمس جوهر مفهوم الدولة الحديثة وسيادتها، لما لها من أرهاصات وتداعيات كبيرة، منها ما يتعلق :
أولاً: إضعاف سلطة الدولة
وجود فصائل وحركات مسلحة تمتلك نفوذاً في الشارع، يجعل الدولة عاجزة عن احتكار العنف المشروع، وهو المبدأ الذي تقوم عليه أي دولة قوية، هذا الضعف ينعكس على قدرة المؤسسات الرسمية في فرض القانون بشكل متساوٍ، حيث تتحول بعض المناطق إلى ساحات نفوذ للفصائل، والحركات أكثر مما هي تحت سلطة الدولة.ثانياً: التأثير على العملية الديمقراطية
المظاهر المسلحة تلقي بظلالها الثقيلة على الانتخابات، إذ قد تُستعمل أداة ضغط على الناخبين أو المرشحين، سواء بالترهيب المباشر أو من خلال إشاعة أجواء خوف تمنع المنافسة الحرة، أو فيما يتعلق بوصفها بديل عن الدولة تلجأ إليها المجتمعات للحماية وفرض القوة على الآخرين، وبالتالي، تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي وتضعف الثقة الشعبية بالنظام الديمقراطي القائم.ثالثاً: تعطيل بناء مؤسسات الدولة
الأحزاب التي تمتلك أذرعاً مسلحة قادرة على التأثير في عمل السلطات الثلاث، وتحديداً السلطتين التشريعية والتنفيذية، هذا التأثير يعطل جهود الإصلاح، ويجعل من الصعب بناء مؤسسات مستقلة تعمل وفق القوانين والدستور بعيداً عن الضغوط المسلحة.رابعاً: تعزيز الانقسام المجتمعي
غالباً ما ترتبط الفصائل والحركات المسلحة بانتماءات طائفية أو قومية، أو مصلحية، مما يرسّخ الانقسام داخل المجتمع العراقي، بدلاً من أن تكون العملية السياسية فضاءً للحوار الوطني، تتحول إلى ساحة صراع ومساومة، بين قوى تمتلك القوة والسلاح وتسعى لفرض إرادتها على الآخرين بالقوة.خامساً: تقويض القرار السيادي
الارتباطات الخارجية لبعض الحركات والقوى والفصائل المسلحة، تجعل القرار السياسي العراقي خاضعاً لحسابات إقليمية ودولية، وهو ما يضعف استقلالية الموقف الوطني، ويجعل العراق ساحة صراع بالوكالة أكثر من كونه دولة ذات سيادة.سادساً: تهديد السلم الأهلي
وجود السلاح خارج سيطرة الدولة يحوّل أي خلاف سياسي او عشائري إلى احتمال لصراع مسلح، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويجعل الاستقرار رهيناً للتوازنات بين القوى المسلحة لا لقوة الدولة ومؤسساتها.إن المظاهر المسلحة في العراق ليست مجرد تحدٍّ أمني، بل هي أزمة سياسية تعطل بناء الدولة الحديثة وتضعف المسار الديمقراطي، واستمرارها يعني بقاء العملية السياسية رهينة لتوازنات القوة المسلحة بدلاً من أن تكون انعكاساً للإرادة الشعبية الحرة.
الحل الجذري يكمن في حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مؤسساتها الأمنية والقضائية، بما يضمن استقرار النظام السياسي ويعيد ثقة المواطن بالدولة كإطار جامع للجميع بعيدا عن المحسوبيات الأخرى .مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةإعلان نيويورك: الدلالات السياسية لانحياز المجتمع الدولي نحو حل الدولتين
اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة “إعلان نيويورك” بأغلبية 142 دولة مؤيدة مقابل 10 معارضة وامتناع 12 دولة، يعكس منعطفاً سياسياً جديداً في التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية.هذا القرار، رغم طابعه غير الملزم، يحمل رمزية سياسية قوية ويكشف عن عزلة متزايدة للولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة موقف عالمي شبه موحد يؤكد على أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد القابل للحياة.أولاً: مغزى الأرقام في التصويت142 دولة مؤيدة: تمثل غالبية ساحقة من المجتمع الدولي، وهو ما يمنح الإعلان وزناً معنوياً وسياسياً كبيراً.10 دول معارضة: معظمها حلفاء تقليديون لواشنطن أو دول صغيرة مرتبطة بها اقتصادياً وسياسياً.12 دولة ممتنعة: خاصة من أوروبا الغربية، وهو امتناع يعكس التوازن الصعب بين الضغوط الأميركية وبين تنامي التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين.ثانياً: انعكاسات القرار على الولايات المتحدةيكرس التصويت صورة الولايات المتحدة كداعم وحيد تقريباً لإسرائيل، مما يضعف خطابها عن الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد.يعزز من الانتقادات لواشنطن داخل المحافل الدولية، خاصة في الجنوب العالمي الذي يرى في القضية الفلسطينية معياراً لصدقية القيم الغربية.قد يفرض على الإدارة الأميركية إعادة النظر في أسلوب إدارتها للملف الفلسطيني إذا أرادت تجنب مزيد من العزلة الدبلوماسية.ثالثاً: انعكاسات القرار على إسرائيلالقرار يشكل ضربة سياسية لإسرائيل، إذ يعكس شبه إجماع دولي على رفض سياساتها القائمة على الاحتلال والاستيطان.يعمّق من عزلتها الدبلوماسية، ويمنح زخماً إضافياً للحملات الدولية الداعية لمقاطعتها أو فرض عقوبات عليها.يعزز الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة الإسرائيلية للدخول في مسار تفاوضي، ولو شكلي، لتجنب ضغوط أشد في المستقبل.رابعاً: المكاسب الفلسطينيةيمثل القرار انتصاراً دبلوماسياً يعزز شرعية المطالب الفلسطينية بحق الدولة المستقلة وحق تقرير المصير.يفتح المجال أمام تحركات جديدة، مثل المطالبة بعضوية كاملة في الأمم المتحدة والانضمام إلى مزيد من الاتفاقيات الدولية.يوفر غطاءً سياسياً للدول الراغبة في الاعتراف بدولة فلسطين أو اتخاذ خطوات عملية لدعم حقوق الفلسطينيين.خامساً: أوروبا والانقسام الغربيامتناع دول أوروبية رئيسية (مثل ألمانيا وبريطانيا) يكشف حالة الحرج السياسي بين التبعية للتحالف الأطلسي وبين ضغوط الرأي العام الداخلي.هذا الانقسام يعكس تراجع النفوذ الأميركي داخل القارة، ويمنح الفلسطينيين فرصة لاستثمار التحولات التدريجية في مواقف أوروبا.إعلان نيويورك ليس مجرد قرار رمزي في الأمم المتحدة، بل هو إعادة صياغة لموازين الشرعية الدولية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ورغم أنه لا يلغي التعقيدات على الأرض ولا يفرض حلاً عملياً، إلا أنه يرسخ حقيقة مفادها أن المجتمع الدولي لن يمنح أي شرعية لمسارات تتجاوز حل الدولتين.هذه الرسالة، وإن بدت سياسية، إلا أنها تحمل في طياتها ضغطاً استراتيجياً متصاعداً على إسرائيل وحلفائها، ودفعة قوية للدبلوماسية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.مهند ال كزارماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةالمطالبة الأمريكية بقاعدة باغرام وربطها بتطورات بولندا–بيلاروسيا: قراءة تحليلية
تتصاعد في الأسابيع الأخيرة ملامح مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى، ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل أيضًا في قلب آسيا الوسطى. ففي الوقت الذي تحتدم فيه التوترات على حدود بولندا–بيلاروسيا، برزت مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة السيطرة على قاعدة باغرام في أفغانستان، وهي القاعدة التي مثلت لأكثر من عقدين ركيزة رئيسية للوجود الأمريكي في المنطقة.
هذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس محاولة أمريكية لإعادة التموضع الاستراتيجي على جبهات متعددة في مواجهة قوى كبرى منافسة.الخلفية: باغرام ومعضلة الانسحاب
قاعدة باغرام الجوية، الواقعة شمال كابول، كانت أكبر مركز عمليات أمريكي في أفغانستان منذ 2001 حتى الانسحاب الفوضوي في 2021، بعد مغادرة القوات الأمريكية، سيطرت طالبان على القاعدة، وحولتها إلى رمز لانتصارها العسكري والسياسي، عودة الحديث عن استعادة باغرام تعكس اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بأن فقدانها كان خطأ استراتيجيًا مكلفًا.
دوافع واشنطن للمطالبة بباغرام
1. التموضع الجيوسياسي: القاعدة تقع على تماس مباشر مع الصين، قريبة من إيران، وتمنح قدرة على مراقبة آسيا الوسطى وروسيا. أي سيطرة أمريكية عليها ستُترجم إلى ورقة ضغط كبرى في صراع النفوذ العالمي.
2. السيطرة على الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود: تصاعد نشاط داعش-خراسان في أفغانستان يثير مخاوف من سيطرة جهات أخرى على هذه التنظيمات، وهو ما تحاول واشنطن استباقه.
3. الرسائل الداخلية والخارجية: إعادة طرح ملف باغرام يخدم ترامب داخليًا، بتقديمه كتصحيح لأخطاء الانسحاب السابق، ويبعث خارجيًا برسالة مفادها أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن مواقعها الاستراتيجية.
4. موازنة النفوذ الصيني–الروسي: في الوقت الذي تعزز فيه الصين استثماراتها الاقتصادية في التعدين والطاقة داخل أفغانستان، وتفتح روسيا قنوات سياسية وأمنية مع طالبان، تحاول واشنطن قطع الطريق أمام أي تموضع منافس في خاصرة آسيا.
رفض طالبان وحدود الممكن
ردت حكومة طالبان بقوة على التصريحات الأمريكية، مؤكدة أن السيادة الأفغانية «غير قابلة للتجزئة»، وأنها لن تسمح بأي وجود عسكري أجنبي.
هذا الموقف يجعل من الصعب تخيل عودة واشنطن إلى باغرام دون صيغة تفاوضية جديدة، قد تكون في شكل تعاون لوجستي أو أمني مشروط، أكثر من كونها سيطرة مباشرة.التطورات في بولندا–بيلاروسيا: جبهة موازية
في أوروبا الشرقية، تتصاعد التوترات بين بولندا وبيلاروسيا على خلفية تحركات عسكرية روسية مشتركة مع مينسك، وتكثيف حشود على الحدود.
الناتو بدوره يعزز وجوده في بولندا، في إطار ما يُعرف بسياسة الردع الأمامي، هذه التطورات تكشف أن خطوط التماس بين واشنطن وموسكو لا تقتصر على أوكرانيا، بل تمتد إلى حدود الناتو المباشرة.الربط بين الجبهتين
1. نفس منطق القواعد الأمامية: كما أن بولندا تمثل خط الدفاع الأول للناتو أمام روسيا، فإن باغرام يمكن أن تمثل خط مراقبة متقدم ضد الصين وإيران وروسيا في آسيا.
2. إشارات الردع المتبادلة: إرسال قوات إلى بولندا، أو المطالبة بباغرام، كلاهما جزء من خطاب أمريكي–أطلسي يؤكد أن التراجع ليس خيارًا.
3. توقيت استراتيجي متزامن: تصعيد في أوروبا (بولندا–بيلاروسيا) يقابله إعادة تفعيل أوراق في آسيا (باغرام)، بما يضمن للولايات المتحدة القدرة على الضغط على أكثر من جبهة في الوقت ذاته.
التداعيات المحتملة
1. رفض أفغاني قاطع: أي محاولة أمريكية للعودة دون تفاوض سيقابلها رفض طالبان، ما قد يشعل موجة جديدة من العداء المحلي.
2. حساسية إقليمية: باكستان وإيران لن تقبلا بعودة أمريكية قوية إلى خاصرتهما، هذا قد يفتح الباب لتحالفات أوسع بينهما وبين الصين وروسيا.
3. تصعيد متعدد الجبهات: مع توتر أوروبا الشرقية، وفتح ملف باغرام، قد تجد واشنطن نفسها في مواجهة استنزاف مزدوج: سياسي، دبلوماسي وربما عسكري.
المطالبة الأمريكية بباغرام في هذا التوقيت ليست مجرد إعادة تموضع في أفغانستان، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.
التزامن مع تصاعد التوتر في بولندا–بيلاروسيا يوضح أن واشنطن تسعى إلى تثبيت حضورها في نقاط تماس حيوية، بهدف تطويق خصومها الرئيسيين: روسيا والصين وإيران.
غير أن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، خاصة إذا لم تُدار بعناية عبر قنوات دبلوماسية متوازنة.هذا التحليل يوضح الترابط بين الجبهتين الأوروبية والآسيوية، ويؤكد أن العالم يتجه إلى مرحلة جديدة من المنافسة متعددة الأقطاب، حيث تسعى الولايات المتحدة لإثبات أن انسحابها من أي ساحة لا يعني فقدانها القدرة على العودة إليها حين تشاء.
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةبولندا وبيلاروسيا: البوابة الملتهبة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي
لم تعد الحدود بين بولندا وبيلاروسيا مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين، بل تحولت إلى جبهة تماس استراتيجية تعكس الصراع الأوسع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومع تصاعد المناورات العسكرية، وتزايد نشاط الطائرات المسيرة، وإغلاق المعابر الحدودية، بات واضحًا أن هذه المنطقة أصبحت مرشحة لأن تكون ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى.
أولاً: بيلاروسيا.. الحليف الأوثق لموسكو
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تعززت مكانة بيلاروسيا كقاعدة خلفية للجيش الروسي، مينسك لم تعد مجرد جار، بل أصبحت جزءًا من البنية الأمنية الروسية، حيث تجري المناورات المشتركة، وتُخزن الأسلحة، وتُوجّه رسائل الردع إلى الغرب.
تدريبات “زاباد-2025” لم تكن استعراضًا عاديًا، بل حملت رسائل واضحة حول الاستعداد لسيناريوهات مواجهة مباشرة مع الناتو.
إشارات استخدام صواريخ فرط صوتية وحتى أسلحة غير تقليدية، رفعت القلق الأوروبي إلى أعلى مستوياته.ثانياً: بولندا.. رأس الحربة في الجناح الشرقي للناتو
بولندا، العضو النشط في الناتو، ترى نفسها خط الدفاع الأول ضد أي تهديد روسي-بيلاروسي.
أغلقت حدودها مع بيلاروسيا خلال التمارين الروسية الأخيرة، ورفعت مستوى الجهوزية العسكرية.
عززت قدراتها الدفاعية عبر شراء أنظمة باتريوت وصواريخ بعيدة المدى من الولايات المتحدة.
سياسياً، تقود وارسو حملة أوروبية للضغط على مينسك وعزلها دولياً بسبب دورها في دعم روسيا.ثالثاً: التوتر الحدودي.. حرب هجينة مفتوحة
التوتر لم يعد يقتصر على الجيوش، بل انتقل إلى الحرب الهجينة، صد متكرر للطائرات المسيرة على الحدود، بعضها اخترق أجواء بولندا وتم إسقاطه، واعتقالات متبادلة بتهم التجسس، وتصعيد في الحملات الإعلامية بين الطرفين، واستخدام ملف الهجرة غير الشرعية كأداة ضغط من قبل بيلاروسيا على بولندا والاتحاد الأوروبي.
رابعاً: الحسابات الاستراتيجية بين روسيا والناتو
روسيا: تسعى عبر بيلاروسيا إلى إبقاء الناتو منشغلاً بجبهته الشرقية، وتشتيت جهوده بين أوكرانيا والبلطيق.
الناتو: يعتبر بولندا نقطة ارتكاز رئيسية لنشر قواته وتعزيز الردع على طول الجبهة الشرقية.الحدود بين بولندا وبيلاروسيا لم تعد شأناً محلياً أو إقليمياً، بل غدت خط الصدع الأبرز في العلاقة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي.
ومع استمرار المناورات والتوترات الأمنية، تبدو هذه المنطقة مفتوحة على احتمالات خطيرة، حيث قد يتحول أي حادث عرضي إلى مواجهة عسكرية أوسع، وكل تحرك حدودي يتحول إلى رسالة استراتيجية متبادلة، تزيد من احتمالات سوء الفهم والتصعيد.
وبذلك، تبقى بولندا وبيلاروسيا مرآة مكثفة لصراع عالمي على النفوذ والهيمنة في أوروبا الشرقية.مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةإيران و”كهف الحصار”: قراءة في تداعيات تفعيل آلية الزناد وإعادة العقوبات الدولية
المقدمة
يشهد النظام الدولي تطورًا جديدًا في مسار التعاطي مع الملف النووي الإيراني، بعدما فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار يمدد تعليق العقوبات بشكل دائم على طهران. هذا الفشل أعاد إحياء النقاش حول آلية الزناد المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2231، ما يفتح الباب أمام عودة شاملة للعقوبات في 28 سبتمبر 2025.
هذا التطور يطرح تساؤلات حول مستقبل إيران السياسي والاقتصادي، وحول خريطة التوازنات في الشرق الأوسط، في ظل ما يُطلق عليه البعض مشروع “الشرق الأوسط الجديد” وفق الرؤية الترامبية التي تزاوج بين الأمن والتنمية والاستقرار.أولًا: خلفية القرار
في 19 سبتمبر 2025 فشل مجلس الأمن في تمرير قرار يمنح إيران رفعًا مؤبدًا للعقوبات، ليبقى مسار “الحصار الدولي” هو المرجح،
تفعيل آلية الزناد جاء بمبادرة من الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) التي اتهمت طهران بعدم الالتزام بتعهداتها النووية.
هذه الآلية تمنح المجتمع الدولي حق إعادة فرض العقوبات الأممية تلقائيًا خلال 30 يومًا، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية.ثانيًا: التداعيات المحتملة على إيران
1. اقتصاديًا:
عودة العقوبات ستعني تجميد التعاملات المالية الدولية، انخفاض صادرات النفط، وتشديد القيود على حركة الاستثمارات.
هذا سيدفع الاقتصاد الإيراني أكثر نحو محور الصين وروسيا، مع تقليص فرص الانفتاح على أوروبا.2. سياسيًا:
النظام الإيراني سيواجه ضغطًا داخليًا متزايدًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة.
خارجيًا، قد يُضطر إلى إعادة التموضع في مفاوضات مستقبلية أو إلى تصعيد إقليمي عبر أوراق النفوذ في العراق، لبنان، اليمن.3. استراتيجيًا:
تفعيل العقوبات يتقاطع مع مشروع “طوق الحصار” الذي يُراد به تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، الرؤية الترامبية تسعى لربط الأمن الإقليمي بالتنمية الاقتصادية، وهو ما يتقاطع مع بعض التصورات العربية للأمن الجماعي.
ثالثًا: الأبعاد الإقليمية
العالم العربي: دول الخليج ستنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها فرصة لتقليص المخاطر الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته تخشى من أي رد فعل عسكري أو أمني قد يهدد استقرار أسواق الطاقة.
إسرائيل: ترى في هذا المسار تعزيزًا لاستراتيجيتها الرامية إلى تحجيم البرنامج النووي الإيراني.
تركيا ومصر: رغم انشغالهما بملفات داخلية وإقليمية أخرى، إلا أن مصلحتهما تكمن في إبقاء إيران تحت ضغط، لتقليص التمدد الشيعي السياسي.رابعًا: البعد الدولي
الولايات المتحدة: تعتبر عودة العقوبات انتصارًا لمقاربتها القائمة على الضغط الأقصى.
روسيا والصين: من المرجح أن تعارضا هذا التوجه، لكنهما ستسعيان إلى استثماره لمزيد من ربط إيران بمحور الشرق في مواجهة الغرب.
أوروبا: موقفها معقد، فهي بين حاجتها للنفط الإيراني ورغبتها في فرض الانضباط على طهران.إعادة إيران إلى “كهف الحصار” الدولي ليست مجرد خطوة عقابية، بل تعبير عن إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، ورغم أن العقوبات تمثل ضغطًا خانقًا، إلا أن طهران قد تجد فيها فرصة لتعزيز علاقاتها مع الشرق، وتوسيع أدوات نفوذها في المنطقة.
يبقى السؤال المركزي: هل ستؤدي هذه الخطوة إلى تغيير سلوك إيران بما يخدم الرؤية الترامبية في الشرق الأوسط، أم أنها ستدفع نحو مزيد من التشدد في المواقف، وتوتر لدى واشنطن وحليفتها تل أبيب؟مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةتحالفات جديدة وموازين متغيّرة: العالم يقترب من مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية
في غضون أيام قليلة فقط، شهد العالم سلسلة أحداث متلاحقة تحمل دلالات استراتيجية عميقة: باكستان تدعو إلى إنشاء تحالف إسلامي على غرار الناتو، وتوقّع مع السعودية معاهدة دفاع مشترك؛ مصر وتركيا تجريان مناورات بحرية هي الأولى منذ أكثر من عقد؛ الولايات المتحدة تستخدم الفيتو في مجلس الأمن لمنع وقف إطلاق النار في غزة؛ فيما يعلن وزير الدفاع الصيني أنّ جيشه بات جاهزاً للعمل كقوة عالمية “من أجل السلام والاستقرار”.
هذه التطورات ليست عابرة ولا يمكن قراءتها كلٌّ على حدة، بل تعكس موجة غضب دولية من الاستفراد الأميركي ـ الإسرائيلي بالقرار في الشرق الأوسط، ومحاولة بلورة بدائل وتحالفات جديدة تكسر احتكار القوة والقرار.أولاً: التحالف السعودي ـ الباكستاني … نواة لـ “ناتو إسلامي”؟
توقيع الرياض وإسلام آباد على معاهدة دفاع مشترك هو خطوة مفصلية، إذ ينص الاتفاق على أن أي عدوان على أحدهما يُعتبر عدواناً على الآخر.
الأخطر هنا هو تصريح مسؤولين باكستانيين بأن قدرات بلادهم النووية يمكن أن تُستخدم لحماية السعودية “إذا اقتضى الأمر”، ما يمنح الرياض مظلة ردع استراتيجية غير مسبوقة.هذا الاتفاق يتجاوز الثنائية السعودية ـ الباكستانية، إذ فتح وزير الدفاع الباكستاني الباب أمام دول عربية أخرى للانضمام، بمعنى آخر، نحن أمام محاولة جدية لطرح بديل أمني “إسلامي” على غرار الناتو، خصوصاً مع تصاعد شعور الدول الإسلامية بخيبة الأمل من المظلة الأميركية التقليدية.
الرابحون هنا: السعودية التي تكتسب قوة ردع إضافية، وباكستان التي تترسّخ مكانتها كلاعب إقليمي قادر على فرض نفسه في الخليج.
الخاسرون: الهند التي ترى في أي تصعيد للتعاون السعودي ـ الباكستاني تهديداً غير مباشر لها، وإسرائيل التي تنظر بريبة لأي ترتيبات يمكن أن تقلّص هامش حركتها.ثانياً: مصر وتركيا … من القطيعة إلى التعاون العسكري
إجراء مناورات بحرية مشتركة بين القاهرة وأنقرة لأول مرة منذ 13 عاماً، يحمل رمزية كبيرة، فالبحر المتوسط تحوّل إلى مسرح صراع على الغاز والنفوذ البحري، ومع ذلك اختارت الدولتان تحويل التنافس إلى تعاون تدريجي.
هذا التقارب يعكس إدراك الطرفين أنّ الاستقطاب لم يعد يخدمهما، وأن الملفات الأمنية والاقتصادية تتطلب تنسيقاً، خاصة في ظل تصاعد المخاطر القادمة من الشرق الأوسط والخليج.
بالنسبة للعالم العربي، عودة التنسيق المصري ـ التركي تضيف وزناً لأي محور إقليمي يسعى إلى التحرّر من “المعادلة الأميركية – الإسرائيلية”، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع مع دول مثل السعودية وقطر.ثالثاً: الفيتو الأميركي في مجلس الأمن … تكريس العزلة الأخلاقية
للمرة السادسة منذ اندلاع العدوان على غزة، استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار الفوري.
هذه الخطوة لم تُسقط فقط مشروع القرار، بل عمّقت قناعة عالمية بأن الولايات المتحدة لم تعد وسيطاً نزيهاً، بل طرفاً منحازاً بالكامل لإسرائيل حتى على حساب القيم الإنسانية والقانون الدولي.
الفيتو الأميركي يضيف وقوداً لغضب الشعوب العربية والإسلامية، ويعطي زخماً إضافياً للمطالبات بتشكيل تحالفات أمنية ودفاعية بديلة عن المظلة الغربية.رابعاً: الصين … نحو دور عالمي أوسع
في منتدى شيانغشان الأمني، أعلن وزير الدفاع الصيني أن جيش بلاده مستعد الآن للعمل كقوة عالمية من أجل السلام والاستقرار، قد تبدو العبارة إنشائية، لكنها في السياق الحالي تحمل رسالة واضحة: الصين تريد ملء الفراغ الذي يخلّفه فقدان الثقة بالدور الأميركي.
الصين لا تمتلك بعد شبكة تحالفات عسكرية مثل الولايات المتحدة، لكنها تراهن على دبلوماسية القوة الناعمة، وعلى تقديم نفسها كبديل “عادل” للنظام الدولي القائم، هذا التوجه يضعها في موقع أقرب للدول العربية والإسلامية التي تبحث عن حلفاء جدد.خامساً: أين يقف العراق في هذه المعادلة؟
بالنسبة للعراق، هذه التحولات تفرض تحديات وفرصاً في الوقت نفسه:
1. التحديات:ازدياد الاستقطاب بين المحاور (أميركا ـ إسرائيل مقابل الصين ـ التحالفات الإسلامية) قد يحوّل العراق إلى ساحة صراع أو منطقة نفوذ متنازع عليها.
القوى الداخلية قد تحاول توظيف هذه الاصطفافات لتعزيز نفوذها على حساب الاستقرار الوطني.2. الفرص:
العراق يستطيع أن يقدّم نفسه كـ “جسر توازن” بين المحاور، بحكم علاقاته المتعددة مع إيران والسعودية وتركيا والولايات المتحدة والصين.
في حال نجح العراق في تبنّي سياسة حياد مرن، يمكن أن يستفيد من الاستثمارات السعودية والتركية ومن الدعم الصيني في البنى التحتية، مع الاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع واشنطن.سادساً: الرابحون والخاسرون في المشهد العام
الرابحون: الدول الإسلامية الكبرى (السعودية، باكستان، مصر، تركيا) التي تعيد صياغة موقعها في النظام الدولي.
الصين التي تقترب أكثر من الشرق الأوسط. الشعوب العربية التي تجد أخيراً أن غضبها من الاحتلال الإسرائيلي يجد صدىً في التحركات السياسية.
الخاسرون: الولايات المتحدة التي تخسر جزءاً من صورتها كقوة “حامية للنظام الدولي”، إسرائيل التي تجد نفسها محاطة بتوازنات جديدة، والهند التي تنظر بقلق إلى تحالف باكستان مع الخليج.المشهد الحالي يشي بأننا على أعتاب مرحلة “ما بعد الهيمنة الأميركية” في المنطقة. صحيح أن واشنطن ما تزال القوة العسكرية الأكبر، لكن قدرتها على فرض إرادتها وحدها تتراجع أمام تحالفات جديدة، بعضها ما زال في طور التشكّل.
العالم العربي ـ والإسلامي عموماً ـ أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة معادلات الأمن والدفاع بعيداً عن الاستفراد، لكن النجاح في ذلك يتطلب تجاوز الانقسامات الداخلية، وتحويل الغضب الشعبي إلى مشاريع استراتيجية ملموسة.
أما العراق، فخيار المستقبل أمامه يكمن في أن يكون “رمانة الميزان” لا “ساحة التصفية”، وأن يوظّف موقعه الجغرافي والسياسي ليكون لاعباً لا ملعباً.مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةإدراج فصائل عراقية على لوائح الإرهاب: الدلالات والانعكاسات
أعلنت الولايات المتحدة في السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2025 إدراج أربع فصائل عراقية على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO)، وهي: حركة النجباء، كتائب الإمام علي، كتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء.
هذه الخطوة تمثل تصعيداً نوعياً، حيث كانت بعض هذه الفصائل مدرجة سابقاً تحت تصنيفات عقوبات مالية (SDGT)، لكن تصنيفها كـ”منظمات إرهابية” يوسّع نطاق الإجراءات القانونية والاقتصادية ضدها، ويمنح واشنطن أدوات إضافية للتحرك ضدها.
الأسباب والدوافع تستند واشنطن في هذه الخطوة إلى اتهامات بارتباط هذه الفصائل بإيران، وضلوعها في هجمات استهدفت المصالح الأميركية وقوات التحالف في العراق وسوريا، كما ترى الإدارة الأميركية أنّ هذه الفصائل تعيق جهود ترسيخ سيادة الدولة العراقية وتعمل خارج الأطر الرسمية. التداعيات القانونية والاقتصادية ١. تجميد الأصول المالية لهذه الفصائل أينما وُجدت. ٢. حظر أي تعاملات تجارية أو مالية معها من قبل شركات أو أفراد. ٣. اعتبار أي دعم مادي أو لوجستي لها جريمة بموجب القانون الأميركي. الانعكاسات السياسية على العراق داخلياً: سيزيد الضغط على الحكومة العراقية حول كيفية معالجة هذا الموضوع، وقد يفتح سجالاً داخلياً بين القوى السياسية، خصوصاً أنّ أغلب هذه القوى لها امتدادات برلمانية وشعبية ومشاركة بقوة في الانتخابات البرلمانية القادمة. إقليمياً: يعمّق التوتر مع إيران التي تعتبر هذه الفصائل جزءاً من محور المقاومة وأن هذه الخطوة هي استهداف مباشر لشبكة نفوذها في المنطقة. دولياً: يُعيد تأكيد التزام واشنطن بسياسة تطويق نفوذ محور المقاومة في المنطقة، ويمهّد لإجراءات إضافية قد تشمل عقوبات أوسع أو حتى ضربات محدودة ضد أشخاص ومواقع تابعة لهذه الفصائل. إسرائيل: المستفيد غير المعلن لا يمكن إغفال البعد الإسرائيلي من هذا القرار، فالكثير من هذه الفصائل العراقية ترتبط بخطوط دعم لوجستي وسياسي مع حزب الله اللبناني وحركة حماس، وهما خصمان رئيسيان لإسرائيل، وإدراج هذه الفصائل على لوائح الإرهاب يسهّل لإسرائيل تبرير أي عمليات عسكرية أو استخباراتية تستهدف مواقع عسكرية وسياسية لهذه الفصائل داخل العراق. كما أنّ هذا التصنيف يمنح تل أبيب غطاءً سياسياً أوسع في المحافل الدولية، إذ تستطيع تسويق روايتها عن "وحدة الجبهات" المدعومة من إيران، وتبرير سياساتها الأمنية باعتبارها جزءاً من المعركة العالمية ضد الإرهاب، وبذلك تجد إسرائيل نفسها من أبرز المستفيدين من هذه الخطوة الأميركية، سواء على مستوى الأمن المباشر أو الشرعية الدولية. خطوة الإدراج الأخيرة لا تبدو منفصلة عن مسار أوسع تعمل عليه واشنطن منذ أشهر: عزل الفصائل التي ترى انها قريبة من إيران عن مؤسسات الدولة العراقية، ومنعها من الاستفادة من موارد مالية أو غطاء سياسي دولي. ومع ذلك، فإنّ هذه الإجراءات قد تحمل مخاطر عكسية، إذ قد تدفع هذه الفصائل إلى مزيد من التشدد والتقارب مع طهران ومواجهة التغطرس الأمريكي_الإسرائيلي في المنطقة. الحل الأمثل يظلّ مرهوناً بقدرة العراق على تبنّي مشروع سيادي داخلي يعيد هيكلة العلاقة بين الدولة وهذه الفصائل، ويمنع القوى الخارجية من استغلال حالة الانقسام. مهند ال كزار ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
اغتيال تشارلي كيرك: بين الصدمة السياسية وتداعيات الانقسام الأميركي
يشكّل اغتيال الناشط السياسي الأميركي المحافظ تشارلي كيرك لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة، ففي العاشر من أيلول/سبتمبر 2025، تلقّى كيرك رصاصة قاتلة في الرقبة أثناء إلقائه كلمة أمام ثلاثة آلاف شخص في جامعة يوتا فالي، لم تكن الحادثة مجرد جريمة جنائية، بل مثّلت حدثاً صادماً، كونه وقع على الهواء وأمام جمهور غفير، مما جعله رمزاً لانفجار حالة الاحتقان السياسي الداخلي.
كيرك برز كأحد أبرز الوجوه المحافظة الأميركية، مؤسس منظمة Turning Point USA، وصوت مؤثر بين الشباب الجمهوري، عُرف بارتباطه الوثيق بالرئيس السابق دونالد ترامب، ودفاعه عن القيم اليمينية التقليدية في مواجهة ما وصفه بـ”الهيمنة الليبرالية”.
التحقيقات الأولية أشارت إلى أن المشتبه به، الشاب تايلر روبنسون (22 عاماً)، أطلق النار من سطح مبنى مجاور مستخدماً بندقية صيد عسكرية قديمة الطراز من نوع ماوسر 30-06. عُثر على السلاح لاحقاً ملفوفاً بمنشفة في غابة قريبة، الأدلة الجنائية وكاميرات المراقبة عززت فرضية تورطه، فيما لا تزال دوافعه قيد التحليل، مع ترجيح وجود بُعد سياسي واضح.
التداعيات السياسية
1. الجمهوريون: استثمر الحزب الجمهوري الحدث للتأكيد على أن اليمين يتعرض لاستهداف ممنهج، اما ترامب وصف كيرك بـ”شهيد الحقيقة”، وشبّه اغتياله بأحداث تاريخية مثل اغتيال جون كينيدي، لكن في سياق استقطاب حزبي حاد.
2. الديمقراطيون: أدانوا الحادث واعتبروه “فعلاً جباناً”، لكنهم رفضوا ربطه باليسار كتيار، مشددين على أن الجريمة فردية، فقد دعا الرئيس بايدن إلى تهدئة الخطاب السياسي محذراً من أن “الكراهية السياسية تهدد بتقويض الديمقراطية”.
3. الرأي العام: الشارع الأميركي انقسم بين مسيرات ضخمة لتأبين كيرك، وبين مخاوف من ردود فعل عنيفة قد تُدخل البلاد في دوامة انتقام سياسي، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات.
البُعد الدولي
الإدانات الدولية لم تتأخر، إذ اعتبرت عواصم أوروبية ولاتينية أن ما جرى يفضح هشاشة التجربة الديمقراطية الأميركية، وأن خطاب الاستقطاب في الداخل الأميركي بات يتجاوز الحدود الطبيعية للعملية السياسية.
اغتيال كيرك قد يكون نقطة تحوّل في المشهد الأميركي، ليس فقط على مستوى تعزيز الحماية الأمنية للشخصيات العامة، بل أيضاً في إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والإعلام والخطاب الجماهيري، ومن المرجح أن يُستثمر الحادث لصالح التيار اليميني الذي سيُقدّم كيرك بوصفه ضحية الاستقطاب، مما قد يرفع أسهمه في المعركة الانتخابية المقبلة.
ما جرى مع تشارلي كيرك لا يمكن عزله عن سياق الانقسام الأميركي الحاد، فهو اغتيال سياسي بكل معنى الكلمة، قد تكون نتائجه أبعد من شخص كيرك نفسه، لتلامس مستقبل الديمقراطية الأميركية، وربما صورة الولايات المتحدة في العالم.
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةالإدانة العربية-الإسلامية للاعتداء على قطر: بين الخطاب الرمزي وخيار العقوبات الاقتصادية.مهند ال كزارجاء انعقاد القمة العربية-الإسلامية الطارئة في الدوحة (15 أيلول/سبتمبر 2025) في سياق بالغ الحساسية، إثر الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي القطرية، وهو تطور يخرق قواعد القانون الدولي ويشكل تهديداً مباشراً لدور قطر الوسيط في النزاعات الإقليمية.وقد تمخضت القمة عن إدانة جماعية للعدوان، إلا أن هذه الخطوة تطرح إشكالية العلاقة بين الخطاب السياسي الرمزي وبين الآليات العملية للعقاب أو الردع، خصوصاً في المجال الاقتصادي؟تُظهر الأدبيات المتعلقة بالعلاقات الدولية أن الإدانة السياسية تمثل أداة من أدوات “القوة الناعمة” الموجهة نحو بناء الشرعية ونزعها عن الفاعل المعتدي، غير أن فعالية هذه الأداة تبقى محدودة في غياب تكاملها مع أدوات الضغط المادية، ومنها العقوبات الاقتصادية أو المقاطعات التجارية، التي تصنَّف ضمن أدوات “القوة الصلبة غير العسكرية”.تحليل الوضع الراهن1. الإدانة كرسالة سياسيةالبيان الختامي عزز وحدة الموقف العربي-الإسلامي وأعاد تثبيت مبدأ رفض الاعتداءات على سيادة الدول، هذه الخطوة ضرورية لحماية النظام الإقليمي من الاختراقات القانونية والسياسية.2. العقوبات الاقتصادية كخيار مطروحإمكانات الضغط: العالم العربي-الإسلامي يمتلك أوراقاً مهمة مثل أسواق الطاقة، وحجم الاستثمارات السيادية، والقدرة على توجيه الرأي العام في المحافل الدولية.تجارب تاريخية: المقاطعة العربية لإسرائيل في منتصف القرن العشرين شكلت حالة جزئية من الردع، لكنها تراجعت مع توقيع اتفاقيات سلام فردية.الواقع الحالي: تعدد مستويات العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل يعقّد إمكانية فرض عقوبات جماعية، إلا أن أدوات مثل الضغط على الشركات متعددة الجنسيات أو مقاطعة المنتجات الإسرائيلية تبقى قابلة للتنفيذ.3. التحديات– الانقسام السياسي العربي والإسلامي بين محاور مختلفة.– الضغوط الدولية، لاسيما من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي قد تعتبر العقوبات تهديداً لمصالحها.– الاعتبارات الاقتصادية الداخلية للدول التي تعتمد على شراكات خارجية حساسة.إن الإدانة تكتسب قيمتها الأساسية في الحفاظ على شرعية الموقف العربي-الإسلامي، لكنها غير كافية لردع إسرائيل، وان الخطوة التصعيدية المنطقية هي تبني عقوبات أو مقاطعات اقتصادية مدروسة، ولو بشكل تدريجي، بما يقلل الكلفة على الدول المشاركة ويزيد الكلفة على الطرف المعتدي.من جانب أخر؛ تحتاج الدول إلى إطار مؤسسي مشترك (لجنة متابعة أو آلية اقتصادية جماعية) لضمان تنفيذ القرارات، وتجاوز عثرات التجارب السابقة، ويمكن القول إن التحول من الإدانة إلى العقوبات يمثل انتقالاً من الشرعية الرمزية إلى الشرعية الفاعلة، أي تحويل الخطاب إلى أداة ملموسة لإعادة توازن القوى في المنطقة.إن الاعتداء على قطر كشف عن هشاشة النظام الإقليمي من جهة، وعن الحاجة إلى تجاوز “ثقافة الإدانة” من جهة أخرى، وإذا ما أرادت الدول العربية-الإسلامية أن تحافظ على مكانتها وقدرتها الردعية، فلا بد أن تعيد النظر في أدواتها، وأن تجعل من الاقتصاد سلاحاً موازياً للخطاب السياسي، فالإدانة قد تحفظ ماء الوجه، لكن العقوبات هي التي تغيّر السلوك.مهند ال كزارماجستير علاقات دولية ودبلوماسيةفي الاثنين، ١٥ أيلول، ٢٠٢٥، ١٠:٥٧ ص مهند داخل كزار الزيديالقمة العربية – الإسلامية الطارئة في الدوحة: بين الطموح القطري والواقع العربي مع تصاعد التوترات الإقليمية عقب الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مقرات قيادات حركة حماس في قطر، دعت الدوحة إلى عقد قمة عربية – إسلامية طارئة يومي 14 و15 سبتمبر. هذه القمة تحمل في طياتها رهانات سياسية ودبلوماسية كبيرة، ليس فقط لقطر، وإنما للأنظمة العربية والإسلامية بأكملها. الأهداف القطرية تسعى قطر من خلال هذه القمة إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها: 1. إبراز نفسها كقوة إقليمية فاعلة قادرة على قيادة الموقف العربي – الإسلامي. 2. تحشيد موقف جماعي يتجاوز بيانات التنديد التقليدية. 3. توظيف أدوات القانون الدولي لمحاسبة إسرائيل عبر المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة. وقد صرح وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن بلاده "لن تقبل أن تمر الانتهاكات الإسرائيلية دون رد جماعي واضح"، مشددًا على أهمية توحيد الموقف العربي والإسلامي. خريطة المواقف العربية قطر: صاحبة الدعوة، تضغط نحو قرارات عملية. الجزائر والعراق: مؤيدان بقوة لأي تصعيد سياسي أو دبلوماسي ضد إسرائيل، وهو ما أكده الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بقوله إن بلاده "لن تتهاون في الدفاع عن القضية الفلسطينية مهما كانت الظروف". السعودية ومصر والأردن: يتبنون مواقف وسطية؛ السعودية شددت في بيانها الأخير على "رفض الاعتداءات الإسرائيلية على سيادة الدول العربية"، بينما أكدت مصر على استمرارها في دور الوسيط لتفادي التصعيد. الإمارات والمغرب والبحرين: أكثر تحفظًا، لارتباطهم بعلاقات مع إسرائيل، فقد دعت وزارة الخارجية الإماراتية إلى "ضبط النفس وتجنب التصعيد"، وهو ما يعكس تفضيلهم لمخرجات رمزية لا تصعيدية. السيناريوهات المحتملة 1. قرارات قوية وعملية: تشمل مقاطعة دبلوماسية أو تحركات قانونية جادة، وهو سيناريو صعب لكنه يمثل الطموح القطري. 2. تسوية وسطية (الأكثر ترجيحًا): إصدار بيان إدانة شديد اللهجة، المطالبة بجلسة أممية، وتقديم دعم إنساني للفلسطينيين، دون إجراءات ردعية مباشرة. 3. مخرجات رمزية فقط: تنديد ودعم معنوي، وهو سيناريو ضعيف نظرًا لإصرار قطر على أن تكون القمة ذات تأثير ملموس. التوقع الأقرب من المرجح أن تنتهي القمة بتسوية وسطية تجمع بين خطاب سياسي قوي وتحركات قانونية في المحافل الدولية، مع تجنب أي خطوات عملية قد تُربك التوازنات الإقليمية، وهكذا ستتمكن قطر من تسجيل موقف سياسي مهم، لكنها لن تستطيع دفع جميع الأطراف العربية والإسلامية نحو قرارات تتجاوز الإدانة إلى الفعل المباشر. القمة الطارئة في الدوحة هي اختبار حقيقي لمدى جدية الأنظمة العربية والإسلامية في مواجهة الاعتداءات المتكررة على السيادة العربية، وبينما تحاول قطر استثمار الحدث لتأكيد دورها القيادي، فإن الانقسامات العربية – الإسلامية ستجعل من الصعب الخروج بقرارات موحدة وقوية. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد القمة في هذا التوقيت الحساس يحمل رسالة بأن العالم العربي لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالصمت أمام تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية.



مهند ال كزار